صبحي شبانة
لم يعد التهديد الحوثي مجرد فصل من فصول الصراع اليمني، بل أصبح اختبارًا مباشرًا لقدرة المنطقة على حماية أمنها من ميليشيا مسلحة تجاوزت تهديداتها حدود اليمن، وامتدت مخاطرها إلى أمن المملكة العربية السعودية والمنشآت الحيوية والممرات البحرية التي تتوقف عليها مصالح المنطقة والعالم، وحين يتحول السلاح إلى أداة لتهديد الدول واستهداف المنشآت المدنية وتعطيل حركة الطيران والملاحة، فإن الاكتفاء بإدانة الاعتداءات أو احتواء كل أزمة على حدة لم يعد كافيًا، بل تفرض الضرورة مراجعة الإستراتيجية القائمة، والبحث عن مسار يضع حدًا لقدرة هذه الميليشيا المارقة على فرض إرادتها بالقوة، ويعيد لليمن دولته وسيادته، ويمنع تحويل موقعه الإستراتيجي إلى مصدر تهديد لأمن الخليج واستقرار المنطقة، ومن هنا يبرز السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل: ألم يحن الوقت لإنهاء ظاهرة الميليشيا الحوثية بوصفها قوة مسلحة تنازع الدولة اليمنية سلطتها، وتهدد أمن جيرانها، وتستخدم الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على المنطقة والعالم؟.
لقد جاءت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الساعات الماضية لتضع أمن المملكة العربية السعودية في صدارة المشهد، وتمنح هذا السؤال أهمية مضاعفة، فقد كشفت الهجمات التي طالت منشآت حيوية، عن خطورة استمرار التهديدات التي تستهدف أمن المملكة وسلامة أراضيها، وما تنطوي عليه من مخاطر على المدنيين والمنشآت المدنية وشبكات النقل والملاحة الجوية، ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها مجرد تطورات عسكرية عابرة في سياق صراع إقليمي، بل بوصفها تصعيدًا يستوجب موقفًا حازمًا يضع حماية الأرواح والمنشآت الحيوية في مقدمة الأولويات، ويحول دون اتساع دائرة التهديد، فالمملكة بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة محورية في استقرار المنطقة، لا ينبغي أن تظل منشآتها الحيوية عرضة لتهديدات متكررة من جماعات إرهابية تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، فلم يعد التحدي مقتصرًا على التصدي لكل هجوم عند وقوعه، بل تؤكد هذه التطورات أهمية تعزيز وحدة الصف الخليجي وتكامل القدرات الدفاعية لدول مجلس التعاون، بما يرسّخ منظومة أمن خليجي مشترك قادرة على ردع التهديدات والتصدي لها بحزم وفاعلية، فأمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وأمن دوله ومصالحها الإستراتيجية مسؤولية تتطلب أعلى درجات التنسيق والتضامن، وصولًا إلى موقف خليجي موحد يجعل من استهداف أي دولة عضو تهديدًا لأمن المنظومة الخليجية بأسرها، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن تماسك دول الخليج وتكامل قدراتها يشكلان سدًا منيعًا أمام كل من يحاول المساس بأمنها أو زعزعة استقرارها.
إن خطورة استهداف المطارات تتجاوز الأضرار المباشرة والخسائر البشرية، مهما بلغت جسامتها، لتمتد إلى الثقة بأمن السفر، وانتظام حركة النقل الجوي، واستقرار الأنشطة التجارية والاستثمارية. فالمطارات ليست مجرد مرافق خدمية، بل شرايين حيوية للاقتصاد الوطني، وبوابات إستراتيجية تصل المملكة بالعالم، وتدعم مكانتها مركزًا إقليميًا ودوليًا للأعمال والسياحة، فضلًا عن دورها المحوري في استقبال ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين. ومن ثم، فإن المساس بهذه المنشآت لا يستهدف مرفقًا مدنيًا فحسب، بل يطال مصالح اقتصادية وإنسانية واسعة، ويضع سلامة المدنيين وأمنهم في صميم المسؤولية المشتركة. وهو ما يستدعي تعزيز التنسيق والتكامل بين دول الخليج لحماية المنشآت الحيوية، وترسيخ منظومة أمنية مشتركة قادرة على إحباط التهديدات، وصون استقرار المنطقة، والتصدي بحزم لكل محاولة تستهدف أمن دولها أو مقدرات شعوبها.
ولا ينبغي أن تقود هذه التطورات إلى الخلط بين الشعب اليمني، الذي أنهكته سنوات الحرب والفقر وانهيار الخدمات، وبين جماعة الحوثي الإرهابية التي اختطفت قرار الدولة، وفرضت منطق السلاح على مؤسساتها، وأبقت قرار الحرب والسلم خارج إطار الإرادة الوطنية، فاليمنيون هم أول ضحايا هذا الواقع، وهم الأحق باستعادة دولتهم ومؤسساتهم وقرارهم الوطني، والعيش في ظل دولة تحمي مواطنيها، وتصون سيادتها، وتدير علاقاتها مع جيرانها على أساس حسن الجوار والمصالح المشتركة، إن مواجهة التهديد الحوثي لا تعني استهداف اليمن أو تحميل شعبه تبعات ممارسات الجماعة، بل تقتضي مساندة اليمنيين في استعادة وطنهم من قبضة الميليشيا، وهي مسؤولية لا يمكن أن تظل معلقة على الجهود الخارجية وحدها؛ إذ إن تحركًا وطنيًا يمنيًا واعيًا وموحدًا، يستند إلى إرادة شعبية واسعة، ويجمع القوى الوطنية الرافضة لهيمنة السلاح، يمثل ركيزة أساسية لمحاصرة نفوذ الحوثيين وإنهاء سيطرتهم على مؤسسات الدولة، واستعادة القرار الوطني المختطف، فاليمن لن يستعيد عافيته ما دامت ميلشيا الحوثي تحتكر إرادته وتجرّه إلى صراعات لا تخدم مصالحه، ولن يتحقق أمنه واستقراره إلا باستعادة الدولة، وتوحيد مؤسساتها، وإخضاع السلاح لسلطتها الشرعية، بما يفتح الطريق أمام سلام حقيقي يعيد لليمن مكانته، ويؤسس لعلاقات راسخة مع محيطه الخليجي تقوم على الأمن المتبادل والاستقرار والمصير المشترك.
لقد أثبتت التجارب الإقليمية أن ترك الجماعات المسلحة تحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة عن الدولة لا ينتج استقرارًا دائمًا، بل يخلق واقعًا هشًا تتكرر فيه دورات التصعيد من دون معالجة أسباب الخطر، وقد تبدو التفاهمات المؤقتة ضرورية لخفض التوتر وفتح المجال أمام المفاوضات، لكنها تفقد قيمتها إذا تحولت إلى غطاء لاستمرار بناء القدرات العسكرية وإعادة استخدامها عند أول خلاف، والدرس الأهم هنا أن وقف إطلاق النار، على أهميته، ليس بديلًا عن تسوية سياسية تعيد القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة، ولا يمكن أن يكون السلام مستدامًا فيما تظل الأسلحة بعيدة المدى خارج سلطتها، وقادرة على تهديد الدول المجاورة والممرات الدولية.
إن التعامل مع التهديد الحوثي يحتاج إلى الانتقال من سياسة الاستجابة المتكررة إلى إستراتيجية شاملة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتحدد أهدافًا واضحة ومحددة، وتربط أي تهدئة بضمانات واضحة تحول دون تجدد الاعتداءات، فالردع ليس غاية مستقلة، ولا يعني الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا أفق سياسي، وإنما هو وسيلة لحماية السكان والمنشآت، ورفع كلفة الاعتداءات، ومنع الجماعة من الاعتقاد بأن استهداف المملكة يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط تحقق مكاسب سياسية، وفي المقابل، لا تستطيع الدبلوماسية أن تؤدي دورها ما لم تستند إلى موقف إقليمي متماسك، وإرادة دولية واضحة، وإجراءات عملية تمنع استمرار التهديد، وفي هذا السياق لسنا في حاجة الى إطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة تُضاف إلى سجل المبادرات السعودية والجهود الإقليمية والدولية التي بُذلت على مدى سنوات، ولا في استصدار قرارات أممية أخرى تظل حبيسة النصوص ما لم تقترن بآليات فاعلة لتنفيذها؛ فقد قدمت المملكة مبادرات متعاقبة لإيجاد تسوية سياسية للأزمة اليمنية، وصدرت قرارات دولية عديدة تؤكد ضرورة إنهاء الصراع والالتزام بمرجعيات الحل السياسي، لكن الميليشيا الحوثية واصلت تحدي هذه الجهود، والتنصل من الالتزامات، والتعامل مع القرارات الدولية وكأنها خيارات انتقائية لا استحقاقات واجبة التنفيذ.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في صياغة المبادرات أو توسيع دائرة الإدانات، بل في الانتقال إلى مرحلة تُترجم فيها المواقف السياسية والقرارات الدولية إلى إجراءات عملية رادعة، تستند إلى موقف خليجي وعربي ودولي موحد، وتضع حدًا لاستمرار الاعتداءات، وتضمن حماية أمن المملكة ودول الخليج وسيادتها ومنشآتها الحيوية، ويقتضي ذلك بناء موقف دولي أكثر تماسكًا، يجمع دول مجلس التعاون الخليجي، وينسق مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ويستثمر أدوات الأمم المتحدة وعلاقاتها بالقوى الدولية المؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، من أجل ضمان تنفيذ الالتزامات القائمة، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة، ومواجهة مصادر التهديد، بما في ذلك تدفق الأسلحة والمكونات العسكرية التي تعزز القدرات الهجومية للميليشيا، كما ينبغي أن يرتبط أي مسار سياسي بضمانات واضحة تحول دون استخدام المفاوضات غطاءً لكسب الوقت وإعادة بناء القدرات العسكرية، وأن يتزامن ذلك مع دعم القوى الوطنية اليمنية لاستعادة مؤسسات الدولة وقرارها السيادي، وترسيخ مبدأ أن الحرب والسلم شأنان من اختصاص الدولة وسلطتها الشرعية، لا أقلية مسلحة تفرض إرادتها بالقوة، فبعد سنوات من المبادرات والقرارات والجهود الدبلوماسية، بات المطلوب ليس مزيدًا من التعهدات التي يسهل التنصل منها، بل إرادة دولية قادرة على ضمان التنفيذ، وموقف حازم يجعل الالتزام بالسلام مسؤولية فعلية، لا مجرد خطاب سياسي يتكرر فيما يستمر التهديد على الأرض.
إن مسؤولية المجتمع الدولي لا تنبع من اعتبارات التضامن مع المملكة وحدها، على أهمية ذلك، بل من أن أمن البحر الأحمر وباب المندب ليس شأنًا إقليميًا محدودًا، فالممرات البحرية في هذه المنطقة تمثل شرايين أساسية للتجارة الدولية، وترتبط بحركة الطاقة والبضائع وسلاسل الإمداد التي تصل بين آسيا وأوروبا ومناطق أخرى من العالم، وأي تصعيد يهدد أمن السفن أو يرفع مخاطر المرور في البحر الأحمر ينعكس على تكاليف الشحن والتأمين، وقد يدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها، بما يضيف وقتًا وكلفة على التجارة العالمية، وبذلك تصبح قدرة جماعة مسلحة على تهديد هذه الممرات مسألة تتجاوز أطراف الصراع اليمني، وتمس مصالح دول بعيدة جغرافيًا لكنها مرتبطة اقتصاديًا باستقرار المنطقة، وتزداد خطورة الأوضاع حين يُنظر إلى البحر الأحمر وباب المندب في سياق أوسع من التوترات الإقليمية، فالموقع الجغرافي لليمن يمنح من يسيطر على سواحله وقدراته العسكرية قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية الدولية، لكن الجغرافيا وحدها لا تمنح أي جماعة حق تحويل الممرات إلى أوراق ابتزاز سياسي أو عسكري، ولا يجوز أن يتحول أمن الملاحة إلى رهينة لحسابات فصيل مسلح، أو أن يصبح تهديد السفن وسيلة لفرض وقائع جديدة على الدول، ولهذا فإن تأمين البحر الأحمر يتطلب تعاونًا دوليًا مستدامًا، وتبادلًا للمعلومات، وتنسيقًا لحماية الملاحة، إلى جانب معالجة جذور الخطر في اليمن، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه بعد وقوع كل هجوم.
تنطلق أهمية استقرار اليمن بالنسبة للمملكة من اعتبارات إستراتيجية وجغرافية وتاريخية راسخة، تجعل أمن البلدين ومصالحهما المشتركة وثيقي الصلة، وتجعل استقرار اليمن ركيزة أساسية لأمن المنطقة بأسرها، فأمن الحدود الجنوبية للمملكة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود دولة يمنية مستقرة، تمتلك مؤسسات فاعلة، وتبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتمنع استخدام أراضيها منصةً لتهديد جيرانها ولذلك فإن معالجة الأزمة اليمنية لا ينبغي أن تظل رهينة التطورات العسكرية الآنية، بل يجب أن تستند إلى رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، تدعم مؤسسات الدولة الشرعية، وتساند جهود التعافي الاقتصادي وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية مستدامة تحفظ لليمن وحدته وسيادته، ولا تسمح بأن تتحول القوة المسلحة خارج إطار الدولة إلى أداة لفرض الإرادة أو تعطيل مستقبل البلاد، فالتجارب أثبتت أن إضعاف مؤسسات الدولة يهيئ المجال أمام الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها، وأن استعادة الدولة لا تتحقق بمجرد إنهاء المواجهات، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على أداء مسؤولياتها، وتوفير مقومات الحياة الكريمة لمواطنيها، وترسيخ سيادة القانون، ومن هنا فإن دعم اليمن في استعادة دولته وتعزيز استقراره ليس مجرد التزام تجاه بلد جار تربطه بالمملكة أواصر الأخوة والمصير المشترك، بل هو استثمار إستراتيجي في أمن الخليج واستقرار المنطقة، وفي مستقبل تتجاور فيه الدول على أساس السيادة وحسن الجوار والمصالح المتبادلة، ومن المهم أيضًا ألا يتحول أمن المملكة إلى ملف يُترك وحده في مواجهة الاعتداءات، أو يُنظر إليه بوصفه مسألة تخص المملكة وحدها فاستهداف الأراضي السعودية وتهديد مطاراتها ومنشآتها الحيوية يضعان مبدأ الأمن الجماعي أمام اختبار حقيقي، ويتطلب ذلك من دول الخليج تعزيز تبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتنسيق الجهود الدفاعية، ورفع الجاهزية لحماية البنية التحتية المدنية، مع احترام القانون الدولي وتجنب توسيع دائرة الاستهداف، كما ينبغي للدول الكبرى أن تتعامل مع الاعتداءات على المنشآت المدنية والملاحة الدولية باعتبارها تهديدًا للاستقرار العالمي، لا مجرد تطور آخر في صراع إقليمي معقد.
ولا بد في الوقت نفسه من قراءة الراهن اليمني بواقعية، فالحل لا يتحقق بمجرد إعلان هدف إنهاء التهديد، ولا تكفي الضربات العسكرية وحدها لضمان استقرار مستدام إذا لم تقترن بخطة سياسية وأمنية واضحة، فالتجارب أثبتت أن إضعاف القدرات العسكرية لجماعة مسلحة لا يعني بالضرورة زوال نفوذها السياسي أو الاجتماعي، وأن غياب البديل المؤسسي قد يخلق فراغًا جديدًا يفتح الباب أمام جولات أخرى من العنف، لذلك فإن أي تحرك جاد ينبغي أن يحدد ما الذي يراد تحقيقه، وكيف ستُحمى المنشآت والمدنيون، وما المسار الذي سيعيد مؤسسات الدولة، وكيف ستُضمن مشاركة اليمنيين في صياغة مستقبلهم بعيدًا عن الإكراه والسلاح، إن المطلوب ليس الاختيار بين الدبلوماسية والقوة، وكأنهما طريقان متناقضان، بل وضع كل منهما في موضعه الصحيح، فالدبلوماسية تتيح التفاوض وخفض التصعيد وبناء الضمانات، والردع يحمي المسار التفاوضي من أن يتحول إلى فرصة لإعادة بناء القدرات العسكرية واستئناف الاعتداءات، أما الاكتفاء بإدارة الأزمة، مع تكرار الهجمات ثم البحث عن تفاهم مؤقت، فيعني عمليًا ترك أسباب التهديد قائمة، وانتظار وقوع الاعتداء التالي، وقد أثبتت الهجمات الأخيرة على مطارات المملكة أن كلفة هذا الانتظار لا تُقاس فقط بالخسائر المادية، بل بأرواح المدنيين وبالثقة في أمن المنشآت التي تخدم المجتمع والاقتصاد.
وفي المحصلة، فإن اللحظة الراهنة تستدعي موقفًا يتجاوز رد الفعل إلى بناء إستراتيجية إقليمية ودولية ذات أهداف محددة: وقف الاعتداءات على المملكة، وحماية المدنيين والمرافق المدنية، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ومنع تدفق السلاح للإرهابيين الحوثيين الذي يغذي الصراع، ودعم مسار سياسي يعيد لليمن دولته وسيادته، وهي أهداف لا تتحقق بالشعارات، ولا بمجرد إدانة الهجمات بعد وقوعها، بل بتنسيق سياسي وأمني مستمر، وآليات متابعة ومحاسبة، وإرادة واضحة لمنع تكرارها.
لقد دفعت المملكة والمنطقة أثمانًا باهظة من جراء سنوات الصراع، ولم يعد مقبولًا أن يظل أمن المدنيين والمنشآت الحيوية والممرات الدولية معلقًا على حسابات ميليشيا إرهابية، كما أن مستقبل اليمن لا ينبغي أن يبقى رهينة لصراع يبدد موارده ويقوض مؤسساته ويحرم شعبه من الاستقرار والتنمية، ومن هنا فإن السؤال لم يعد ما إذا كان التهديد الحوثي يستحق المعالجة الجادة، بل كيف يمكن إنهاؤه ضمن إستراتيجية تجمع بين الحزم والمسؤولية، وتحمي المملكة ودول الخليج، وتصون الملاحة الدولية، وتفتح أمام اليمنيين طريق استعادة دولتهم، فالأمن لا يتحقق بتكرار الإدانة، والسلام لا يقوم على بقاء السلاح فوق الدولة، والتضامن لا تكتمل قيمته ما لم يتحول إلى فعل، وقد آن الأوان لأن تنتقل المنطقة من إدارة التهديد الحوثي إلى معالجة أسبابه، ومن احتواء تداعياته إلى بناء ترتيبات تضمن عدم تكراره، قبل أن تتسع دائرة الخطر وتصبح كلفة مواجهته أكبر على الجميع.