الصادق جاد المولى
شاهدتُ مقطع المعتمرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وأعدتُ مشاهدته، وفي كل مرة كنت أجدني أمام سؤال يصعب على العقل أن يستوعب جوابه، كيف يبلغ برجلٍ يدّعي نصرة الإسلام أن تصبح وجوه قاصدي الحرمين في مرمى صواريخه، وأن يتحول مطار يستقبل ضيوف الرحمن إلى ساحة من ساحات مغامراته، ولعل أكثر ما استوقفني في المشهد تلك الطمأنينة التي جاء بها المسافرون إلى هذه البلاد، وقد حسبوا أن أقصى ما ينتظرهم تأخر طائرة أو ازدحام بوابة، فإذا بالموت يسبقهم إلى صالة الانتظار، وإذا بالجماعة الإرهابية التي ملأت الدنيا ضجيجًا عن المقدسات تُضيف إلى سجلها صفحة جديدة من الدم، وقد ظننت أن الحوثي استنفد ما لديه من أسباب العار، فإذا به يجد في كل صباح سببًا آخر.
وللحوثي تاريخ طويل مع العبث، بدأ بمغامرة الاستيلاء على صنعاء في سبتمبر 2014، وما أعقبها من حرب شطرت اليمن، وأرهقت أهله، وأعادت بلدًا عريقًا إلى أحوال ظن الناس أنها غادرت التاريخ، ثم اتسعت شهيته إلى ما وراء الحدود، فأخذ يوزع صواريخه على الجيران، ويهدد السفن في البحر الأحمر، ويجعل من مضيق باب المندب ورقة مساومة في نزاعاته، حتى غدا هذا الممر الذي عبرته تجارة الأمم قرونًا طويلة موضعًا لمغامرات جماعة مسلحة، لا يكفيها ما أصاب اليمنيين من خراب، فتسعى إلى أن يكون للعالم نصيب منه.
وفي اليمن نفسه حكاية أخرى، أشد إيلامًا وأقل حضورًا في خطب الإرهابي عبدالملك الحوثي، ففي تعز حصار طويل وأحياء أنهكتها الحرب، وفي غيرها من المدن والقرى ألغام تركتها سنوات القتال في طرق الناس وحقولهم، وأطفال جُنّدوا في صفوف المقاتلين، ومعتقلون غابت أخبارهم عن أسرهم، وموظفون في المنظمات الإنسانية أصبح عملهم في إغاثة الجائعين تهمة تستوجب السجن، وقد أحصت الأمم المتحدة في يونيو الماضي ثلاثة وسبعين من موظفيها رهن الاحتجاز التعسفي لدى سلطات الحوثيين، ومن عجيب أمر هذه الجماعة أنها تطلب من العالم أن يسمع شكواها من الحصار، ثم تضيّق على الذين يحملون الغذاء والدواء إلى أهل المناطق الخاضعة لسيطرتها، ولعلها تريد من اليمني أن يجوع صابرًا، وأن يشكرها بعد ذلك على ما حققته له مما تدعيه انتصاراً.
وليس في اليمن اليوم ما يحتاج إلى مزيد من التجارب العسكرية، فالأمم المتحدة تقدّر أن أكثر من اثنين وعشرين مليون إنسان يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية خلال هذا العام، ومن بينهم ملايين الأطفال الذين لا يعرفون من عمرهم سوى الحرب، وتلك أرقام ينبغي أن تؤرق ضمير كل من يحمل مسؤولية عامة، غير أن الحوثي يجد متسعًا من الوقت لحساب مدى الصواريخ، ولا يجد ما يكفي منه لحساب المدارس التي أغلقت، والمستشفيات التي عجزت، والأسر التي تبددت، وكأن إقامة الدولة عنده تبدأ من صناعة العدو، وتنتهي بإصدار بيان الانتصار عليه.
ثم جاءت مغامرته في البحر الأحمر، فانتقل من إرهاق اليمنيين إلى تهديد مصالح العالم، ووجدت شركات الملاحة نفسها مضطرة إلى تغيير مسارات سفنها، ودفع كلفة إضافية لتأمين عبور بضائع لا شأن لأصحابها بحروب المنطقة، وبلغ الأمر حد إغراق سفن تجارية وسقوط بحارة جاؤوا يلتمسون أرزاقهم، وكان من ضحايا الهجمات الأخيرة بحارة آسيويون لا صلة لهم بالخلافات التي يتحدث عنها الحوثي، وفي أغسطس الماضي قُتل أفراد من طاقم سفينة تجارية وعناصر إنقاذ في هجوم عند باب المندب، وهي واقعة تختصر مبلغ الاستهانة بأرواح الناس، فقد أصبح البحر الذي يحمل غذاء الشعوب وتجارتها مسرحًا للصواريخ، وأضحى البحار البسيط مطالبًا بدفع ثمن السياسة الدولية من حياته.
أما الاعتداء على دول الجوار، فقد عرفته المنطقة قبل هذه الأحداث بسنوات، ففي يناير 2022 استهدف الحوثيون أبوظبي بهجوم أودى بحياة ثلاثة مدنيين، وسبق ذلك وتلاه إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو الأراضي السعودية، واستهداف منشآت اقتصادية ومرافق مدنية، ثم عادت الاعتداءات في الأيام الأخيرة إلى مطارات الرياض وأبها وجازان ونجران والدمام، وفي هجوم العاشر من أكتوبر على مطار الملك خالد الدولي سقط ثلاثة عشر قتيلًا وأصيب أكثر من ثلاثمائة شخص وفق الحصيلة الرسمية التي أوردتها وكالات الأنباء، وتعرض المطار في اليوم التالي لهجوم آخر أوقع مزيدًا من الضحايا، وكأن الجماعة أرادت أن تقول إنها لا ترى في المطارات سوى أهداف، ولا في المسافرين سوى أرقام تضاف إلى نشراتها العسكرية.
وأكثر ما يستحق التوقف عنده تلك المسافة الهائلة بين خطاب الحوثي وأفعاله، فهو يتحدث عن فلسطين وقد جعل اليمن ميدانًا لحروبه، ويعلن نصرة المستضعفين وقد امتلأت السجون بمعارضيه، ويتغنى بالعزة فيما يُساق الأطفال إلى الجبهات، ويتحدث عن سيادة الأمة وهو يعتمد على دعم خارجي في بناء ترسانته العسكرية، ولست أدري أيُّ نصر يمكن أن تحرزه قضية عادلة من صاروخ يصيب مسافرًا، أو سفينة تغرق ببحارتها، أو أسرة يمنية فقدت آخر أبنائها، وأحسب أن فلسطين، بما احتملته من مآسٍ، أغنى من أن تُستعار مأساتها لتبرير مآسٍ جديدة.
ولإيران في هذه الحكاية موقع لا يجوز إغفاله، فقد وثقت تقارير دولية أوجه الدعم الخارجي للقدرات العسكرية الحوثية، وأشارت إلى التشابه بين منظومات تسليح الجماعة وأسلحة إيرانية، غير أن أخطر ما في الحروب بالوكالة أنها تمنح أصحابها وهم القدرة على إدارة الخراب من مسافة آمنة، يُرسل السلاح، وتُترك للآخرين مهمة استعماله، ثم يتحدث الجميع عن ضرورة التهدئة بعد أن تقع الكارثة، وما أيسر الدعوة إلى السلام على من أسهم في إعداد أسباب الحرب، وما أفدح سوء التقدير لدى الذين يتصورون أن بإمكانهم تهديد أمن المملكة بواسطة جماعة مسلحة، ثم الإفلات من تبعات ما ارتكبته.
وهنا يبلغ الحوثي أكثر أخطائه خطورة، فقد أساء قراءة المملكة العربية السعودية، واستخلص من حرصها على السلام ما كان ينبغي أن يستخلص نقيضه، فالسعودية التي بذلت من الجهد والمال والوساطة ما يعرفه اليمنيون، وأبقت أبواب التفاهم مفتوحةً رغم الاعتداءات، تملك من أسباب القوة ما يجعلها قادرة على حماية أمنها وردع المعتدين، ولديها من الثقل السياسي والاقتصادي والاقتدار العسكري ما يتيح لها خيارات واسعة في مواجهة مصادر التهديد، وقد كان من حسن حظ الحوثي أن الرياض تعرف ثمن الحرب على الشعوب، وأنها تدرك ما ينبغي للقوة أن تضبطه من حسابات قبل استعمالها.
ولعل من سوء طالع المغامرين أنهم لا يفهمون هذه الحقيقة إلا بعد أن يستنفدوا فرص النجاة، فقد حسب الحوثي أن كثرة الإمهال شهادة بعجز المملكة، وغاب عنه أن الدول الراسخة لا تقيس هيبتها بعدد الصواريخ التي تطلقها، وأنها تستطيع أن تصبر وهي تملك أسباب الرد، وتستطيع أن تختار السلام وهي قادرة على الحرب، وقد أثبتت السعودية في محطات كثيرة من تاريخها أن أمنها وسيادتها فوق المساومة، وأن لديها من الرجال والمؤسسات والموارد والقدرات ما يكفل الدفاع عن أرضها ومصالحها، وما ينبغي لجماعة تستمد أسباب قوتها من الخارج أن تخطئ في حساب قوة دولة بهذا الحجم، أو أن تجعل من أمن أهلها وضيوفها ميدانًا لاختبار الصبر.
وليس الحديث عن بتر يد الحوثي حديثًا عن الاسترسال في الحرب، فالمملكة تعرف كيف تضرب مصادر الخطر وتعطل أدواته، وكيف تجمع بين الردع العسكري والعمل السياسي والدبلوماسي، وتملك القدرة على ملاحقة شبكات التمويل والتسليح ومحاسبة المتورطين وفق مقتضيات القانون، وقد آن للحوثي ومن يعاونه أن يفهما أن أمن هذه البلاد لا يخضع لمساومات الجماعات المسلحة، وأن في يد المملكة من أوراق القوة ما يكفي لحماية مصالحها، وأن الذين يراهنون على استنزافها إنما يضعون أنفسهم أمام دولة عرفت كيف تجمع بين القوة والحكمة، وبين الحزم وطول النفس.
وأحسب أن الحوثي قد وصل في مغامرته إلى موضع يستحق أن يراجع فيه حساباته كلها، فقد جعل من اليمن مأساة مفتوحة، ومن البحر الأحمر مصدرًا للقلق الدولي، ومن جيرانه أهدافًا لصواريخه، وأخذ يستعير القضايا الكبرى ليغطي بها عجزه عن إقامة حياة كريمة للناس الذين يعيشون تحت سلطته، ولعل التاريخ سيسأل عن حصيلة هذه السنوات الطويلة، وعن المدن التي تهدمت، والأسر التي تفرقت، والأطفال الذين كبروا في المخيمات، وعن كل هذه التضحيات التي قُدمت في سبيل مشروع لم يعرف كيف يمنح اليمنيين يومًا واحدًا من الطمأنينة.
وأعود إلى مقطع المعتمرين في مطار الرياض، إلى أولئك الذين كانوا يستعدون للرحيل، فوجدوا أنفسهم أمام صورة من صور الحرب التي لم يختاروها، وأترحم على القتلى وأسأل الله الشفاء للمصابين، ثم أفكر في هذا الرجل الذي يستطيع أن يطلق الصواريخ على مطارات المملكة، ويحسب أن المسافة بين صنعاء والرياض كافية لأن تحميه من عواقب أفعاله، وقد فاتته حقيقة بسيطة عرفها التاريخ منذ نشأة الدول، وهي أن الاعتداء على القادرين لا يورث صاحبه قوة، وأن الدول التي تملك أسباب الردع لا تحتاج إلى أن تستعرضها كل صباح كي يثبت وجودها.
تبت يد الحوثي، وتبت كل يد تعينه على العدوان، وليقرأ هو وأعوانه تاريخ المملكة جيدًا، ففيه من الشواهد ما يكفي لمعرفة أن هذه البلاد إذا امتدت يدها بالسلام كان ذلك عن اقتدار، وأنها تملك من القوة ما تستطيع به بتر أسباب العدوان، وما أشد حماقة رجلٍ ظن أن الصبر السعودي ينتهي عند حدود الحلم، وغفل عن أن وراء الحلم دولةً تعرف كيف تضع حدًا لمن يعبث بأمنها.