بشاير الشريدة
لماذا لا تقصف السعودية جميع مواقع الحوثي حد الإبادة؟
ليست كل حربٍ يمكن خوضها يجب أن تُخاض، وليست كل ضربةٍ يمكن توجيهها تستحق أن تُطلق.
يتكرر السؤال في كل منعطف سياسي وعسكري: لماذا لا تقصف السعودية جميع مواقع الحوثيين؟ لماذا لا تستخدم قوتها العسكرية لإنهاء التهديد دفعة واحدة؟ ولماذا كل هذا التأنّي في التعامل مع ميليشيا لا تفهم إلا لغة السلاح؟
أسئلة تبدو في ظاهرها حماسًا وحزمًا، لكنها في جوهرها تختزل واحدة من أعقد القضايا العسكرية والسياسية في تصور ساذج، وكأن الحروب مباريات تنتهي بصافرة حكم، أو أن الدول تُدار وفق انفعالات الجماهير ورغبات المتحمسين خلف الشاشات!
ومن يظن أن امتلاك القوة يعني وجوب استخدامها في كل لحظة، لم يفهم معنى القوة، ولا طبيعة الحروب، ولا حجم المسؤولية التي تتحملها الدول الكبرى حين تقرر الانتقال من الردع إلى المواجهة الشاملة.
السعودية لا تحتاج إلى إثبات قدرتها العسكرية لكل من يطالب بضربة هنا أو قصف هناك. فالقوة ليست استعراضًا يوميًا لإشباع رغبات المتفرجين، والجيوش لا تُحرَّك لإثبات الشجاعة لمن لا يتحملون شيئًا من تبعات قراراتها. والحقيقة التي ينبغي أن يدركها أصحاب النظرة العسكرية السطحية أن تدمير الأهداف لا يعني بالضرورة القضاء على التهديد، والانتصار في المعركة لا يضمن الانتصار في الحرب، والانتصار في الحرب لا يعني بالضرورة تحقيق السلام.
وهذه ليست نظرية سياسية حديثة، بل حقيقة كُتبت مرارًا في صفحات التاريخ، ودُفعت أثمانها من دماء الجيوش ومقدرات الدول.
التاريخ لا يرحم القادة الذين يخلطون بين القوة والحكمة.
في عام 1812، دخل نابليون بونابرت الأراضي الروسية وهو يقود واحدة من أكبر الحملات العسكرية في عصره. كان يملك الخبرة والانتصارات والقدرة على اجتياح المدن، لكنه أخطأ في تقدير المسافات والإمدادات وطبيعة المواجهة. وصل إلى موسكو، لكنه لم يحقق النصر السياسي الذي أراده، ثم وجد جيشه أمام انهيار كارثي خلال الانسحاب. لقد استطاع نابليون الوصول إلى قلب روسيا، لكنه لم يستطع تحويل ذلك الوصول إلى نصر استراتيجي.
وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها المتحمسون للقصف الشامل: ليس السؤال إلى أي مدى تستطيع قواتك التقدم، بل ماذا ستحقق عندما تصل؟
وفي عام 1915، دخلت قوات الحلفاء حملة غاليبولي بهدف تحقيق اختراق استراتيجي يغير موازين الحرب العالمية الأولى. لكن سوء التقدير والتخطيط والمقاومة العثمانية حوّلت الحملة إلى استنزاف دموي انتهى بانسحاب القوات المهاجمة. لم تكن المشكلة في غياب السلاح، بل في الفجوة الهائلة بين الأهداف المرسومة والواقع الذي واجهته الجيوش.
وفي عام 2003، اجتاحت الولايات المتحدة العراق، وسقط النظام العراقي خلال أسابيع. كان ذلك انتصارًا عسكريًا سريعًا، لكنه فتح الباب أمام سنوات من التمرد والعنف الطائفي والاضطراب الأمني والتكاليف البشرية والاقتصادية والسياسية الباهظة. سقط النظام، لكن الاستقرار لم يولد من تحت أنقاضه.
فماذا استفادت القوة العسكرية من سرعة الحسم حين لم يكن هناك تصور كافٍ لإدارة المرحلة التالية؟
وفي أفغانستان، خاضت الولايات المتحدة وحلفاؤها حربًا امتدت عشرين عامًا، امتلكوا خلالها تفوقًا هائلًا في التسليح والتكنولوجيا والاستخبارات، ومع ذلك انتهى التدخل بانسحاب القوات وعودة طالبان إلى السلطة عام 2021. ولم يكن ذلك لأن طالبان امتلكت قوة عسكرية تفوق الولايات المتحدة، بل لأن التفوق العسكري وحده لم يكن كافيًا لتحقيق الغاية السياسية المستدامة.
وهذا هو الدرس الذي يرفض بعض المتحمسين فهمه: تستطيع أن تتفوق على عدوك في السلاح، وأن تخسر معركتك معه في الزمن والسياسة والنتائج.
اليمن ليس هدفًا على شاشة عسكرية، حين يطالب أحدهم بقصف جميع مواقع الحوثيين، فليجب أولًا عن أسئلة لا تحتمل الشعارات:
ماذا بعد القصف؟ من سيدير المناطق التي يتراجع عنها الحوثيون؟ كيف سيُمنع تحول الفراغ العسكري إلى صراع بين قوى مسلحة أخرى؟ كيف ستُحمى الحدود السعودية من تداعيات الفوضى؟ وماذا عن المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد اليمني الذي أنهكته سنوات الحرب؟ وكيف يمكن ضمان ألا يتحول التصعيد الواسع إلى فرصة لقوى إقليمية تسعى إلى توسيع الصراع وإطالة أمده؟
هذه ليست أسئلة خوف، بل أسئلة دولة تعرف أن نتائج المعارك لا تتوقف عند لحظة إصابة الأهداف. فاليمن ليس مجموعة من الإحداثيات العسكرية، ولا أرضًا خالية يمكن التعامل معها بمنطق التدمير ثم المغادرة.
اليمن دولة مجاورة ترتبط بالسعودية بالجغرافيا والتاريخ والمصالح والأمن، وأي انهيار إضافي في بنيته السياسية والأمنية ستكون له تبعات تتجاوز حدوده. ومنتهى السذاجة أن يتصور أحد أن إنهاء التهديد الحوثي يمكن ضمانه بمجرد مضاعفة حجم القصف، دون النظر إلى طبيعة التنظيم، وشبكاته، وقدرته على إعادة الانتشار، وعلاقاته الإقليمية، والبيئة التي يتحرك داخلها.
إن القوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت ومخازن ومواقع، لكنها لا تستطيع بمفردها صناعة نظام سياسي مستقر أو إعادة بناء دولة منهكة.
السعودية لا تقاتل من أجل التصفيق، ثمة فرق شاسع بين دولة تمتلك مشروعًا وطنيًا طويل المدى، وبين جماعة مسلحة لا تبالي بما تتركه مغامراتها من خراب. فالدولة تقيس قراراتها بميزان المصالح والأمن والاستقرار، وتضع في حساباتها أرواح مواطنيها وجنودها ومستقبل اقتصادها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. أما الميليشيا فقد تختزل مفهوم النصر في استمرار بقائها، ولو كان الثمن انهيار المدن وتدمير الاقتصاد وإطالة معاناة الشعب الذي تزعم الدفاع عنه.
وهنا يظهر الفارق بين من يملك أدوات الحرب ومن يتحمل مسؤولية القرار.
ليس مطلوبًا من السعودية أن تتخلى عن قوتها، بل أن توظفها بالقدر والتوقيت والكيفية التي تحقق مصالحها وتحمي أمنها.
فالردع ليس ضعفًا، وضبط النفس ليس استسلامًا، والتفاوض ليس هزيمة، كما أن العمل العسكري ليس بالضرورة تهورًا عندما تفرضه الضرورة وتكون له أهداف واضحة وقابلة للتحقيق. لكن تحويل الحرب إلى غاية بذاتها، والتصعيد إلى مقياس للهيبة، والقصف إلى دليل وحيد على الشجاعة، ليس حزمًا استراتيجيًا، بل إفلاس في فهم طبيعة الصراع.
والذين يطالبون بحسم كل شيء بالنار، عليهم أن يدركوا أن أول شروط النصر أن تعرف ما الذي تريد تحقيقه، وما الثمن المقبول لتحقيقه، وكيف ستمنع ضياع المكاسب بعد انتهاء المواجهة. أخطر القرارات هي التي تُتخذ لإرضاء الجمهور، لا توجد دولة عاقلة تسلّم قرار الحرب لمن يكتب أكثر العبارات حدة، أو يرفع سقف المطالب في لحظة غضب. فالجماهير قد تنصرف عن متابعة المعركة بعد أيام، لكن الدول تبقى لعقود تواجه نتائج القرارات التي اتخذتها.
المتحمس قد يطالب بالتصعيد اليوم، ثم يكون أول من يسأل غدًا عن الخسائر والتكاليف وطول أمد المواجهة. أما صانع القرار فلا يملك رفاهية الانفعال ثم الانصراف. إنه مسؤول عن حساب الاحتمالات، واستشراف ردود الأفعال، وحماية المصالح، وتقدير النتائج المباشرة وغير المباشرة.
وليس من الحكمة أن تُستدرج دولة بحجم السعودية إلى مواجهة مفتوحة لمجرد أن خصمها يريد فرض إيقاع التصعيد عليها. فالخصم الذي يعجز عن هزيمتك عسكريًا قد يسعى إلى استنزافك سياسيًا واقتصاديًا، وقد يصبح اندفاعك غير المحسوب أعظم هدية تقدمها له.
ولهذا فإن اختيار توقيت الرد وشكله وحجمه، أو تغليب مسار سياسي حين يكون أجدى، لا يقل أهمية عن امتلاك القدرة على الرد نفسه.
بين شجاعة القرار وطيش الاندفاع، ليس الشجاع من يشعل كل مواجهة يستطيع إشعالها، بل من يمتلك القدرة على القتال دون أن يصبح أسيرًا لرغبته فيه. وليس القائد الناجح من يترك خلفه أكبر مساحة من الدمار، بل من يحقق هدفه بأقل تكلفة ممكنة، ويحافظ على قدرة دولته على مواجهة التحديات التالية.
لقد علّمنا التاريخ أن الدول قد تربح المعارك ثم تستيقظ على خسائر استراتيجية تتجاوز قيمة انتصاراتها العسكرية. وعلّمنا كذلك أن حسن تقدير التوقيت، وإدارة التصعيد، والمحافظة على الخيارات السياسية والعسكرية، قد تكون عناصر قوة لا تقل أثرًا عن السلاح نفسه.
ومن هنا، فإن مناقشة التأنّي السعودي ينبغي ألا تبدأ باتهامات العجز أو الجبن، بل بفهم حجم المصالح التي تديرها المملكة وتعقيدات المشهد الذي تواجهه.
ولا يستطيع أحد خارج دوائر القرار أن يجزم بدوافع كل خطوة سعودية أو توقيتها، لكن من المشروع أن نقرأ ضبط التصعيد في ضوء هذه الحسابات الإستراتيجية الكبرى.
السعودية ليست مطالبة بأن تثبت قوتها لمن لا يعرف معنى القوة، ولا بأن تخوض حربًا مفتوحة حتى يقتنع المتفرجون بأنها قادرة على خوضها.
فالمملكة دولة لها أمن تدافع عنه، وحدود تحميها، ومصالح تصونها، ومستقبل تعمل على بنائه، وليست طرفًا يبحث عن انتصار إعلامي عابر على حساب استقراره ومقدراته.
ومن يختزل هيبة الدول في عدد الغارات، عليه أن يراجع التاريخ جيدًا؛ فكم من قوة عسكرية دخلت حربًا وهي واثقة من سهولة الحسم، ثم خرجت منها تبحث عن مخرج يحفظ ما تبقى من مكاسبها!
وأخيرًا..
ليس السؤال الذي يجب أن نطرحه: لماذا لا تقصف السعودية كل شيء؟ بل السؤال الأجدر بعقلٍ يفهم السياسة والعسكرية والتاريخ:
هل الغاية أن نُشاهد أكبر قدر من القوة النارية، أم أن نرى السعودية أكثر أمنًا، واليمن أقل اضطرابًا، والتهديد الحوثي أقل قدرة على زعزعة استقرار المنطقة؟
فمن يطالب بالحرب عليه أن يملك تصورًا لنهايتها، ومن يصف التأنّي بالضعف عليه أن يفسر لماذا انتهت حروب خاضتها أعظم القوى العسكرية إلى نتائج لم تكن تريدها.
إن الحروب لا تُخاض لإثبات القدرة على البدء، بل لتحقيق القدرة على إنهاء الصراع بشروط أفضل.
والفرق بين دولة تصنع التاريخ وجماعة تعبث به، أن الأولى تفكر فيما سيبقى بعد الحرب، بينما قد لا ترى الثانية أبعد من المعركة القادمة.
أما الذين يظنون أن الحكمة نقيض الشجاعة، فليقرأوا التاريخ مرة أخرى؛ فليس كل من أشعل حربًا كان شجاعًا، وليس كل من تجنّب حربًا كان عاجزًا.
القوة أن تستطيع، والحكمة أن تعرف متى، والسيادة أن يكون القرار لك.. لا لغضب خصمك، ولا لصخب المتفرجين.