د. محمد بن إبراهيم الملحم
نتائج البرنامج الدولي لتقويم الطلبة «بيزا» PISA لعام 2025، التي أعلنتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في سبتمبر الماضي، أشارت إلى قضية تتجاوز التحصيل الدراسي إلى إحدى وظائف المدرسة الأساسية: تربية الناشئة على الالتزام، فقد أفاد 66% من الطلاب السعوديين في عمر الخامسة عشرة بأنهم تغيبوا عن يوم دراسي كامل مرة على الأقل خلال الأسبوعين الدراسيين السابقين لاختبار PISA، مقابل 22% في متوسط دول المنظمة المشاركين في نفس الدراسة، أي أننا 3 مرات ضعف المعدل الدولي! وسابقاً كانت النسبة السعودية 56% عام 2018، ثم 61% عام 2022، مما يعني أن السلوك متزايد! وهو مؤشر يستحق الفحص الجاد، ويطرح تساؤل عنوان هذه المقالة «إلى أين»؟ حيث إن هذه الدراسة تجرى كل أربع سنوات فإنه من المشروع إذن أن نتساءل ما المتوقع في نتائج 2030؟
ومن باب المقارنة فإن هناك تقريراً مقارناً للبرنامج نفسه وضح أن النسبة بلغت في الدول العربية: 18% في الأردن، و29% في الإمارات، و36% في المغرب، و55% في قطر، والنسب لدينا أعلى من هذه جميعاً، وقد بحثت في الدراسات الأخرى حول نفس الموضوع فوجدت أن التقرير الوطني لاختبارات «تيمز» TIMMS 2019، والصادر عن هيئة تقويم التعليم والتدريب، أفاد بأن 28% من طلاب الصف الرابع يغيبون مرة أسبوعياً، مقابل 11% في المتوسط الدولي، أي أننا قريبون من 3 مرات ضعف المعدل الدولي. وأما في الصف الثامن (الثاني متوسط) بلغت نسبتنا 22% مقابل 8% متوسط دولي، وهي أيضاً قريبة من 3 أضعاف، وإن تكرر الإشارة إلى ضعف المواظبة في مرحلتين يجعل تجاهل الظاهرة أمراً غير مقبول، ومن باب مزيد من التعرف على هذه الظاهرة فقد بحثت عن دراسات سعودية مباشرة ووجدت دراسة سعودية نشرتها آلاء السياري وفادية البحيران عام 2020، باستخدام بيانات مسح شمل 12,121 من طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية، وجدتا فيها أن نحو ثلث المشاركين وقعوا ضمن فئتي الغياب المتوسط أو المرتفع.
وفي دراسة أوسع نشرها سيديريديس وعبير العمري عام 2023، باستخدام بيانات 528,854 من المتقدمين للاختبار التحصيلي السعودي، بلغ متوسط الغياب المسجل 15.2 يوما، وإن كبر حجم العينة، له قيمته في نتائج هذه الدراسة، علماً أنها توصلت أيضاً إلى ارتباط عدد أيام الغياب بمستوى تعليم الوالدين وبعض خصائص المدارس. وفي دراسة أجراها الدكتور فهد بن علي الطيار عام 2014، شملت 229 مديراً للمدارس الثانوية الحكومية والأهلية بمدينة الرياض، تبين من إجابات المديرين أن من أبرز العوامل المرتبطة بالغياب عدم القدرة على الاستيقاظ المبكر، والاتفاق مع الأصدقاء على التغيب، وضعف الشعور بالمسؤولية. كما أشار المديرون إلى قلة البرامج المدرسية المشوقة وضعف متابعة بعض الأسر لأبنائها، وفي دراسة أخرى أجراها عبدالـكريم المقدمة وزميلته راميسيتي ميكلر عام 2015، وشملت 1668 طالباً من الصف السابع إلى الثاني عشر في مدارس حكومية وأهلية وعالمية بالرياض، أفاد نحو 54% بأنهم تغيبوا عن المدرسة أو بعض حصصها لمدة ساعة على الأقل خلال الشهر السابق للاستبانة! ووجد الباحثان أن الغياب يرتبط بانخفاض الشعور بالانتماء إلى المدرسة وضعف المتابعة الأسرية، وأن احتمالاته تزداد مع التقدم في الصف الدراسي. وهذه الدراسة مهمة لأنها تناولت الغياب في إطار السلوك المدرسي والعلاقة بالأسرة،
الغياب مشكلة اجتماعية قبل أن يكون مشكلة تعليمية، فعلى الرغم من وجود علاقة إيجابية بين الغياب المتكرر وضعف التحصيل فإن التحصيل يمكن تعويضه حالياً بدروس خصوصية أو تعلم ذاتي أو لاحقاً باستدراك ما فات، لكنما الخسارة الأكبر التي لا تعوض هي ما يزرعه التغاضي عن هذا السلوك من عادات غير صحية في سيكولوجية الطفل أو الطالب الكبير وتعوده على هذه العادة في حياته المجتمعية وربما أيضاً في بيئة العمل مستقبلاً وهو ما يؤثر بدون شك على صحة الإنسان النفسية ورفاهيته المعيشية وتقدمه في مجال عمله بل هو يؤثر على تنمية المجتمع والاقتصاد الوطني أجمع. وللحديث بقية بإذن الله
** **
- مدير عام تعليم سابقاً