حذامي محجوب
ماذا لو جاءت أقوى رسالة نقدية إلى رئيس أمريكي من كاتب يقول له في الوقت نفسه: «أحب أمريكا»؟ وماذا لو لم يكن هذا الحب كافياً لحجب الغضب من موقف واشنطن تجاه فلسطين، أو من طريقة تعاملها مع أمن المملكة والعدوان الحوثي عليها؟
هنا تحديداً تكمن قوة رسالة الأستاذ خالد بن حمد المالك، رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة»، المنشورة في 13 أكتوبر 2026 تحت عنوان «أمريكا بين الحب والكراهية: رسالتي للرئيس ترامب». فهي ليست رسالة مجاملة، ولا بيان خصومة، ولا محاولة للانضمام إلى جوقة المواقف الجاهزة، بل مواجهة سياسية صريحة تضع الولايات المتحدة أمام تناقض جوهري: كيف تريد أن تبقى القوة الأكثر نفوذًا في العالم، وتحافظ في الوقت نفسه على صداقاتها وشراكاتها، بينما تتبنى سياسات يراها حلفاؤها وشعوب المنطقة بعيدة عن العدالة؟
يبدأ المالك من عبارة تبدو عاطفية: «أحب أمريكا». لكنه سرعان ما يحولها إلى مدخل سياسي عميق، فيربط هذا الحب بتاريخ العلاقة السعودية الأمريكية، وبما شهدته من تعاون واحترام متبادل ومصالح مشتركة. ثم يضع أمامها العبارة الأكثر حسمًا: «لكني لا أحب في أمريكا موقفها من القضية الفلسطينية»، وبين الحب والاعتراض، لا تتشكل مفارقة لغوية فحسب، بل تتبلور رسالة كاملة إلى واشنطن: الصداقة لا تعني الصمت، والتحالف لا يلغي حق الشريك في النقد، والقوة لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة الأخلاقية والسياسية.
ليست كل الرسائل الموجهة إلى رؤساء الدول مجرد خطابات بروتوكولية ، ولا تُقاس أهميتها دائمًا بما إذا كان صاحبها سيتلقى جوابًا عنها. فبعض الرسائل تتجاوز مخاطبة الشخص لتصبح خطابًا إلى الدولة التي يمثلها، وإلى سياستها الخارجية، وإلى المسافة التي تفصل مصالحها عن المبادئ التي تعلن الدفاع عنها. وهذا ما يجعل رسالة المالك جديرة بقراءة تتجاوز ظاهر كلماتها إلى أبعادها السياسية والإستراتيجية.
إن أهمية هذا البناء لا تكمن في الجمع بين الحب والرفض فحسب، بل في الفصل بين العلاقة بالدولة والاعتراض على بعض اختياراتها السياسية. فالمالك لا ينطلق من موقف عدائي شامل تجاه أمريكا، ولا ينكر ما يربطها بالمملكة من مصالح وعلاقات تاريخية، لكنه يرفض أن تتحول هذه العلاقة إلى مبرر للصمت عن القضية الفلسطينية. وبذلك يمنح رسالته طابعا سياسيا واضحا : الصداقة لا تعني التنازل عن الحق في النقد، والتحالف لا يعفي الطرف الأقوى من مسؤولية مراجعة مواقفه.
وهذه هي الدلالة الأولى للرسالة، إذ إنها تعيد تعريف الصداقة بين الدول باعتبارها علاقة قادرة على استيعاب الاختلاف، لا علاقة يُشترط لاستمرارها تطابق المواقف. فالدول لا تحتاج إلى الاتفاق في كل الملفات حتى تتعاون، لكنها تحتاج إلى قدر من الثقة يجعل المصارحة ممكنة، وإلى احترام متبادل يمنع الخلاف من التحول إلى أزمة في أصل العلاقة.
السعودية وأمريكا: شراكة لا تلغي استقلال الموقف:
حين يستعرض المالك أسباب تقديره للولايات المتحدة، فإنه يتوقف عند العلاقات التاريخية بين البلدين، وتعامل واشنطن مع الرياض، ودراسة أعداد كبيرة من الشباب السعودي في الجامعات الأمريكية، والتعاون الدفاعي القائم بينهما. ويؤكد أن التسليح يتم «بأموال المملكة وليس هبة من أمريكا»، وهي عبارة تحمل دلالة تتجاوز موضوع الإنفاق العسكري نفسه.
فالمقصود هنا ليس مجرد التذكير بأن التعاون الدفاعي يقوم على التعاقد والمصالح، وإنما التأكيد أن العلاقة السعودية الأمريكية ليست علاقة مانح بمتلقٍّ، ولا علاقة دولة تملك القرار وأخرى تنتظر ما يُمنح لها. إنها شراكة تتبادل فيها الدولتان المصالح، ولكل منهما حساباته وأولوياته وحقه في تحديد مواقفه.
وفي هذا التحديد تكمن أهمية النظرة التي يقدمها المالك إلى العلاقة الثنائية. فالمملكة ليست مطالبة بالتخلي عن خياراتها الوطنية حتى تثبت صداقتها لواشنطن، كما أن الولايات المتحدة ليست مطالبة بالتخلي عن مصالحها حتى تحافظ على شراكتها مع الرياض. المطلوب هو أن تقوم العلاقة على التفاوض والاحترام، وأن يكون الاختلاف جزءًا طبيعيا من إدارة المصالح، لا ذريعة للتشكيك في التحالف.
ويكتسب هذا المعنى أهمية خاصة في عالم تتغير فيه موازين القوة، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية مع التحولات الجيوسياسية. فالشراكات الراسخة لا تستمد قوتها من الماضي وحده، بل من قدرتها على التكيف مع الحاضر، وعلى استيعاب اختلاف الأولويات من دون أن تفقد أسسها.
ومن هنا يمكن فهم إشارة المالك إلى حرص الطرفين على تطوير العلاقات كلما اعترضتها فترات من الفتور. إنها إشارة إلى أن العلاقة السعودية الأمريكية لا تُختبر بغياب الخلاف، وإنما بطريقة التعامل معه. لكن الرسالة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالًا أكثر عمقا: إذا كانت واشنطن قادرة على تفهم الاختلاف مع الرياض في بعض المصالح، فلماذا لا تستطيع أن تمنح الحقوق الفلسطينية المكانة التي تستحقها في حساباتها السياسية؟
فلسطين: النقطة التي ينكشف عندها التناقض
ينتقل المالك من مساحة التقدير إلى مساحة الاعتراض بعبارة مباشرة: «كنت أريد من أمريكا، وهي الدولة العظمى في العالم، أن تكون عادلة»، وهذه العبارة، في تقديري، هي المفتاح الأهم لفهم الرسالة كلها؛ لأنها لا تطالب الولايات المتحدة بالتخلي عن موقعها الدولي أو نفوذها، بل بأن تجعل هذا النفوذ أداة لتحقيق تسوية أكثر إنصافاً.
فالولايات المتحدة ليست مراقباً محايداً يقف خارج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل دولة تملك علاقات عسكرية وسياسية واقتصادية وثيقة مع إسرائيل، وتؤثر مواقفها في البيئة الدولية التي يتحرك فيها الصراع. ولذلك فإن مسؤوليتها لا تنفصل عن قدرتها على التأثير في القرارات الإسرائيلية، ولا عن مواقفها في المؤسسات الدولية، ولا عن طبيعة الشروط التي تضعها أمام أي تسوية سياسية.
وحين ينتقد المالك الدعم الأمريكي لإسرائيل، فإنه يثير مسألة تتجاوز الخلاف حول سياسة بعينها. إنه يضع أمام القارئ التناقض بين المكانة الدولية التي تتمتع بها الولايات المتحدة وبين التوقعات المرتبطة بهذه المكانة. فالدولة التي تمتلك نفوذا واسعا لا تُقاس مسؤوليتها بما تستطيع فعله فقط، بل أيضا بما تختار أن تفعله، وبما تتركه من نتائج حين تمتنع عن استخدام نفوذها في منع الانتهاكات أو الدفع نحو الحلول.
وفي هذا السياق، يتوقف المالك عند رفض واشنطن الاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وعند موقفها من خيار الدولتين، في مقابل اتساع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. وهو لا يتعامل مع الاعتراف بوصفه مسألة رمزية فحسب، بل بوصفه تعبيرا عن حق سياسي وقانوني لا يجوز أن يظل رهينة الحسابات المتغيرة للقوى الكبرى.
والفارق كبير بين أن تتعامل الدولة الكبرى مع الفلسطينيين باعتبارهم سكانا يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وبين أن تعترف بهم شعبا له حق في تقرير مصيره وإقامة دولته. فالمساعدات، مهما كانت ضرورية، لا تعوض غياب السيادة، والإغاثة لا تحل محل الحقوق الوطنية، وإدارة الأزمة لا تعني حلها.
كما أن الحديث عن أمن إسرائيل لا ينبغي أن يُستخدم لتأجيل حقوق الفلسطينيين إلى أجل غير معلوم. فالأمن والحقوق ليسا بالضرورة هدفين متعارضين، بل إن التسوية العادلة هي التي تسعى إلى ضمان أمن الطرفين، بدل أن تمنح أحدهما القدرة على فرض الوقائع على الآخر. أما استمرار الاحتلال والاستيطان وتآكل فرص إقامة الدولة الفلسطينية، فيجعل الحديث عن السلام منفصلًا عن الشروط التي يمكن أن تجعله ممكنا.
لهذا لا تبدو مطالبة المالك واشنطن بالعدل مجرد نداء أخلاقي. إنها مطالبة سياسية تتصل بمصداقية الولايات المتحدة، وبقدرتها على الاحتفاظ بثقة شركائها في المنطقة، وبمدى استعدادها لتحويل نفوذها إلى نتائج تتجاوز حماية التوازنات القائمة.
لماذا يضع المالك ترامب أمام مسؤولية خاصة؟
لا يخاطب المالك الولايات المتحدة بوصفها كياناً مجرداً، بل يوجه رسالته إلى دونالد ترامب، الذي يرى أنه يمتلك فرصة استثنائية للتحرك. ويقول بوضوح: «الرئيس ترامب أمام فرصة ذهبية ليعمل ما لم يعمله غيره من رؤساء أمريكا».
إن اختيار ترامب مخاطبًا يعكس رهانا سياسيا على إمكان اتخاذ قرار من أعلى، وعلى قدرة الرئاسة الأمريكية على تغيير مسار ملف ظلت إدارته أسيرة التعقيدات والمواقف المتكررة لعقود. فالرسالة لا تكتفي بإدانة السياسات السابقة، وإنما تدعو الرئيس القائم إلى تجاوزها، وتضع أمامه فرصة ليُحدث تحولًا في طريقة تعامل واشنطن مع القضية الفلسطينية.
لكن ما الذي يجعل هذه الفرصة ذات معنى سياسي؟
أولًا، أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط وتأثير لا تتوافر لكثير من الأطراف الدولية الأخرى. وثانيًا، أن اتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية يمنح التحرك نحو حل الدولتين قاعدة سياسية أوسع مما كانت عليه في مراحل سابقة. وثالثا، أن التعاون السعودي الفرنسي في هذا الملف يعكس إمكان بناء جهد دولي يتجاوز حدود التصريحات، ويعمل على ترجمة الاعتراف بحق الفلسطينيين في الدولة إلى خطوات عملية.
وفي هذا الإطار، تأتي دعوة المالك إلى الاعتراف الأمريكي بالدولة الفلسطينية ضمن حل الدولتين ومبادرة السلام العربية. وهي دعوة لا تنطلق من أن الاعتراف وحده سينهي الصراع، وإنما من أن غياب الموقف الأمريكي المؤيد لقيام الدولة الفلسطينية يضعف فرص الوصول إلى تسوية متوازنة، بينما يمكن لتغير هذا الموقف أن يفتح المجال أمام مسار سياسي مختلف.
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يتوقف عند إعلان الاعتراف. فقيام الدولة الفلسطينية يحتاج إلى حماية الأرض من الضم والتوسع الاستيطاني، وإنهاء الاحتلال، وضمان السيادة، وتوفير مقومات الاستمرار السياسي والاقتصادي. لذلك فإن قيمة أي تحول أمريكي ستتحدد بمدى انتقاله من الإشارة السياسية إلى الالتزامات العملية، ومن إعلان النوايا إلى التأثير في الوقائع.
إحدى أهم نقاط الرسالة: أن التاريخ لا يمنح مكانته لمن يمتلك القوة وحدها، بل لمن يستطيع توظيفها في لحظة مناسبة لتغيير مسار الأحداث. فالرئيس الأمريكي الذي ينجح في إحداث تقدم حقيقي نحو تسوية عادلة لن يكون قد أضاف مجرد إنجاز إلى سجله السياسي، بل سيكون قد ساهم في معالجة أحد أعمق مصادر التوتر في الشرق الأوسط.
بين المبادئ والمصالح: هل تستطيع واشنطن الجمع بينهما؟
قد يبدو للبعض أن مطالبة الولايات المتحدة بموقف أكثر عدالة تجاه فلسطين تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها مع إسرائيل. لكن هذا التصور يفترض أن المصالح الأمريكية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال استمرار الوضع القائم، وهو افتراض يحتاج إلى مراجعة.
فالمصالح الاستراتيجية ليست ثابتة إلى الأبد، كما أن كلفة السياسات لا تُقاس بنتائجها المباشرة فقط. وقد توفر سياسة معينة مكاسب آنية، لكنها تترك آثارًا بعيدة المدى على الثقة، وعلى صورة الدولة، وعلى قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع شركائها.
والشرق الأوسط ليس مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ، بل منطقة تضم شعوبًا ودولًا لها تصوراتها عن الأمن والعدالة والاستقرار. وإذا أرادت واشنطن الحفاظ على حضور فاعل فيها، فإن علاقاتها لا يمكن أن تقوم على التعاون الأمني والاقتصادي وحدهما، بل تحتاج أيضًا إلى إدراك القضايا التي تؤثر في نظرة المجتمعات إليها.
ومن هذه الزاوية، فإن موقفا أمريكيا أكثر دعما لقيام الدولة الفلسطينية لن يكون بالضرورة تنازلًا عن المصالح الأمريكية، بل يمكن أن يمثل إعادة صياغة لها على أساس أكثر استدامة. فالتسوية العادلة تقلل دوافع الصراع، وتوسع فرص التعاون الإقليمي، وتتيح للدول أن توجه مزيدًا من مواردها إلى التنمية بدل الاستنزاف المستمر في الأزمات.
ولا يعني هذا أن السلام يمكن أن يتحقق بقرار أمريكي منفرد، أو أن مسؤولية الصراع تقع على طرف واحد. فالتسوية تتطلب التزامات متبادلة، وضمانات أمنية، وإرادة سياسية لدى الأطراف المعنية. لكن مسؤولية واشنطن تظل كبيرة بحكم موقعها وقدرتها على التأثير في المسار الدبلوماسي.
إن الرهان الذي تتضمنه رسالة المالك هو أن الولايات المتحدة تستطيع أن تجمع بين الاحتفاظ بعلاقاتها الاستراتيجية وبين دعم حل سياسي يعترف بحقوق الفلسطينيين. وليس المطلوب أن تختار بين أصدقائها ومبادئها، بل أن تدرك أن تجاهل الحقوق قد يضعف صدقية صداقاتها، بينما يمكن لاحترامها أن يعزز مكانتها.
اليمن وأمن المملكة: الوجه الآخر للرسالة
لا تنتهي رسالة المالك عند فلسطين. ففي عبارتها الأخيرة يقول: «أخيرا لا يعجبني موقف أمريكا ورئيسها من العدوان الإرهابي الحوثي على المملكة»، تبدو هذه الخاتمة مناورة بالغة الاتقان لأنها تضيف إلى الرسالة بعدا أمنيا مباشرا ، وتكشف أن اعتراض الكاتب على السياسة الأمريكية لا يقتصر على القضية الفلسطينية، بل يمتد إلى ما يراه قصورًا في التعامل مع التهديدات التي تستهدف أمن السعودية.
إن وضع فلسطين واليمن في رسالة واحدة يكشف عن تصور أوسع للمسؤولية الأمريكية في الشرق الأوسط.
فمن جهة، هناك قضية شعب يطالب بحقه في الدولة والسيادة، ومن جهة أخرى، هناك دولة تواجه هجمات تمس أمنها واستقرارها. وفي الحالتين، يصبح السؤال متعلقًا بمدى استعداد واشنطن لاستخدام نفوذها في دعم الحلول السياسية وحماية الأمن، بدل الاكتفاء بمواقف لا تترجم دائما إلى نتائج ملموسة.
ولا يعني الجمع بين الملفين مساواة ظروفهما أو أطرافهما، فلكل منهما سياقه السياسي والقانوني الخاص. لكنه يوضح أن الشراكة السعودية الأمريكية لا تُختبر في مجال واحد، وأن الثقة المتبادلة تتطلب وضوحا في التعامل مع التحديات التي تمس المصالح الأساسية للطرفين.
وفي الملف اليمني، تبرز أهمية دعم أمن المملكة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على استعادة مؤسساتها وسيادتها، والعمل على منع الهجمات التي تستهدف المدنيين والمنشآت الحيوية. كما أن الاستقرار الدائم يحتاج إلى مسار سياسي يعالج أسباب النزاع ويمنع تحوله إلى تهديد مستمر للأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
ومن هنا، يمكن قراءة خاتمة الرسالة باعتبارها مطالبة بأن تكون الشراكة الأمريكية السعودية قادرة على مواجهة التحديات الواقعية، لا أن تبقى محكومة بالتصريحات العامة. فالثقة بين الدول تُبنى من خلال السياسات والمواقف العملية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأمن الشركاء واستقرار المنطقة.
رسالة إلى أمريكا أم دعوة إلى مراجعة الذات؟
لعل أكثر ما يميز رسالة خالد المالك أنها لا تدعو إلى القطيعة مع الولايات المتحدة، ولا تختزل السياسة الأمريكية في موقف واحد، بل تميز بين جوانب العلاقة التي تستحق التقدير وجوانب السياسة التي تستوجب الاعتراض. وهذه المقاربة تمنح الرسالة قوة مختلفة، لأنها لا تصدر عن رفض شامل، بل عن رغبة في أن تكون العلاقة أكثر اتساقًا مع ما يُنتظر من دولة تمتلك نفوذاً عالمياً.
إن عبارة «لا أريد أن تكون أمريكا دولة مكروهة، ولا دولة ظالمة» تختصر هذا المعنى. فالكاتب لا يتحدث عن الكراهية باعتبارها غاية، بل باعتبارها نتيجة يخشى أن تترتب على سياسات يراها غير عادلة. وهو بذلك يلفت النظر إلى أن مكانة الدول الكبرى لا تتحدد بما تملكه من قوة عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل أيضا بما تثيره سياساتها من ثقة أو اعتراض، وبقدرتها على إقناع الآخرين بأن مصالحها لا تستلزم تجاهل حقوقهم.
وهنا يصبح النقد جزءًا من الحوار السياسي، لا نقيضا للصداقة. فالدولة التي تُحترم لا تحتاج إلى أن تكون بمنأى عن النقد، كما أن الشراكة التي تستحق الاستمرار لا ينبغي أن تقوم على المجاملة. بل إن المصارحة قد تكون الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية العلاقات من التآكل، لأنها تتيح تسمية المشكلات بدل تركها تتراكم في صمت.
والرسالة، بهذا المعنى، لا تتوجه إلى ترامب وحده، بل إلى صناع القرار الأمريكيين عموما، وإلى كل من يعتقد أن النفوذ يكفي لصناعة الاستقرار. إنها تذكرهم بأن القوة قد تفرض واقعا لفترة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج شرعية سياسية أو أن تنهي شعور الشعوب بالحرمان من حقوقها.
في النهاية، لا يدعو خالد المالك إلى أن تتخلى أمريكا عن مصالحها، وإنما إلى أن تعيد النظر في العلاقة بين هذه المصالح والعدالة. ولا يطلب منها أن تتوقف عن كونها قوة كبرى، بل أن تستخدم موقعها في فتح الطريق أمام سلام لا يقوم على إدامة اختلال موازين القوة، وإنما على الاعتراف المتبادل بالحقوق.
أما الرئيس ترامب، فإن التحدي الذي تضعه الرسالة أمامه يتجاوز حدود الاستجابة لكاتب أو صحيفة. إنه تحدٍّ يتعلق بقدرة السياسة الأمريكية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، ومن حماية التوازنات القائمة إلى المساهمة في بناء تسوية أكثر استقرارا.
فأمريكا التي يحبها المالك، كما تكشف الرسالة، ليست أمريكا التي يُنتظر منها أن توافق على كل ما يريده الآخرون، بل أمريكا التي تستطيع أن تحافظ على صداقاتها، وتحترم مصالحها، وتدرك في الوقت نفسه أن العدالة ليست عبئًا على القوة، وإنما أحد شروط استدامة أثرها.
وهنا تتجاوز الرسالة عنوانها لتطرح سؤالًا سيظل حاضرا في مستقبل العلاقات الأمريكية العربية: هل يكفي أن تكون الدولة قوية حتى تحظى بالثقة، أم أن الثقة الحقيقية تبدأ حين يشعر الآخرون بأن هذه القوة لا تُستخدم على حساب حقوقهم؟
إن الإجابة لن تأتي من الكلمات وحدها، بل من القرارات التي تليها. ففي السياسة، قد تفتح الرسائل باب النقاش، لكن ما يصنع الفارق هو ما تفعله الدول حين يصبح أمامها الاختيار بين الاكتفاء بإدارة الواقع، والعمل على تغييره.