عوض علي أحمد الطالبي
في زوايا الذاكرة المزدحمة بتفاصيل الحياة اليومية، تبرز وجوه كثيرة عبر مر السنين، منها من يترك أثرًا عابرًا، ومنها من يمر مرور الكرام. لكن ثمة وجه واحد يبقى شاخصًا، ثابتًا كالجبال، ومضيئًا كالشمس في رابعة النهار. إنه وجه أبي. ليس مجرد رجل مر في حياتي، بل هو المهندس الأول لروحي، والبطل غير المتوج في رواية عمري. عندما طُلب مني ذات يوم أن أكتب عن مفهوم «العظمة»، لم تذهب مخيلتي إلى الرجال الذين غيّروا مجرى التاريخ، ولا إلى الذين بهروا العالم باختراعاتهم، بل اتجهت بوصلة قلبي فورًا إلى ذلك الرجل الذي يجلس في صدر بيتنا، يرقبنا بعينين ملأتهما حكمة الأيام، ويمد لنا يدين كلها كفاح، لكنهما أحنّ عليّ من ريش النعام أبي هو ذلك الرجل العظيم.
تبدأ عظمة أبي من تفاصيل بسيطة قد لا يراها عابر السبيل، لكنها تشكّل في مجموعها مدرسة متكاملة في بناء الإنسان. لطالما ارتبطت العظمة في أذهان الكثيرين بالأضواء والشهرة والثروة، غير أنني تعلمت في بيت أبي أن العظمة الحقيقية تُقاس بحجم العطاء الصامت، والقدرة على الصمود في وجه عواصف الحياة دون شكوى. أذكر رنين خطواته في الصباح الباكر، قبل أن تستيقظ العصافير، وهو يغادر المنزل سعيًا وراء رزقنا. كان يخرج يحمل على عاتقه هموم غدنا، ويعود في المساء وفي عينيه بريق الرضا، يحمل لنا خبزًا مغموسًا بعرق الكفاح، وابتسامة تمحو عن وجوهنا الخوف من المستقبل.
لم يكن أبي رجل شعارات أو خطابات رنانة، بل كان رجل مواقف. علمتني أفعاله ما عجزت عن تلقينه لي مجلدات الكتب. رأيت فيه الصدق متجسدًا في معاملاته مع القريب والبعيد، وشهدت أمانته وهي تتجلى في أحلك الظروف عندما كان يفضل الخسارة المادية على أن يمس كرامته أو دينه خدش بسيط. كان يقول لي دائمًا: «يا بني، السمعة الطيبة هي رأس المال الحقيقي الذي لا ينفد، والكرامة ثوب إن تمزق لا يرممه ذهب الأرض». كانت كلماته هذه بمثابة البوصلة الأخلاقية التي وجهت خطاي في دروب الحياة الوعرة.
ومن أعظم المبادئ والوصايا التي رسخها أبي في نفوسنا، عقيدة الولاء والانتماء والوفاء؛ فكان دومًا يردد على مسامعنا بنبرة تملؤها الهيبة والحزم: «دينك ومليكك ووطنك خط أحمر، فكونوا رجالاً يخافون الله، ويدافعون عن ولاة أمرهم، وفعّالين في تنمية وازدهار الوطن». لم تكن هذه الكلمات مجرد وعظ عابر، بل كانت منهج حياة نراه متجسدًا في إخلاصه لتراب هذا الوطن، وتقديره للقيادة، وحرصه على أن نكون رجال صالحين نسهم في نهضة مجتمعنا ورفعة بلادنا.
تتجلى عظمة هذا الرجل أيضًا في قدرته الفريدة على استيعابنا في كل مراحل نمونا. في طفولتنا، كان الأب الحاني الذي ينزل إلى مستوى تفكيرنا، يشاركنا ألعابنا البسيطة، ويمسح دموعنا بشموخ وفخر إذا ما تعثرت أقدامنا الصغيرة. وفي مراهقتنا، تحول إلى الصديق الصدوق، والمستشار الأمين الذي لم يمارس علينا سلطة الفوقية قط، بل كان يناقشنا بالمنطق، ويستمع إلى أفكارنا المتمردة بقلب يتسع للكون بأسره. كان يمنحنا حرية الاختيار، ويتحمل معنا نتائج اختياراتنا، معمرًا في نفوسنا ثقة لا تهتز، ومعلمًا إيانا كيف نتحمل المسؤولية كرجال .
إن تضحيات الأب غالبًا ما تكون تضحيات غير مرئية؛ فهو الجندي المجهول الذي يحترق في الخفاء ليضيء طريق أبنائه. كم من مرة تنازل عن راحته الشخصية ليؤمن لنا تعليمًا متميزًا؟ وكم من رغبة دفنها في صدره ليحقق لنا أمنية تمنيناها؟ لم أره يومًا يشتكي من تعب أو يمنّ علينا بفضل. كانت سعادته تكمن في رؤيتنا نكبر ونتفوق، وكان نجاح كل واحد منا هو المكافأة الوحيدة التي يرتجيها من هذه الدنيا. في عينيه رأيت بريق الفخر عندما تخرجت، وكان ذلك البريق أثمن مكافأة وأعظم وسام رصّع صدري.
اليوم، وأنا أنظر إلى خطوط الزمن التي رُسمت على جبينه، وإلى الشيب الذي غزا شعره فأكسبه وقارًا فوق وقاره، أشعر بامتنان عميق يعجز اللسان عن صياغته في كلمات. إن كل مساحة من الاستقرار أعيشها اليوم، وكل نجاح أحققه، يعود الفضل فيه بعد الله سبحانه وتعالى إلى ذلك الأساس المتين الذي وضعه أبي. إنه الرجل الذي علمني كيف أقف مستقيمًا في وجه الأزمات، وكيف أمد يدي لمساعدة المحتاج، وكيف أكون إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من قيم ومعانٍ.
في ختام هذا المقال، أدرك تمامًا أن الكلمات تظل قاصرة، وأن الحبر يجف قبل أن يوفي هذا الرجل العظيم حقه. إن أبي ليس مجرد أب، بل هو رمز للجيل الذي بنى وباع وضَحّى دون أن ينتظر مديحًا من أحد. هو بطلي الذي لا يرتدي عباءة خارقة، بل يرتدي ثوب الطهر والوقار والكفاح. فإلى ذلك الرجل العظيم، إلى منبع فخري وملاذ أمني، أقول: دمت لي سندًا يشد به أزري، ونبراسًا يضيء عتمة أيامي، وحفظك الله ذخرًا وفخرًا، يا أعظم أب عرفه التاريخ في عيني.