عايد بن حمود المغيري
الإنسان معرض للخطأ، فالخطأ من طبيعة البشر، وما أصعب أن يقضي الإنسان بقية عمره أسير خطأ واحد، كلما همَّ أن ينساه أعادته إليه ذاكرة الناس.
ولعل من أعجب ما حفظه تاريخ الرياضة قصتان، لا تكمن عظمتهما في بطولة حُققت ولا في هدف سُجل، وإنما في خطأ وقع نتيجة سوء تقدير وما ترتب عليه فيما بعد في حياة رجلين وقلبيهما؛ أحدهما ظلمه الناس، وأما الآخر ظل يؤنبه ضميره ويلوم نفسه.
(مواسير باربوزا) و(روبرتو باجيو)
إنهما الحارس البرازيلي (مواسير باربوزا)، والنجم الإيطالي (روبرتو باجيو). ففي السادس عشر من يوليو سنة 1950، احتشد ما يقارب مائتي ألف متفرج في ملعب ماراكانا بمدينة ريو دي جانيرو، وكانت البرازيل تحتاج الى التعادل فقط لتصبح بطل العالم للمرة الأولى في تاريخها، وعندما تقدمت بالهدف الأول، ظن البرازيليون ان ما تبقى من المباراة ماهي الا دقائق ثم يُتوج منتخبهم بكأس العالم، الا ان منتخب الأوروغواي ادرك التعادل، ثم جاءت الدقيقة التاسعة والسبعون، فتقدم لاعب الأوروغواي ألسيديس غيغيا من الجهة اليمنى، وظن الحارس البرازيلي مواسيرباربوزا أنه سيرسل الكرة عرضية، فتقدم خطوة يسيرة، لكنها كانت الخطوة التي غيرت حياته كلها، فبدلًا من التمرير، أطلق غيغيا تسديدة مرت بين القائم والحارس، وسكنت الشباك، في تلك اللحظة ساد الصمت على ملعب ماراكانا وكأن مائتي ألف إنسان قد فقدوا القدرة على الكلام في آن واحد، لقد خيم الحزن على البرازيل كلها، وكان باربوزا هو من دفع ثمن خسارة البطولة وضياع فرصة الفوز بكأس العالم، لقد كان قبل تلك الليلة واحدًا من أمهر حراس المرمى في العالم، وكانت الجماهير تهتف باسمه، وتصفق لتألقه، فلما حصلت تلك الغلطة، تبدلت الأسماء، وتغيرت الأوصاف، وبين عشية وضحاها تحول من كان بالأمس بطلاً، الى المتهم الوحيد بالخسارة، نسي الناس مئات الكرات التي أنقذها، ونسوا البطولات التي شارك في صنعها، ونسوا السنوات التي قضاها بقميص منتخب بلاده، ثم اختصروا تاريخه كله في كرة واحدة اخطأ في تقديرها، ، ومنذ ذلك اليوم، انقلب حياة باربوزا الى جحيم ، لقد عانا من العقوبة التي فرضها عليه المجتمع، كان إذا سار في طريق أشاروا إليه، وإذا ذُكرت الهزيمة حُمل المسؤولية، لدرجة أنه بعد مرور عشرنن عاماً على تلك المباراة رأته امرأة ومعها ابنها فأشارت إليه وقالت مخاطبةً ابنها: “انظر إليه يا بني: هذا هو الرجل الذي جعل البرازيل كلها تبكي.”
وأي عقوبة أشد على إنسان من أن تتوارث الاجيال حكماً جائرًا ظالما بحقه. ثم بعد سنوات مُنع من دخول معسكر المنتخب، لأنهم يرون أن حضوره يجلب النحس، ولما تقدمت به السن، عاش في عزلة وفقر، وقبل وفاته قال كلمته المشبّعة بأنين المظلوم: في البرازيل أقصى عقوبة في القانون ثلاثون عامًا، أما أنا فقد عوقبت أكثر من خمسين عامًا على خطأ لم أرتكبه.
ومضت الأعوام وتغيرت الملاعب، وتعاقبت الأجيال، ليكتب التاريخ قصة أخرى، ولكن نهاية مختلفة.
في نهائي كأس العالم سنة 1994، لم يكن اللاعب الإيطالي روبرتو باجيو لاعبًا عاديًا؛ بل كان الرجل الذي بجهوده بلغت إيطاليا النهائي، وكلما أوشكت أن تغادر البطوله، جاء بهدف يعيدها إلى المنافسة، وعند تنفيذ ضربات الترجيح لتحديد البطل الذي سيفوز بكأس العالم، وقف باجيو خلف الكرة، وملايين العيون تنظر اليه وتنتظر ماذا سيفعل، ثم جاءت اللحظة التي سدد فيها باجيو ركلة الترجيح فارتفعت الكرة فوق العارضة، وطار معها حلم إيطاليا بالفوز بالكأس ظل باجو واقفاً وانحنى رأسه ، وأصبحت تلك الصورة من أشهر صور كأس العالم؛ رجل يقف وحده، لا يبكي، ولا يتكلم، وإنما يطأطئ رأسه، حتى قيل لقد مات واقفا.
ولم يقل الإيطاليون: هذا الرجل أضاع علينا الفوز بالبطولة، ولم يجعلوا منه عنوانًا للهزيمة، ولم يطاردوه كلما رأوه، بل بقي في أعينهم واحدًا من أعظم من أنجبتهم كرة القدم الإيطالية، لأنهم لم يسمحوا لركلة واحدة أن تمحو تاريخًا صنعه في سنوات، الا ان باجيو عاش سنوات طويلة يلوم نفسه، ويكرر اعتذاره، وكأنه هو وحده من أضاع الكأس، مع أنه قد سبقه زميلان واهدرا ركلتي جزاء.
أما حارس البرازيل فقد قضى نصف قرن يحاول أن يقنع الناس بأنه ليس المذنب الوحيد، يا لها من مفارقة موجعة، هذا يطارده الناس، وذاك يطارده ضميره، هذا يقول: أنصفوني، وذاك يقول: سامحوني، أحدهما يبحث عن عدالة المجتمع، والآخر يبحث عن سلام مع نفسه، وإذا كان الألم واحدًا، فإن مصدره مختلف، باربوزا عانا من ظلم البشر، وباجيو عانا من قسوة الضمير. لقد عاش باجيو أسير لحظة في ذاكرته، وعاش باربوزا أسير اللحظة نفسها ولكن في ذاكرة شعب بأكمله، لقد عانا حارس البرازيل من وحشية المجتمع ونبذهم له طوال حياته، وما أكثر من يعانون من أحكام الناس، وما أكثر من يشيخون تحت وطأة تأنيب أنفسهم، ولعل اعظم درس في قصة باربوزا وباحيو انه من ظُلم الإنسان لنفسه ان يجلد ذاته على خطأ قد يقع فيه الكثير من الناس، ومن الظلم ان تُمحى سنوات من الابداع بسبب خطأ خارج عن الإرادة، فكم من انسان عُرف بمكارم الأخلاق، ثم زلت به القدم في موقف واحد، فإذا بالمجتمع ينسى كل فضائله، ولم يعد يرى الا تلك الزلة، وكم من شاب ارتكب خطأ في فترة طيش الشباب ثم استقام حاله واصبح عضوًا صالح في المجتمع لكنه لا يُعرف الا بذلك الخطأ الذي ارتكبه وهو صغير. وكأن الإنسان لا يُعرف إلا بخطئه الأخير.