د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
تبدل السين من التاء وتبدل التاء من السين، وحفظت العربية لنا أمثلة رواها النحويون واللغويون، قال سيبويه(180هـ) «وقال بعضهم: استخذ فلانٌ أرضًا، يريد اتّخذ أرضًا، كأنهم بدّلوا السين مكان التاء في اتّخذ، كما أبدلوا حيث كثرت في كلامهم وكانتا تاءين، فأبدلوا السين مكانها كما أبدلت التاء مكانها في (ستٍّ). وإنما فعل هذا كراهية التضعيف»(1). ولا يفوته احتمال آخر لتفسير (استخذ)، قال «وفيها قولٌ آخر أن يكون استفعل، فحذف التاء للتضعيف من استتخذ كما حذفوا لام ظَلْت»(2).
قال أبوزيد الأنصاري(215هـ) «قال عِلْباءُ بنُ أَرْقَمَ:
يا قَبَّحَ اللهُ بَني السِّعْلاتِ
عَمْرَو بنَ يَرْبوعٍ شِرارَ النّاتِ
غَيْرَ أَعِفّاءَ وَلا أَكْياتِ
(النّات): أراد النّاسَ و(أَكْياتٌ): أراد أَكْياسٌ»(3). وسمّى السيوطي(911هـ) هذه الظاهرة (الوتم) في لغة اليمن(4).
وأورد ابن السكيت(244هـ) أمثلة قال «قال الأصمعى: يقال هو على سُوسِهِ وتُوسِه أي خليقته. ويقال رجل حَفَيْسَأٌ وحَفَيْتَأٌ، إذا كان ضَخْمًا ضَخْمَ البَطْنِ إلى القِصَرِ ما هو... قال وطيّئ يسمون اللصوص اللصوت ويسمون اللص لصتًا. وهم الّذين يقولون للطَّسّ طَسْتٌ»(5).
قال الزجاج(311هـ) «وقُرِئ شاذًا «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاتِ» إلى آخره»(6). ونسبت هذه اللغة إلى قبيلة قضاعة(7).
وقال أبوالطيب اللغوي (351هـ) «والْمِرْتى والْمِرسى: أَنجَرُ المركب الذي يحبِسه فلا يجري، وهي الْمَراتي والْمَراسي للجميع ، قال الأعشى:
67 أَلْقَى مَراتِيَه بتَهْلُكَةٍ
ثَبَتَتْ رَواسيها فَما تَجري»(8)
وقال «ويُقال: أخسَّ اللهُ حظَّه، وأخَتَّ اللهُ حظَّه، وهو حظٌّ خسيسٌ وختيتٌ؛ اللحياني يُقال: تركتُه يَتوقُ بنفسه، ويَسوق بنفسهِ: أي يجود بنفسه. ويقال: رجل قَتّاتٌ وقَسّاسٌ: إذا كان نَمّامًا»(9). وقال «ويُقال: مَعَتُّ الأديمَ أمْعتُه مَعتًا، ومَعَسْته أمعَسُه مَعْسًا إذا دلكتُهُ»(10). وقال «ويُقال: رجل تارٌّ ورجل سارٌّ، ورجل تَرٌّ ورجل سَرٌّ: إذا كان طويلًا تامَّ الخَلْق؛ وحكى اللحيانيّ: قَرَبوسُ السَّرج وقَرَبوتهُ؛ وقال أبوعَمْرو يقال: تَسَرَّع إليه وتَتَرَّع إليه بمعنى واحد؛ وحكوا: لا سِيَّما ولا تِيَّما بمعنى واحد»(11).
قال الصاحب بن عباد (385هـ) «وَتْوَتَ في أذُنِه وَتْوَتَةً: وهو كَلاَمٌ خَفِي. والوَتَاوِتُ: الوَسَاوِس»(12).
وينقل ابن جنّي(392هـ) أمثلة أخرى، قال «وحكى غير صاحب الكتاب أيضًا (مَرْمَريت)، وليس بالبعيد أن تكون التاء بدلًا من السين، كما أبدلت منها في (ستّ)»(13). وفسر علة قوله «ليس ببعيد» قال «فإن قلت: فإنا نجد للمرمريت أصلًا يحتازه إليه وهو المرت، قيل: هذا هو الذي دعانا إلى أن قلنا: إنه قد يجوز أن تكون التاء في مرمريت بدلًا من سين (مرمريس). ولولا أن معَنا مَرْتا لقلنا فيه: إن التاء بدل من السين البتة»(14).
ونسب البغدادي(1093هـ) إلى ابن جني أنهم يقولون في حَسيس حَتيت(15)، وإلى الزجاجي «الأماليس والأماليت، لما استوي من الأرض»(16).
ولا جدال في أنّ تنوع هذه المثل من قراءة وأقوال وأشعار يدفع تشكك رمضان عبد التواب في قوله «ولو صحّ ما روي عنهم، ولم يكن الداعي إليه في هذا الرجز، هو ضرورة إقامة القافية على حرف واحد، كان من السهل تفسير قلب السين تاء»(17).
وأما مسوغ هذا التبادل فهو ما جمع بين الصوتين من صفة الهمس وتقارب المخرج(18)، قالـت آمنه الزعبي «والفرق في المخرج ضئيل لا يعتد به كثيرًا من حيث التغير الصوتي، فشدّة التقارب في مخرجيهما مسوغ كاف لحدوث عملية التغيّر الصوتي»(19)، وعللت لقلة مُثُل هذه الظاهرة، قالت «ولكن الذي يقلّل من حجم هذا التغير هو أن الصوتين سهلان، ولذا فقد احتفظت بهما اللغات السامية جميعًا، واللغات البشرية مجتمعة، في حدود ما نعلم»(20).
وحملت آمنة الزعبي ما جاء في لغات سامية أخرى على هذه الظاهرة، منها (ليت) في السريانية بمعنى (ليس)، ومثلها العبرية(21)، وذكر أستاذنا سليمان الذييب ورود (ليت) في الآرامية والتدمرية واللهجة الآرامية الفلسطينية وقال «وهو يعادل (ليس) في العربية الفصحى»(22).
**__**__**__**__**__**
(1) الكتاب لسيبويه، 4/ 483.وأصل (ستّ) هو (سدس) حدثت مماثلة تبادلية فأثرت الدال بالمخرج وأثرت السين بالهمس.
(2) الكتاب لسيبويه، 4/ 484.
(3) النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري، 344-345.
(4) المزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي، 1/ 176.
(5) القلب والإبدال لابن لسكيت، ص: 42.
(6) معاني القرآن وإعرابه للزجاج، 4/ 321.
(7) ينظر: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع لابن خالويه، مكتبة المتنبي/ القاهرة، ص 184.
(8 ) الإبدال لأبي الطيب اللغوي، 1/116.
(9) الإبدال لأبي الطيب اللغوي، 1/118-119.
(10) الإبدال لأبي الطيب اللغوي، 1/120.
(11) الإبدال لأبي الطيب اللغوي، 1/121-122.
(12) المحيط في اللغة للصاحب بن عباد، 2/385.
(13) الخصائص لابن جني، 2/ 55.
(14) الخصائص لابن جني، 2/ 55.
(15)شرح شافية ابن الحاجب، شرح شواهده لعبدالقادر البغدادي، 4/496.
(16) شرح شافية ابن الحاجب، شرح شواهده لعبدالقادر البغدادي، 4/470.
(17) فصول في فقه العربية لرمضان عبد التواب، ص151.
(18) ينظر: سر صناعة الإعراب لابن جني، 1/165.
(19) التغير التاريخي للأصوات لآمنة الزعبي، ص80.
(20) التغير التاريخي للأصوات لآمنة الزعبي، ص80.
(21) ينظر: التغير التاريخي للأصوات لآمنة الزعبي، ص81.
(22) ينظر: معجم مفردات الآرامية لسليمان الذييب، ص154.