عبدالكريم بن دهام الدهام
في تاريخ الأمم لحظات فارقة، لا تُقاس بعدد الساعات أو حجم الحضور، بل بوزن الكلمات وعمق الرؤية التي تنطلق منها. هذا تماماً ما شهده مركز البحرين العالمي للمعارض في الصخير بمملكة البحرين، والذي احتضن منتدى ومعرض «صنع في الخليج 2026».
لم تكن الجلسة النقاشية التي جمعت قطبين من قادة الفكر والتخطيط الاستراتيجي في المنطقة؛ صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان آل سعود، وزير الطاقة في المملكة العربية السعودية، ومعالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة، وزير المالية والاقتصاد الوطني في مملكة البحرين، مجرد مراجعة لأرقام الميزانيات أو خطط النمو، بل كانت بياناً تاريخياً ومستقبلياً يعيد صياغة مفهوم السيادة الاقتصادية الخليجية بمداد من الفخر والعزيمة والجاهزية المطلقة للمستقبل.
حين عاد الأمير عبدالعزيز بن سلمان بذاكرته إلى أواخر السبعينات في المنطقة الشرقية، مستحضراً بدايات ملحمة إنشاء أرامكو السعودية قبل نحو تسعين عاماً، لم يكن الهدف سرد حكايات من الماضي، بل كان يضع يده على «الفلسفة العميقة» التي قامت عليها النهضة الخليجية.
إنها القاعدة الذهبية التي صاغها الآباء والأجداد وتوارثتها القيادة بحزم: «المواطنون لا يُبتدلون». لقد آمنت المنطقة منذ اللحظة الأولى لتأسيس بنيتها التحتية أن النفط والصناعة والمعادن ليست سوى أدوات، وأن المستهدف الحقيقي والغاية الأسمى هو الإنسان.
من هذا المنطلق، لم تكن الشركات العملاقة مجرد آلات لضخ الأموال، بل كانت حاضنات لبناء الكرامة الإنسانية عبر التعليم النوعي والابتعاث الذي نقل المعرفة العالمية إلى قلب الصحراء. وعبر الرعاية الصحية الفائقة التي ضمنت مجتمعاً حيوياً وقوياً. وعبر الوظيفة المتميزة والآمنة التي جعلت المواطن شريكاً حقيقياً في القرار والإنتاج.
في أكثر لحظات الجلسة إلهاماً وحماساً، أطلق وزير الطاقة السعودي عبارة تختزل حكاية شعب صهر المستحيل ليصنع واقعاً يبهر الكون: «أنتم شايفين بعض الأفلام الوثائقية ناسٍ في خيام.. ومع ذلك عيال الخيام هم الريجيل اللي يديرون البلد الآن».
إنها الكلمة التي لا تصف قفزة تاريخية فحسب، بل تُعلن عن انتصار الإرادة على الظروف. فدول الخليج لا تخجل من ماضيها البسيط، بل تحمله وساماً على صدورها. هؤلاء الأبناء والبنات الذين خرج أجدادهم من بيئة شحيحة الموارد، وتحت سقف الخيام وصوت الرياح، هم أنفسهم اليوم العلماء والمهندسون والخبراء والوزراء الذين يقفون خلف أعقد منصات التحكم بالطاقة في العالم، وتعتمد الدول الكبرى على قراراتهم واستراتيجياتهم لضمان استقرار الاقتصاد العالمي.
إن العاطفة الملهمة في الخطاب الخليجي تقترب وتتكامل مع واقعية وعقلانية عسكرية في التخطيط. لقد أكد المتحدثون أن المنطقة مرت بمنعطفات وأزمات جيوسياسية قاسية، لكنها لم تخرج منها شاكية، بل خرجت منها متعلمة، مسلحة بوعي جديد يرفض الارتهان لخيارات أحادية. عبر تعدد الخيارات اللوجيستية، فقد أصبحت المرونة هي العقيدة التشغيلية الجديدة للمنطقة، حيث تم بناء شبكات نقل وإمداد تبادلية تضمن تدفق البضائع والطاقة تحت أي ظرف. وعبر أيضاً شريان النفط الاستراتيجي، فقد تجسدت هذه المرونة رقمياً في التأكيد على أن 5.8 مليون برميل يومياً تمر حالياً عبر خط أنابيب «شرق - غرب» السعودي، مما يثبت للعالم القوة الجيوسياسية واللوجيستية الفائقة للمملكة وقدرتها على حماية إمدادات الطاقة العالمية بعيداً عن الممرات المائية المضطربة.
ولأن الجاهزية للمستقبل تتطلب هياكل مرنة وسريعة، كشف الأمير عبدالعزيز بن سلمان عن العمل الدؤوب والمستمر للجمع بين منظومات الطاقة والصناعة والتعدين تحت مظلة واحدة متناغمة. هذا المشروع العملاق ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية «صهر إستراتيجي» تهدف إلى إنهاء الجزر المعزولة وتوحيد الجهود لتعظيم القيمة المضافة. والمثير للحماس هو تحديد سقف زمني قريب جداً، حيث يفترض الانتهاء من هذا الجمع المبارك بنهاية شهر نوفمبر الجاري، لتنطلق المنطقة بكامل قوتها نحو مرحلة صناعية غير مسبوقة.
لقد قطعت الجلسة الشك باليقين: التوطين هو الضمانة الوحيدة للمقاومة والاستمرارية. لم يعد نقل التقنية وصناعتها محلياً أمراً خاضعاً للمساومة، بل هناك توجيه قيادي صارم بضرورة توطين كل ما يتعلق بالطاقة وسلاسل إمدادها. اليوم، تثبت الأرقام المقترنة بالواقع أن السواعد الوطنية تقود الدفة بكفاءة مطلقة، حيث تبلغ نسبة المواطنين والمواطنات 70 % على الأقل من العاملين في القطاعات الحيوية. هؤلاء الشباب لا يشغلون وظائف هامشية، بل هم عصب الابتكار، والتشغيل، والصيانة، والتطوير التكنولوجي، مما يمنح الاقتصاد الخليجي حصانة ذاتية ضد الصدمات الخارجية.
إن منتدى «صنع في الخليج 2026» في المنامة أرسل رسالة واضحة وجلية إلى الأسواق العالمية والمراكز الاقتصادية: الخليج اليوم يتحدث بلغة واحدة، ويتحرك برؤية موحدة.
إن التكامل بين قطاعات الطاقة والصناعة، والتلاحم الأخوي والاقتصادي بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وبقية دول مجلس التعاون، يؤسس لكتلة اقتصادية متماسكة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل بثقة ومستدامة. نحن لا ننتظر المستقبل ليأتي إلينا، بل نصنعه ونوطنه ونحميه بعقول وسواعد «عيال الخيام» الذين أثبتوا عبر تسعين عاماً أنهم قادرون على إدارة الأرض وبناء الأمم وتوجيه بوصلة العالم.