سهم بن ضاوي الدعجاني
الأديب والصحفي الكبير الأستاذ عمران بن محمد العمران (1352-1448هـ)، الذي انتقل إلى رحمة الله قبل أيام عن عمر ناهز 93 عامًا، عرفته عام 1418هـ، عندما كان الفقيد يواظب على حضور ضحوية علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر، -رحمه الله-، في حياته، واستمر في حضورها بعد وفاته.
علاقته بمركز حمد الجاسر
كان للعمران دور في تأسيس مؤسسة حمد الجاسر الخيرية، التي انبثق عنها مركز حمد الجاسر الثقافي؛ إذ رُشّح عضوًا في اللجنة التأسيسية للمؤسسة، التي عقدت اجتماعها الأول بعد مباركة الملك سلمان بن عبدالعزيز، -أيده الله-، عندما كان أميرًا لمنطقة الرياض، وقد بادر المؤسسون إلى عقد الاجتماع الأول يوم الاثنين 27 جمادى الآخرة 1421هـ، الموافق 23 سبتمبر 2000م، الذي استضافته الغرفة التجارية بالرياض، برئاسة معالي الأستاذ عبدالله العلي النعيم، رحمه الله، وأقروا تشكيل لجنة تنفيذية برئاسة معالي الدكتور إبراهيم العواجي، وتولى الأستاذ حمد القاضي أمانة تلك اللجنة.
ثم أصبح عضوًا في اللجنة الاستشارية لمشروع ندوة رواد الصحافة السعودية، بالتعاون مع مؤسسة اليمامة الصحفية، التي أقرها مجلس الأمناء الثاني، المنعقد في 27 ربيع الآخر 1425هـ. ثم رُشّح عضوًا في مجلس أمناء مؤسسة حمد الجاسر الخيرية في دورته الثالثة، المنعقدة في 2 ربيع الآخر 1426هـ، برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أيده الله، إبان توليه إمارة منطقة الرياض، وكان الرئيس الفخري للمؤسسة.
قصته مع الصحافة والشعر
كان الراحل أول رئيس تحرير لصحيفة «الرياض»؛ إذ تولى رئاسة تحريرها عام 1377هـ، وكان أحد فرسان مجلة «اليمامة» في سنواتها الأولى، وكتب افتتاحية العدد الأول من الصحيفة في الأول من محرم 1385هـ، وتولى رئاسة تحريرها مدة 20 شهرًا ونصف شهر، قبل أن يستقيل إثر خلافات إدارية، ويعود إلى عمله الحكومي في مصلحة الأشغال العامة، بعد انتهاء فترة إعارته إلى مؤسسة اليمامة الصحفية.
وعمل العمران إلى جانب الشيخ حمد الجاسر، رحمهما الله، في مرحلة مبكرة من مسيرة الصحافة السعودية، وأسهم في انطلاق صحيفة «الرياض» وتعزيز حضورها الإعلامي في منطقة الرياض.
وكان شاعرًا ومؤلفًا، وقد أعادت دار الثلوثية، لصاحبها المثقف الدكتور محمد المشوح، طباعة مؤلفاته، ونشرت له كتبًا جديدة، وهو من خريجي الدفعة الأولى من كلية اللغة العربية عام 1377هـ.
ومن مؤلفاته التي نشرتها دار الثلوثية: «شؤون وآراء»، و«الأمل الظامئ»، و«حديث عابر» (مقالات)، و«من وحي السنين» (ديوان شعر)، و«من أعلام الشعر اليمامي»، الذي ألّفه وعمره 24 عامًا، وهي السنة التي تخرج فيها من كلية اللغة العربية.
وقد نعاه وزير الإعلام سلمان الدوسري، ووصفه بأنه «أحد رواد الصحافة والأدب في المملكة، وأول رئيس تحرير لصحيفة الرياض، خدم وطنه في العمل الحكومي، وترك أثرًا إعلاميًّا وإرثًا أدبيًّا يبقى شاهدًا على رحلة عطائه».
نشأته ومسيرته الوظيفية
وُلد العمران في مدينة الرياض عام 1352هـ، وقد جمع الراحل بين العمل الصحفي والوظائف الحكومية والإدارية، فتولى عددًا من المسؤوليات خلال مسيرته المهنية.
وعمل في الأمانة العامة لمجلس الوزراء مديرًا لأعمال لجنة الأنظمة، كما تولى إدارة مكتب العمل الرئيس بالمنطقة الشرقية، وشغل مناصب إدارية في قطاع الكهرباء بالرياض.
وتولى كذلك منصب المدير العام لمصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة الرياض خلال الفترة من عام 1977م إلى عام 1992م، عندما اختاره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، -أيده الله-، إبان توليه إمارة منطقة الرياض، ليكون أول مدير لها.
وقد أبلى في هذا المنصب بلاءً حسنًا طوال خمسة عشر عامًا، إبان انطلاقة الرياض في آفاق التنمية، وتدفق السكان إليها، مما زاد الطلب على خدمات المياه. فنهضت المصلحة بتوفير المياه لجميع أحياء الرياض، رغم تسارع نموها، وذلك بدعم ومؤازرة الملك سلمان، حين كان أميرًا لمنطقة الرياض.
وظل في هذا المنصب حتى تقاعده، كما اختير عضوًا في مجلس الشورى خلال دورتيه الأولى والثانية.
شغفه بالأدب والثقافة
كان العمران من مؤسسي نادي الرياض الأدبي، في إطار اهتمامه بالشأن الثقافي والأدبي، إلى جانب مسيرته المهنية في الإدارة والعمل الحكومي.
ولم تقتصر اهتمامات العمران على الصحافة والإدارة، بل امتدت إلى دعم الحركة الثقافية وتوثيق التراث، ويُعد من أوائل المطالبين بإنشاء مكتبة وطنية في المملكة؛ إذ نشر في العدد 88 من جريدة «اليمامة»، الصادر في 17 يوليو 1957م، مقالًا بعنوان «متى تنشأ دار الكتب السعودية؟»، دعا فيه إلى إنشاء مكتبة في الرياض على غرار دار الكتب المصرية.
وجاء المقال في مرحلة مبكرة من حياته، بالتزامن مع تخرجه في كلية اللغة العربية، ليعكس اهتمامه بالكتاب والمعرفة، وحفظ الإنتاج الثقافي وإتاحته للقراء والباحثين.
كما واصل اهتمامه بالأدب العربي القديم، ولا سيما شعراء اليمامة وتاريخهم، وقدم إسهامات بحثية في هذا المجال.
العمران باحثًا وشاعرًا
إلى جانب عطاءاته الكتابية في الشأنين الاجتماعي والوطني، عُني العمران بالبحث الأدبي، وكان رائدًا في هذا المجال؛ فقد أصدر في وقت مبكر كتابه «من أعلام الشعر اليمامي»، ثم أصدر كتابه عن الشاعر الأحسائي الكبير «ابن المقرب: حياته وشعره»، وهو من أولى الدراسات التي كُتبت عنه.
والعمران شاعر مجيد، لكنه كان مُقلًّا؛ فقد أخذته الصحافة والعمل الحكومي والأهلي والاهتمام بالدراسات الأدبية عن عالم الشعر، وقد صدر له ديوان شعر وحيد، نشرته جمعية الثقافة والفنون، بعنوان «الأمل الظامئ».
كما كان له حضوره المميز في الصحافة الثقافية؛ فقد وقفت على عدد من إسهاماته العلمية في عدد من الصحف والمجلات المحلية، ومنها مقاله الذي حمل عنوان «ومات الرفاعي»، ونُشر في صفحة «مجهر الآراء» بصحيفة «الرياض»، التي كان يحررها آنذاك الدكتور نايف رشدان، الشاعر والأكاديمي المعروف.
كما روى الدكتور عبدالعزيز بن صالح بن سلمة أن الفقيد اتصل به ذات يوم، وقال له: «هل ترغب في أخذ ما عندي من أعداد صحف قديمة؟». وطبعًا، فرح الدكتور ابن سلمة بذلك، فنقل فورًا تلك الصحف والمجلات إلى مكتبته الخاصة. والغريب أن تلك الصحف ذات قيمة خاصة؛ فهي تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية!
والجميع يعلم مدى حرص الكثيرين ممن يملكون مثل هذه الصحف النادرة؛ فهم يحرصون أشد الحرص على حفظها والاهتمام بها.
وأنا أقول: بغض النظر عن العلاقة المميزة بين الفقيد والباحث المعروف، فإن هذا التصرف الأخلاقي لا يصدر إلا عن العلماء الذين يريدون بقاء العلم في أيدي من يستحقونه.
ولي موقف مشابه مع أستاذنا الدكتور محمد الربيع، وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والأديب المعروف، عندما أكرمني بعدد من الصور والمصادر النوعية التي تتصل باهتماماتي الثقافية، وهي الآن تزين مكتبتي الخاصة، وأفيد منها دومًا، وكلما رأيتها دعوت الله لشيخي أن يمتعه بالصحة والسلامة.