د.عبدالإله آل سودا
وفي منظوري، ينبغي أن تتغير مناقشة الرسائل الجامعية في عصر الذكالي؛ فليس كافيًا أن تقرأ لجنةُ المناقشة أو لجنة الفحص النصَّ بحثًا عن المآخذ والملحوظات، أو أن تنشغل بتخمين مقدار ما تَـدَخَّلت فيه الأداة التوليدية، وكأن مهمتها تحولت من تقويم المعرفة إلى تعقب البصمات الأسلوبية. وأرى أن الأجدرَ بها أن تنتقل من سؤال: من كتب هذه الجملة وهذه الفقرة؟ إلى سؤال أعمق: من يملك هذا البحث معرفيًا؟ ومن هنا يمكن أن تبحث اللجنة عن أربعة أنواع من الأدلة المتكاملة؛ أولها دليل المضمون البحثي: ماذا أنجز الباحث فعلًا، وهل سؤاله مهم، وتصميمه مناسب، وبياناته موثوقة، واستنتاجاته منضبطة؟ وثانيها دليل العملية: كيف وصل إلى هذا المنجز، وكيف تطور السؤال، وما البدائل التي جربها ثم استبعدها، وأين غير رأيه أثناء العمل؟ وثالثها دليل الملكية المعرفية (وهذا ما أؤكِّدُه): هل يفهم لماذا اتخذ قراراته بهذه الصورة، وهل يستطيع تسويغ اختياراته المنهجية وتفسير نتائج بحثه والدفاع عنها؟ أما الرابع فهو دليل الاستقلال: ماذا يستطيع أن يفعل إذا أُبعد عنه النص الجاهز والأدوات المساعدة، ووُضع أمام حالة جديدة تتطلب منه أن يفكر، وينقل منطقه، ويعيد بناء الحجة من جديد؟
ولهذا يمكن للجنة أن تسأله: لو أعَدْتَ تصميم الدراسة على عينة مختلفة، فما الذي ستغيره ولماذا؟ وما أقوى تفسير بديل يمكن أن ينافس تفسيرك للنتائج؟ وما نوع الدليل الذي لو ظهر لأجبرك على مراجعة استنتاجك؟ وإذا استعنتَ بالذكالي في بعض مراحل البحث، فأين وجدت قصوره أو خطأه أو هلوساته(AI hallucination) أو ميله إلى التبسيط، وكيف اكتشفت ذلك وصححته؟ ويمكن أن تذهب اللجنة إلى أبعد من هذا؛ فتضع أمامه نتيجة أو تفسيرًا جديدًا لم يرد في رسالته، ثم تسأله كيف سيتعامل معه. ففي مثل هذه اللحظات يظهر الفرق بين من يحفظ بحثه ومن يملكه، وبين من يعرف النص ومن اكتسب الملكة التي أنتجته. وهذه الأسئلة أجدى بكثير من تحويل المناقشة إلى تفتيش لغوي أو محاكمة لأسلوب الكتابة بحثًا عن آثار محتملة للذكالي؛ لأن جودة الأسلوب لا تَصلُح وحدها دليلًا على استعانة الباحث بالأداة التوليدية، كما أن ركاكته لا تصلح دليلًا على استقلال صاحبه.
ومن هنا ينبغي أن نَدُقَّ ناقوسَ الخطر من نشوء ما يمكن تسميته بـ«أكاديمية الارتياب»، ويَتَمثَّلُ ذلك في أستاذ يشك في كل فقرة مصقولة، ومجلةٍ ترتاب في كل بحث مكتوب بإتقان، وباحثٍ يقرأ تقرير التحكيم متسائلًا إن كان المحكّم نفسُه قد فوّض مهمته إلى نموذج، وجهةِ تمويل تستعين بخوارزمية لتقرر أي المقترحات يستحق أصلًا أن يصل إلى عين بشرية. فإذا اتسعت هذه الدائرة، ستتآكل الثقة المتبادلة التي تقوم عليها المنظومة العلمية نفسها. إذِ الباحثُ مسؤول عما يزعم، والمحكّم مسؤول عما يُحكِّم، والمجلة مسؤولة عما تنشر، والمؤسسة مسؤولة عما تموّل أو ترفض. وإذا ضاعت هذه السلسلة خلف أدوات لا نعرف متى استُخدمت ولا مقدار سلطتها، تحولت مشكلة الذكالي من مسألة تقنية إلى أزمة في توزيع المسؤولية المعرفية.
ولا أرى إطلاقًا أن يكون الحلُ في منع الذكالي؛ فوجوده في المجال التعليمي والبحثي سيكون حَتْمًا لا مفر منه؛ الحل هو في بناء عقد ثقة جديد يواكب اتساع قدرات الأداة؛ عقد يقوم على شفافية معقولة من الباحث في الاستخدامات المؤثرة، وعلى إفصاح من المحكّم إذا استعان بالأداة استعانة جوهرية في تقييم العمل، وعلى حماية الأبحاث غير المنشورة من إدخالها في بيئات غير مأمونة، وعلى وضوح من يتحمل القرار النهائي حين يكون للذكالي دور في الفرز أو التوصية. وينبغي كذلك أن يكون للباحث حق في أن يعرف متى استُخدمت الأنظمة الآلية في تقييم عمله، وأن يجد سبيلًا إلى مراجعة بشرية حين يتعلق الأمر بقرار ذي أثر كبير في مستقبله العلمي. فكما نطالب الباحث ألا يفوض حكمه كله إلى الآلة، ينبغي أن نطالب المؤسسة أيضًا ألا تفوض إليها سلطتها ثم تختبئ خلفها.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نقع في الطرف المقابل فنقدس التعب القديم لمجرد أنه تعب؛ فقيمة الرسائل الجامعية ليست في أنها استهلكت سنوات من المشقة، ولا في عدد الساعات التي أمضاها الباحث في تنسيق الجداول أو إعادة كتابة المراجع أو تنفيذ أعمال روتينية يمكن للأداة أن تختصرها. فإذا وفر الذكالي على الباحث ساعتين من التنسيق ليصرفهما في قراءة أعمق أو اختبار تفسير بديل، فهذا مكسب حقيقي. أما إذا وفر عليه قراءة المصادر والمراجع نفسها، أو بناء الحجة، أو المفاضلة بين التفسيرات، أو اتخاذ القرار المنهجي، فقد وفر عليه بالضبط ما كان ينبغي أن يتكون من خلاله. ومن هنا تبرز قاعدة بسيطة وحاسمة، وهي أن نختصر ما لا يبني الباحث، ونَمكُثَ طويلاً عند ما يُكوِّنُه ويَصنع أدواته، ويجعله باحثًا مُنتجًا للمعرفة لا مُتَّكلاً على الذكالي.
غير أن العدالة تقتضي أن نوجه السؤال نفسه إلى المؤسسة العلمية: وماذا بقي من الحكم العلمي البشري بعد أن استعانت المؤسسة بالذكالي؟ فالمسؤولية لا تقع على الباحث وحده؛ فإذا طالبناه بألا يفوض عقله إلى الأداة، فلا يحق للجامعة أو المجلة أو جهة التمويل أن تفوض إليها الحكم الذي يفترض أن تتحمل مسؤوليته هي. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الاستعانة والتنازل عن السلطة.
لقد تجاوزنا بالفعل سؤال: هل تستطيع الآلة أن تكتب؟ نعم تستطيع. وهل تستطيع أن تساعد في كتابة رسالة؟ تستطيع إلى مدى بعيد. وهل تستطيع أن تنتج تقرير تحكيم؟ تستطيع. وهل تستطيع أن ترتب عشرات أو مئات المقترحات البحثية؟ تستطيع كذلك. غير أن القضية المهمة ليست مقدار ما تستطيع الآلة فعله، وإنما نوع القرارات التي يجوز لنا أن نسلمها إليها، ونوع القرارات التي يجب أن تبقى تحت مسؤولية بشرية مباشرة. فإذا ظل الباحث مالكًا للسؤال والدليل والتفسير، وظل المحكّم مالكًا للحكم، وظلت المؤسسة مسؤولة عن القرار، كان الذكالي أداة شديدة القوة داخل العلم. أما إذا جعلناه يكتب السؤال، ويساعد في كتابة البحث، ثم يراجع البحث، ويرتب المقترحات، ويقرر أيها يصل إلى البشر وأيها يُستبعد قبل أن يراه أحد، فنحن لا نكون أمام مشكلة نزاهة أكاديمية فحسب، بل أمام إعادة توزيع للسلطة المعرفية نفسها.
وأشيرُ في ختام هذه الحلقات الثلاث إلى أننا لو صَـيَّـرنا النماذجَ (الذكالي) طرفًا حاضرًا في إنتاج المعرفة وتقويمها وتمويلها، فقد نبني منظومة معرفية يشارك فيها البشر، لكنهم لا يحددون اتجاهها! لذلك لا يبدو أننا نعيش نهاية عصر الرسائل الجامعية، فالجلي الواضح أن الجامعات والمؤسسات العلمية ستدخل في اختبارٍ حاسم: هل ستوظّف الذكالي لتوسيع قدرة الإنسان على البحث والحُكم، أم ستستخدمه تدريجيًا لإعفاء الباحث من البحث والحكم معًا؟ وفي هذا الفارق الدقيق يكمن الحد الفاصل بين جامعة تستخدم الآلة لتقوية وظيفتها المعرفية، وجامعة تبدأ، من حيث لا تشعر، في تسليم هذه الوظيفة إليها.