عبدالرحمن العطوي
ليست الجريمة الإرهابية مجرد صاروخ ينطلق أو مقذوف يسقط أو منشأة تتعرض للتدمير، فالجريمة الحقيقية تبدأ حين تتحول حياة الأبرياء إلى وسيلة للضغط وتصبح المطارات المدنية التي أنشئت لخدمة المسافرين والعاملين جسوراً للعبور بين الأوطان إلى ساحات تستهدف فيها أرواح الآمنين دون ذنب اقترفوه سوى أنهم مدنيون يبحثون عن لقمة العيش أو ينتظرون رحلة أو يؤدون عملاً أو يعودون إلى أسرهم.
ما شهدته المملكة العربية السعودية من اعتداءات متكررة على مرافق الطيران المدني وما حملته الأيام الأخيرة من أخبار موجعة عن سقوط ضحايا وإصابة مئات الأبرياء يضع العالم أمام حقيقة لا يمكن القفز فوقها، وهي أن استهداف المنشآت المدنية ليس عملاً عسكرياً يمكن تبريره بالشعارات ولا موقفاً سياسياً يمكن تغليفه بالمبررات، بل جريمة إنسانية تتجاوز آثارها حدود المكان الذي وقعت فيه لتصيب أمن المجتمعات وطمأنينة الشعوب وحق الإنسان في الحياة الآمنة،
لقد أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أن الاعتداء الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض عصر السبت العاشر من أكتوبر أسفر عن وفاة اثني عشر شخصاً وإصابة ثلاثمائة وتسعة آخرين من المواطنين والمقيمين من جنسيات متعددة وبين المصابين حالات حرجة وهي حصيلة ثقيلة تختصر حجم المأساة التي يمكن أن تصنعها لحظات من العدوان، وتكشف أن الخطر لم يعد محصوراً في أضرار مادية يمكن إصلاحها بل امتد إلى أرواح بشرية لكل واحد منها حكاية وأسرة وأحلام ومستقبل كان ينتظر أن يكتمل،
اثنا عشر إنساناً غادروا الحياة وثلاثمائة وتسعة آخرين وجدوا أنفسهم أمام الألم والعلاج والقلق على مستقبلهم، وبين هؤلاء من كان ينتظر عودة قريب ومن كان يستعد للسفر ومن كان يؤدي واجبه الوظيفي، ومن لم يكن يتوقع أن يتحول وجوده في مرفق مدني إلى مواجهة مع الموت فهل هناك ما يمكن أن يبرر تعريض هؤلاء جميعاً لهذا المصير؟ وأي قضية مهما كانت شعارات أصحابها يمكن أن تمنحهم الحق في الاعتداء على أرواح الأبرياء.
إن المطارات المدنية ليست ثكنات عسكرية ولا ساحات مواجهة بين الجيوش بل مرافق دولية يرتادها المسافرون من مختلف الجنسيات والأعمار، وتعمل فيها كوادر مدنية لا تحمل سلاحاً ولا تشارك في القتال ولذلك فإن استهدافها يضع مرتكبيه أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة ويستوجب موقفاً دولياً واضحاً لا يكتفي ببيانات الأسف، بل يؤكد أن حماية المدنيين مبدأ لا يتجزأ وأن حياة الإنسان ليست ورقة تفاوض ولا وسيلة للانتقام.
وقد سبقت هذا الاعتداء حوادث أخرى أعلنت عنها الهيئة العامة للطيران المدني إذ تعرض مطارا أبها والملك خالد الدوليان لاعتداءات خلال يومي السادس والسابع من أكتوبر، وأسفرت تلك الاعتداءات بحسب البيانات الرسمية عن وفيات وإصابات بين المدنيين كما أعلنت الهيئة في التاسع من أكتوبر عن اعتداءين وقعا في الثامن من الشهر نفسه، استهدف أحدهما مرافق مطار الملك خالد الدولي واستهدف الآخر طائرة تابعة للخطوط السعودية وأسفرا عن استشهاد ثلاثة مواطنين سعوديين وإصابة عدد من المواطنين والمقيمين.
وهنا تتجلى خطورة الأمر فحين تتكرر الاعتداءات على مرافق الطيران المدني وتمتد الأضرار إلى طائرة مدنية وهي في محيط المطار، فإن المسألة تتجاوز حادثة منفردة إلى تهديد مباشر لسلامة النقل الجوي وأمن المسافرين والعاملين، وتفرض على المجتمع الدولي أن ينظر إلى الوقائع المعلنة باعتبارها مسألة تمس أمن المدنيين وحرية التنقل وسلامة المرافق الحيوية.
وفي هذا السياق فإن الاعتداءات المنسوبة إلى جماعة الحوثي تستدعي مساءلة واضحة عن طبيعة النهج الذي يدفع بالصراع إلى استهداف المرافق المدنية وتعريض حياة الأبرياء للخطر، فالمملكة ليست في مواجهة مع الشعب اليمني الشقيق الذي تربطها به أواصر الدين والجوار والتاريخ والمصير المشترك، وإنما تتمثل المأساة في أن جماعة مسلحة اختارت التصعيد ووسعت دائرة الخطر بما يهدد اليمنيين قبل غيرهم ويزيد معاناة شعب أنهكته سنوات الصراع والانقسام.
لقد كان اليمن بلداً عربياً شقيقاً يمتلك مقومات الاستقرار والبناء غير أن ما شهدته أراضيه من صراع مسلح وتمزق في مؤسسات الدولة وتراجع في مقومات الحياة جعل المواطن اليمني يدفع أثماناً باهظة من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه، ولا يمكن أن يكون استمرار المواجهات أو توسيع نطاق الاعتداءات على دول الجوار طريقاً إلى استعادة الدولة أو بناء مستقبل أفضل لليمنيين، بل إن الطريق إلى الاستقرار يبدأ بإنهاء العنف ورفض الارتهان لأي أجندات خارجية وتغليب مصلحة اليمن وشعبه على حسابات الجماعات المسلحة.
المؤلم أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في كل صراع وهم الذين يدفعون الثمن الأكبر حين تتقدم لغة السلاح على لغة العقل وحين تتحول الشعارات إلى غطاء لأفعال تزيد عدد الضحايا وتضاعف الجراح، فالأطفال الذين ينتظرون آباءهم والنساء اللواتي يترقبن عودة أبنائهن والأسر التي تعيش على أمل اللقاء لا تعنيها المبررات التي يسوقها أصحاب السلاح بقدر ما يعنيها أن يعود أحباؤها سالمين، وأن تعيش بعيداً عن الخوف والفقد.
من هنا فإن الحديث عن الإرهاب لا ينبغي أن يتوقف عند وصف الفعل أو إدانة مرتكبيه بل يجب أن يمتد إلى مساءلة كل من يختار المدنيين ساحة لرسائله، وكل من يعرض المرافق المدنية للخطر وكل من يظن أن استهداف الأبرياء يمكن أن يمنحه نصراً أو يحقق له مكسباً، فالتاريخ لا يقيس المواقف بضجيج الشعارات وإنما بما تتركه من آثار في حياة الناس وما تسببه من دماء ودمار ومعاناة.
في مقابل هذا المشهد تبرز المملكة العربية السعودية بما تعلنه من مواقف إنسانية وما تتخذه من إجراءات لحماية المواطنين والمقيمين وصون أمن البلاد ومرافقها الحيوية، فالدولة التي تواجه الاعتداءات وتعمل على حماية أجوائها ومنشآتها لا تفقد مسؤوليتها الإنسانية تجاه الأبرياء ولا تتخلى عن مبادئها في التعامل مع الإنسان أياً كانت جنسيته أو ظروف وجوده على أراضيها.
ولعل من الدلالات المهمة في هذا التوقيت أن المملكة بدأت في الحادي عشر من أكتوبر إجراءات تصحيح أوضاع اليمنيين الموجودين فيها بطرق غير نظامية لمدة شهرين تنفيذاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود واستجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي، وهي خطوة تعكس أن التعامل مع المخالفات النظامية يمكن أن يجري عبر مسارات تنظيمية وإنسانية تحفظ الحقوق وتعالج الأوضاع وفق الأنظمة والتعليمات.
إن الربط بين هذه الخطوة الإنسانية وبين ما تشهده المنطقة من توترات يكشف فارقاً جوهرياً بين حماية الأمن واحترام الإنسان وبين جعل المدنيين أدوات في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فالمملكة وهي تتعامل بحزم مع التهديدات التي تستهدف أمنها لا تجعل الانتماء الوطني أو الجنسية سبباً للتخلي عن المعالجة النظامية أو تجاهل البعد الإنساني، بل تواصل التفريق بين من يرتكب الاعتداء ومن يبحث عن الأمان والعمل والحياة الكريمة.
وهذا هو جوهر المسؤولية التي ينبغي أن تتحلى بها الدول في أوقات الأزمات، فالأمن ليس نقيضاً للإنسانية بل شرط من شروطها والحزم في مواجهة الاعتداءات لا يتعارض مع حماية الأبرياء وتطبيق الأنظمة بعدالة، بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع حماية حدودها ومواطنيها ومقيميها وفي الوقت نفسه تحافظ على قيمها وتتعامل مع الإنسان بكرامة ومسؤولية.
في المقابل فإن حماية المدنيين لا تعني تعطيل حق الدول في الدفاع عن نفسها ولا تعني التساهل مع من يستهدف أراضيها ومرافقها، بل تعني أن تكون مواجهة التهديدات في إطار المسؤولية والالتزام بالقانون الدولي الإنساني والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إيقاع الضرر بالأبرياء، فالقوة الحقيقية ليست في اتساع دائرة الدمار وإنما في القدرة على حماية الأرواح وتحقيق الأمن دون التفريط في المبادئ.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العالم اليوم هي أن استهداف المطارات المدنية والاعتداء على الطائرات وتعريض المسافرين والعاملين للخطر ممارسات لا يجوز أن تمر باعتبارها أحداثاً عابرة، ولا ينبغي أن تحجبها حسابات السياسة وتوازنات المصالح فكل ضحية مدنية تستحق أن ينظر إلى قضيتها باعتبارها مأساة إنسانية مستقلة عن جنسيتها، وكل مصاب له حق في الرعاية وكل أسرة فقدت عزيزاً لها حق في أن ترى موقفاً دولياً واضحاً من الاعتداءات التي أفضت إلى هذه الخسائر.
كما أن من واجب المجتمع الدولي أن يرفض تحويل اليمن إلى منصة لتهديد أمن المنطقة وأن يدعم المسارات التي تعيد للدولة اليمنية مؤسساتها، وتمنح شعبها فرصة للحياة بعيداً عن السلاح والارتهان والتدخلات التي تعمق الانقسام وتطيل أمد المعاناة، فاستقرار اليمن مصلحة يمنية وعربية وإقليمية وأمن المملكة وسلامة مواطنيها والمقيمين فيها ليسا موضع مساومة أو اختبار.
إن دماء المدنيين التي سالت في مطارات المملكة ليست أرقاماً في بيان ولا أخباراً عابرة في نشرات الأخبار، إنها أرواح إنسانية تستحق الإنصاف وجرس إنذار يدعو إلى موقف مسؤول يضع حماية الإنسان فوق الحسابات الضيقة، ويؤكد أن الإرهاب مهما تعددت شعاراته لا يستطيع أن يمنح نفسه شرعية باستهداف الأبرياء وأن الجماعات التي توسع دائرة الخطر لا تصنع مستقبلاً لشعوبها بل تزيد عزلتها وتضاعف جراح المجتمعات التي تزعم الدفاع عنها.
ستبقى المملكة العربية السعودية متمسكة بحقها في حماية أمنها وصون سيادتها ومرافقها المدنية واتخاذ ما يلزم من إجراءات مشروعة للدفاع عن شعبها والمقيمين على أرضها وستبقى في الوقت نفسه دولة تدرك أن الإنسانية لا تتجزأ وأن مواجهة العدوان لا ينبغي أن تكون ذريعة للتخلي عن القيم التي تحفظ كرامة الإنسان،
فبين مطار يستهدفه العدوان وأسر تنتظر عودة أحبائها ومصابين يرقدون على أسرة العلاج تتضح حقيقة واحدة لا تحتاج إلى كثير من الكلام وهي أن المدنيين ليسوا أهدافاً مشروعة للصراعات، وأن أمن الأوطان لا يتحقق بإرهاب الآمنين وأن مستقبل اليمن والمنطقة لن يصنعه السلاح الذي يطارد الأبرياء بل تصنعه دولة تحترم الإنسان وتنبذ الإرهاب وتختار السلام طريقاً للاستقرار والكرامة والحياة.