علي حسين (السعلي)
على مقربة من مبنى أدبي جدة، لا تزال جمعية الثقافة والفنون تبدع في فعالياتها وأنشطتها وبرامجها فنيًا وثقافيًا طوال العام. والأجمل والأبهى والأنقى والأعطر أن كل فعالية تختلف عن الأخرى، مما يجعل مجتمع جدة يحتار: ماذا سيحضر، وماذا سيترك، إذا لم يسعفه وقته لحضور كل الفعاليات؟!
في أمسية بدأت بعزف موسيقى النشيد الوطني على آلة القانون مع الموسيقار مدني عبادي، وانتهت بمقطوعة وطنية تفاعل معها الحضور، بدأ العزف وطنًا. هكذا فعلت فنون جدة حين احتفت بالمنجز العلمي للدكتور المهندس محمد بن صالح الدربي، الذي حمل الموسيقى إلى مختبرات الرياضيات والفيزياء، وأعاد قراءة المقامات العربية والسعودية من خلال الترددات الصوتية والنسب الرياضية والفواصل النغمية، في مشروع بحثي استقطب اهتمام أكاديميين ومتخصصين في علم الموسيقى. ورغم ما في البحث الذي قدمه الدكتور الدربي من عناء على الحضور، لاعتماده على الرياضيات والفيزياء، فإنهم لم يملوا بتاتًا، بل ظلوا مستمعين لما يتحفهم به هذا المهندس الدكتور الفلتة.
نحو ستين شريحة في رحلة
مما راق لي شخصيًا حديث الدكتور الدربي، وهو يأخذ الحضور إلى عالم الأرقام والأصوات عبر عرض علمي قارب ستين شريحة، لخص فيه رحلته البحثية وفكرته عن علم الموسيقى، متناولًا العلاقة بين الترددات الصوتية والفواصل النغمية، وكيف يمكن للمعادلات الرياضية والقياسات الفيزيائية أن تفسر الخصائص التي تميز المقامات الموسيقية. وتوقف عند دراساته للمقامات العربية، ومنها الراست والبيات والحجاز والصبا والسيكاه والنهاوند والعجم والكرد، مستعرضًا، وسط دهشة المستمعين والمشاهدين، منهجه في المقارنة بين البناء النظري للمقام ونتائج القياس الصوتي العملي.
ووثق في بحثه القيم أربعة عشر مقامًا موسيقيًا محليًا من حاضرة المنطقة الغربية، التي تشمل مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف، وما تتميز به هذه المقامات من فواصل وأبعاد وخصائص أدائية متوارثة.
القانون يعيد الموسيقى طربًا
تجلى الموسيقار مدني عبادي ليمنح الأمسية جانبها التطبيقي والجمالي، مقدمًا معزوفات موسيقية أظهرت ما تحمله الآلة من إمكانات نغمية وتعبيرية، قبل أن يختتم بموسيقى الأغنية الوطنية «وطني الحبيب»، وسط تفاعل الحضور.
سطر وفاصلة
كنت أظن أن الموسيقى تحريك للرأس يمنة ويسرة، طربًا لصوت مطرب ونغمات موسيقية نتراقص على وقعها، لكن بعد أمسية الدكتور الدربي اختلفت نظرتي؛ إذ أدركت أن الموسيقى فن قائم بذاته، وأن النوتة الموسيقية تدرس. وأشير أخيرًا إلى أهمية الاستفادة من بحوث المهندس الدكتور محمد الدربي، الذي عرف بقامته الشعرية وحبه للفن السعودي وحرصه على ظهوره في أبهى حلة.