مبارك بن عوض الدوسري
ليست القيادة الكشفية مجرد موقع يتولاه قائد، أو مسؤولية إدارية تُمارس من خلال الاجتماعات والقرارات، بل هي رسالة تربوية وإنسانية تتجسد في المواقف، وتترسخ بالممارسة، وتُقاس بمدى الالتزام بأهداف الحركة الكشفية والوفاء لرسالتها؛ ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة القائد الكشفي سعيد فوزي معاليقي، رئيس اللجنة الكشفية العربية، الذي تولى رئاسة اللجنة عقب المؤتمر الكشفي العربي الحادي والثلاثين، الذي استضافته العاصمة الإماراتية أبوظبي في نوفمبر 2025، ليقود مرحلة تتجلى فيها أهمية الاستثمار في الإنسان، ووضع النشء والفتية والشباب في مقدمة الأولويات الكشفية العربية.
ومنذ توليه رئاسة اللجنة، لم يكن اهتمام القائد سعيد معاليقي بالفتية والشباب مجرد فكرة تُطرح في الاجتماعات، أو أمنية تُدرج في الخطط المستقبلية، بل أصبح محوراً ثابتاً في خطابه الكشفي، وقضية حاضرة في كلماته ومداخلاته في المناسبات التي يشارك فيها، سواء كانت عالمية أو عربية أو محلية؛ ففي كل مناسبة يحضرها، يحرص على التأكيد أن النشء والفتية والشباب هم المستهدفون الحقيقيون من الحركة الكشفية، وأنهم الغاية التي من أجلها وجدت هذه الحركة التربوية، وأن الواجب يقتضي تسخير كل الجهود والإمكانات والخبرات من أجلهم، وصولاً إلى إعداد جيل يمتلك القيم والمهارات والقدرات التي تؤهله لخدمة مجتمعه، والمشاركة في بناء مستقبله.وهنا تتجلى قيمة هذا الموقف؛ فالقائد الذي يحمل رسالة واضحة، ويكررها في مختلف المحافل، لا يفعل ذلك لمجرد استكمال كلمته أو استحضار عبارة مألوفة في الخطاب الكشفي، بل ليبقي البوصلة موجهة نحو الهدف الأساسي، ويذكّر القيادات والمؤسسات الكشفية بأن نجاحها الحقيقي يبدأ من الفتية والشباب وينتهي عند الأثر الذي تتركه في حياتهم؛ وهذا ما يمنح حديث القائد سعيد معاليقي عن النشء والشباب أهمية خاصة؛ لأنه يضع القضية في صدارة الاهتمام، ويؤكد أن كل جهد كشفي، مهما اختلفت طبيعته أو مستواه، ينبغي أن تكون له صلة مباشرة برسالة الحركة وأهدافها التربوية.
فالحركة الكشفية لم تنشأ لتكون مجرد أنشطة ترفيهية أو تجمعات موسمية، بل جاءت مدرسة للحياة، وميداناً للتربية بالممارسة، وبيئة تساعد الفتية والشباب على اكتشاف قدراتهم، وتنمية مهاراتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وإعدادهم لتحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في خدمة مجتمعاتهم؛ ومن أجل هذه الغايات تتعاظم مسؤولية القيادات الكشفية في أن تجعل القيم الكشفية واقعاً يعيشه الشباب، لا مبادئ يسمعون عنها فحسب؛ وأن تتحول معاني الانتماء والصدق والانضباط والتعاون والتسامح واحترام الآخر والتطوع إلى ممارسات يومية ترافقهم في حياتهم.إن تركيز القائد سعيد معاليقي على هذه القضية يعيد التأكيد على حقيقة تربوية جوهرية، مفادها أن الفتية والشباب ليسوا مجرد مستفيدين من البرامج والفعاليات الكشفية، بل هم قلب الحركة النابض، ومحور رسالتها، وأصحاب المصلحة الأولى في تطويرها؛ ومن ثم، فإن كل مخيم كشفي ينبغي أن يضيف إلى خبراتهم، وكل مبادرة تطوعية ينبغي أن تعزز روح العطاء لديهم، وكل لقاء تربوي ينبغي أن يفتح أمامهم مجالاً للتعلم والحوار، وكل فرصة قيادية ينبغي أن تمنحهم مساحة للمشاركة واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، تزداد أهمية هذا التوجه الذي يتبناه رئيس اللجنة الكشفية العربية في كلماته ومشاركاته؛ فالشباب من الجنسين اليوم بحاجة إلى برامج تجمع بين القيم الأصيلة والمهارات الحديثة، وتمنحهم القدرة على التعامل مع التقنية، والعمل بروح الفريق، واحترام التنوع، والتفاعل الإيجابي مع قضايا السلام والاستدامة وخدمة المجتمع؛ والكشفية بما تمتلكه من إرث تربوي وتجارب ميدانية مؤهلة للإسهام في هذه المهمة، شريطة أن تظل قريبة من الشباب، وأن تستمع إلى تطلعاتهم، وأن تتيح لهم فرصاً حقيقية للمشاركة وصناعة الأثر.
ولا يقتصر التقدير في هذا السياق على رئيس اللجنة الكشفية العربية وحده، بل يمتد إلى أعضاء اللجنة الذين يشكلون معه منظومة من الخبرات الكشفية العربية المتنوعة، بما يحملونه من تجارب ميدانية وتنظيمية وتربوية، وما يمتلكونه من معرفة بواقع الجمعيات الكشفية في بلدانهم واحتياجاتها وتطلعاتها؛ خاصة وإن هذه الكفاءات تمثل مصدر اعتزاز للكشافين العرب، ورصيداً مهماً للحركة الكشفية العربية، وفرصة حقيقية لتبادل الخبرات وتطوير البرامج وتكامل الجهود، بما يخدم الأهداف المشتركة ويعزز حضور الكشفية في المجتمعات العربية.كما أن زيادة التنسيق الموجود بين اللجنة الكشفية العربية والأمانة العامة والجمعيات الكشفية الوطنية يمثل ركيزة أساسية لترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات وبرامج تصل إلى الميدان؛ فالأفكار تحتاج إلى تخطيط، والخطط تحتاج إلى إمكانات، والإمكانات تحتاج إلى إدارة واعية، حتى تصل نتائجها إلى الفتية والشباب في مختلف البيئات والمجتمعات العربية؛ وتظل قيمة هذا العمل مرتبطة بقدرته على منح الشباب فرصاً متكافئة للتعلم والمشاركة، وتطوير مهاراتهم القيادية والاجتماعية، وتعزيز حضورهم في المبادرات التطوعية والأنشطة المجتمعية.ومن هنا، فإن تكرار معاليقي دعوته إلى توجيه الجهود والإمكانات نحو النشء والفتية والشباب في مختلف المناسبات يحمل رسالة تتجاوز حدود الخطاب إلى التأكيد على أولوية تربوية لا ينبغي أن تغيب عن أي قيادة كشفية؛ فكل مشروع كشفي، مهما كان حجمه، يستحق أن يُنظر إليه من زاوية أثره في الشباب، وكل شراكة ينبغي أن يُستفاد منها في توسيع فرصهم، وكل تجربة ناجحة ينبغي أن تُنقل وتُطور لتعم فائدتها؛ وبهذا الفهم، تصبح رسالة الكشفية معياراً يوجّه القرارات، ومرجعاً يحدد الأولويات، وغاية تجمع القيادات والكوادر والمتطوعين.
إن القائد الذي يجعل النشء والشباب حاضرين في كلماته أينما حلّ، يذكّر الجميع بأن العمل الكشفي ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء الإنسان؛ وهذه الرسالة تزداد أهمية عندما تصدر عن موقع قيادي عربي يجمع بين مسؤولية التنسيق والعمل المشترك، وبين التواصل مع القيادات والجمعيات والهيئات الكشفية في مناسبات متعددة؛ فالكلمة التي تؤكد قيمة الشباب، وتدعو إلى حشد الإمكانات من أجلهم، تسهم في ترسيخ ثقافة مؤسسية ترى في الاستثمار في الأجيال أولوية مستمرة، لا استجابة مؤقتة لمناسبة بعينها.
وتبقى الرسالة التي تتكرر في كلمات رئيس اللجنة الكشفية العربية جديرة بأن تكون عنواناً للعمل الكشفي العربي كله: الفتية والشباب هم الغاية، ومن أجلهم تتكامل الخبرات، وتتضافر الجهود، وتُحشد الإمكانات، وتتجدد البرامج؛ فهم ليسوا مجرد أرقام في سجلات العضوية، ولا حضوراً في قوائم المشاركين، بل هم أمل الحركة الكشفية وامتداد رسالتها؛ ومن أجلهم تكتسب القيادة معناها، ويكتسب العمل المشترك قيمته، وتصبح الخبرات العربية المتراكمة رصيداً لبناء المستقبل.