د. أماني بنت خلف الغامدي
ليس البيت جدراناً من طينٍ أو صبّةً من خرسانة، بل هو المستودع الحي الذي تودع فيه تفاصيلنا اليومية روحها؛ صرير مفتاحٍ قديم يألف قفله، عبق المطبخ حين يمتلئ بالدفء، ضحكات ركضت في الممرات، وحتى أثر دمعةٍ نامت خلسة على وسادة بعد عتابٍ عائلي عابر. من هذا النبض الإنساني المتجذر، افتتح مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) معرضه الاستثنائي «صدى المألوف - Echoes of the Familiar»، برؤية متقنة نسجتها القيمة الفنية السعودية غيداء المقرن، ليقدم البيت عبر ثمانية وعشرين عملاً فنياً لا بوصفه مساحة للسكن، بل كشاهدٍ على تحولات الهوية والذاكرة السعودية عبر ثمانية عقود.
حين تخطو عتبة المعرض، يسقط الطابع المتحفي النمطي بجدرانه البيضاء المصمتة وإضاءته الباردة؛ فأنت لا تدخل قاعة عرض، بل تعود إلى الداخل. أول ما يصافحك ليس عملاً بصرياً، بل شريط صوتي مشحون بالحياة: مفتاح يدور في باب خشب، رنين إبريق شاي يستقر على شعلة موقد، ووشوشة مذيع في نشرة أخبار قديمة عبر أثير يداعب الحنين. إثراء هنا لا يدعوك لتشاهد، بل لتتذكر. ويا لجمال الذكريات من ماض أصبح بعيداً.
تأخذك المسارات في رحلة لا تُقرأ كتاريخ معماري جاف، بل كطبقات وجدانية متراكمة. تبدأ من أربعينيات الطين، حيث الجدار ليس فاصلاً مكانياً بل كائن يتنفس، يحمل فقرات وأشياء صغيرة صُممت بحميمية لتطلق في المكان روائح شكلت وعينا الأول: عبق البخور، نكهة خبز التنور الطازج، ولمسة الحناء. ثم تفضي بك الخطى إلى سبعينيات الطفرة؛ زمن الخرسانة الذي استقر في وجدان آبائنا. هناك ينتصب تلفزيون الخشب ذو الباب الجرار كقطعة مقدسة في صدر المجلس، تعلوه تحفة «سفينة الصحراء»، وتفترش الأرض تحته السجادة الحمراء المزخرفة التي كادت تكون توقيعاً موحداً لكل بيت سعودي. وفي زاوية لافتة، ترتفع علب الحليب المجفف الشهيرة فوق بعضها كبرج شاهق، محولةً تلك العلب المألوفة في مطابخ أمهاتنا إلى تميمة فنية تستدعي ابتسامة لا إرادية.
وتصل الرحلة إلى تسعينيات القرن الماضي بمفارقتها الجميلة: ورق جدران يضج بالنقوش، ستائر دانتيل ثقيلة تحجب شمس الظهيرة، مكتبة تحتضن أشرطة «الفيديو» المنزلية وألبومات صور مغلّفة بالسلوفان. ولعل من أبلغ الأعمال حضوراً تلك الثريا المتوهجة التي أعادت صياغة بطاقات الأعراس المذهبة التي كنا نجمعها صغاراً بشغف، لتصنع منها كتلة من الضوء والذكريات المعلقة في فضاء المكان.
وكما عبّرت رئيسة متحف إثراء فرح أبو شليح، فإن المعرض يستحضر البيت «كفضاء رمزي تتقاطع فيه الذاكرة مع الهوية»، وهي الرؤية التي عمقتها غيداء المقرن بتأكيدها أن «البيت هو مهد أحلامنا الأولى... تتلاقى فيه ألعاب الطفولة مع تذكارات الثقافة الشعبية، لتبدو كأشياء عادية في ظاهرها، لكن باطنها يحوي عالماً بأكمله». إن القوة الحقيقية لـ «صدى المألوف» تكمن في تجاوزه للغة النقد الفني النخبوي؛ إنه يخاطب الأم والجدة والحفيد بذات النبرة، مانحاً كل زائر تفصيلاً يخصه وحده.
وهنا تتجلى الرسالة الأعمق في زمن التحولات المتسارعة، وتحديداً نحو جيل نشأ والعالم كله بين يديه في شاشة زجاجية ملساء: جيل التوثيق الرقمي والجماليات المعلبة على تطبيقات التواصل. قد تبدو لكم سجادات أمهاتنا الحمراء تفصيلاً من الماضي، وقد تبدو ألوان الصور العائلية الباهتة رديئة الدقة، لكن السؤال الحقيقي الذي يطرحه المعرض بهدوء: متى كانت آخر مرة شعرتم فيها أن البيت «يحضنكم» بدلاً من أن يسكنكم فقط؟
بيوت اليوم غاية في الأناقة، إضاءاتها خافتة ومدروسة، وأثاثها متناسق مع أحدث خطوط الموضة، لكن هل تترك الحياة فيها أثراً حقيقياً؟ هل بقي جدار في ممر ضيق يحمل شخطات قلم رصاص تقيس كيف كبرتم عاماً بعد عام؟ هل ما زالت هناك علبة بسكويت معدنية قديمة تخبئ خيوط الصوف وبقايا الأزرار؟ إن المعرض يهمس بحقيقة نكاد ننساها: البيت ليس تنسيقاً بصرياً يُعرض، بل هو المشاعر التي تنبض خلف الكواليس؛ في صوت النداء لاجتماع الغداء، وفي جلوس الجميع حول سفرة واحدة بلا شاشات تعزل القلوب.
وفي الختام لقد حكت جدران «إثراء» سيرة بيوتنا القديمة التي تسكن ذكريات ومشاعر لا تنسى وما لا تلتقطه عدسات الهواتف. ومعرض «صدى المألوف» ليس مجرد معرض فني، بل هو مرآة لجذورنا. لا تزوروه لتلتقطوا صورة سريعة للإنستغرام، بل قفوا أمام تفاصيله ملياً. خذوا أمهاتكم معكم؛ ستلمحون دموعهن تترقرق عند عتبة الغرفة الأولى، وحينها فقط، ستدركون سر ذلك الدفء الذي لا تستطيع أي خوارزمية أن تعيد بناءه.