د. يحيى جابر
شاهد العالم بأسرة مقاطع استهداف المعتمرين وأثار الهجوم الصاروخي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، يوم السبت 10 أكتوبر 2026، وأسفر، عن مقتل 12 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين، وتسبب في موجة من الإدانات الدولية، وطرح أسئلة جوهرية بشأن مسؤولية الجماعات المسلحة عن استهداف المنشآت المدنية، ودور الجهات التي تقدم لها الدعم العسكري والتقني، وأدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم بشدة، مؤكدًا أن الاعتداءات على المدنيين والبنية التحتية المدنية تمثل انتهاكًا للقانون الدولي، ومطالبًا بوقفها فورًا، وفقًا لبيانه المنشور في 11 أكتوبر 2026، كما أدان المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ الهجمات المتواصلة على المنشآت المدنية السعودية، محذرًا من تداعياتها الخطيرة على الأمن الإقليمي وجهود السلام في اليمن، وفقًا لبيانه الصادر في التاريخ نفسه. وبذلك، فإن السؤال لم يعد مقتصرًا على ما ستقوله الأمم المتحدة عن الاعتداء، بعدما أعلنت موقفها بالفعل، بل أصبح أكثر أهمية: ماذا ستفعل المنظمة الدولية بعد الإدانة؟ وهل ستتحرك باتجاه إجراءات عملية تمنع تكرار الهجمات وتحاسب المسؤولين عنها؟ وهل ستبحث بجدية مصادر الأسلحة والتقنيات التي تستخدمها جماعة الحوثيين، ومدى مسؤولية الجهات الخارجية التي يثبت أنها ساهمت في تمكينها من تنفيذ اعتداءات تهدد حياة المدنيين وأمن المنطقة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب الانتقال من لغة البيانات السياسية إلى مسار متكامل يجمع بين التوثيق والتحقيق والمساءلة، فالإدانة، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لردع الجماعات المسلحة، ولا تمنع تكرار الاعتداءات، ولا تكشف بالضرورة جميع الأطراف التي أسهمت في التخطيط والتنفيذ والإمداد، ومن هنا تبرز أهمية أن تتعامل الأمم المتحدة مع الهجوم باعتباره قضية تتعلق بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي، وبالأمن الإقليمي الذي يتأثر مباشرة باستهداف المطارات والمنشآت الحيوية، وكونها جريمة حرب وضد الإنسانية.
طيران مدني وسلامة المسافرين
يكتسب مطار الملك خالد الدولي أهمية إستراتيجية بوصفه أحد أبرز مراكز النقل الجوي في المملكة العربية السعودية، ومرفقًا مدنيًا يخدم المسافرين وشركات الطيران والأنشطة الاقتصادية واللوجستية، وأي اعتداء عليه يهدد سلامة المسافرين والعاملين، ويؤثر في حركة الطيران، ويخلق حالة من القلق لدى شركات النقل والدول التي يسافر مواطنوها عبر المطار، كما أن تكرار الهجمات على المرافق الجوية يثير مخاوف أوسع بشأن أمن الطيران المدني في المنطقة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية التعامل مع التهديدات التي تستهدف المنشآت المدنية.
ووفقًا لتقرير لوكالة رويترز نشر في 11 أكتوبر 2026، وقع اعتداء جديد على مطار الرياض يوم الأحد، وأسفر عن وفاة شخص وإصابة 11 آخرين، بعد الهجوم الدامي الذي وقع في اليوم السابق، وأفادت التقارير بأن مقذوفًا أصاب مبنى في المطار، فيما أعلنت الجهات العسكرية المعنية اعتراض صاروخ جوال بالقرب منه، وتؤكد هذه التطورات أن المسألة تتجاوز حادثة منفردة، وأن تتابع الهجمات يستدعي تحقيقًا دقيقًا يحدد طبيعة كل اعتداء، والجهة المسؤولة عنه، والوسائل المستخدمة فيه، والنتائج المترتبة عليه.
استهداف المنشآت المدنية ومسؤولية القانون الدولي
تقوم قواعد القانون الدولي الإنساني على مبدأ أساسي يتمثل في التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. وتحظر هذه القواعد توجيه الهجمات ضد المدنيين بصفتهم المدنية، كما تفرض اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين والأعيان المدنية أو تقليله إلى أدنى حد ممكن.
ولا يعني وقوع نزاع مسلح أن المنشآت المدنية تصبح أهدافًا مشروعة بصورة تلقائية؛ إذ تظل الأعيان المدنية محمية ما لم تستوفِ الشروط القانونية التي تجعلها أهدافًا عسكرية، ولذلك فإن تقييم أي هجوم على مطار مدني يتطلب النظر في طبيعة الهدف المقصود، والوسيلة المستخدمة، والظروف المحيطة بالعملية، ومدى الالتزام بالقواعد القانونية ذات الصلة.
جريمة حرب
وفي هذا السياق، فإن وصف الاعتداء بأنه جريمة حرب يستند إلى توافر العناصر القانونية للجريمة والأدلة التي تثبتها، مع مراعاة الاختصاص القضائي والإجراءات المعمول بها، وقد تتوافر أسباب قوية للمطالبة بالتحقيق والمساءلة حتى قبل صدور حكم قضائي نهائي، لكن التوصيف القانوني النهائي ينبغي أن يستند إلى وقائع موثقة وتقييم قانوني متخصص.
وهنا تكمن أهمية الموقف السعودي في عرض الأدلة الفنية والتقارير الرسمية المتعلقة بالهجمات على الجهات الدولية المختصة، بما يشمل بيانات الرصد والاعتراض، وبقايا المقذوفات، والتسجيلات المتاحة، وشهادات الشهود، والتقارير الطبية، وتقييم الأضرار المادية، فهذه الأدلة تساعد في تحديد المسؤولية المباشرة، كما قد تسهم في كشف مسارات الإمداد والتقنيات المستخدمة، إذا كانت لها صلة مثبتة بالهجمات.
إيران وميلشياتها الحوثية
لا يمكن تحليل ملف مليشيا الحوثيين بمعزل عن علاقاتهم وتبعيتها لإيران، وما تثيره التقارير الدولية من قضايا تتعلق بالدعم العسكري والتقني ونقل الخبرات والمكونات التي يمكن استخدامها في تطوير قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، غير أن التعامل المهني مع هذه المسألة يقتضي التمييز بين العلاقة السياسية والعسكرية العامة، وبين إثبات مسؤولية دولة عن هجوم محدد. فإعلان جماعة مسلحة مسؤوليتها عن تنفيذ هجوم يضع مسؤولية الفعل المباشر في صدارة التحقيق، لكنه لا يحسم تلقائيًا مسؤولية الجهات الخارجية التي قد تكون قدمت لها دعمًا أو أسلحة أو تقنيات، وتحديد تلك المسؤولية يتطلب أدلة تثبت طبيعة المساعدة، ومدى العلم باستخدامها، وصلتها بالعملية، وما إذا كانت هناك أوامر أو توجيهات أو أشكال أخرى من المشاركة تترتب عليها مسؤولية قانونية.
دور الأمم المتحدة
ومن هنا، فإن المطلوب من الأمم المتحدة هو دعم التحقيق في مصادر الأسلحة والمكونات والتقنيات المستخدمة في الاعتداءات، وفحص مسارات نقلها والجهات التي وفرتها، وتحديد ما إذا كانت هناك انتهاكات للقرارات الدولية ذات الصلة، كما ينبغي مطالبة كل دولة يثبت ارتباطها بتقديم دعم يسهم في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي بوقف ذلك الدعم، والتعاون مع الجهود الرامية إلى حماية المدنيين ومنع تكرار الهجمات.
أما إيران، فإن عليها أن تقدم موقفًا عمليًا يمكن التحقق منه بشأن علاقتها بالحوثيين، وأن توضح مدى استعدادها لاستخدام نفوذها للمساعدة في وقف الاعتداءات، فالتأكيدات السياسية بشأن الرغبة في التهدئة تكتسب قيمتها من انعكاسها على الوقائع، ومن التعاون في منع نقل الأسلحة والتقنيات التي يمكن استخدامها في هجمات غير مشروعة.
مجلس الأمن.. من الإدانة إلى الإجراءات العملية
يمثل مجلس الأمن إحدى أهم القنوات التي يمكن من خلالها نقل القضية إلى مستوى دولي أكثر فاعلية، فميثاق الأمم المتحدة يمنح المجلس المسؤولية الرئيسة عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ويتيح له مناقشة التهديدات التي قد تعرض الاستقرار الإقليمي للخطر، واتخاذ التدابير المناسبة وفقًا لصلاحياته.
وتتدرج الخيارات المتاحة أمام المجلس من البيانات والمواقف السياسية إلى القرارات التي تتضمن مطالب محددة، وقد تشمل تدابير أخرى وفقًا للظروف والأساس القانوني المتاح، لكن اتخاذ أي إجراء يظل مرتبطًا بمداولات المجلس ومواقف أعضائه والأدلة المقدمة، ولذلك لا يصح التعامل مع فرض عقوبات أو اتخاذ تدابير محددة باعتباره أمرًا مضمونًا قبل صدور قرار رسمي.
ومن المهم أن تتحرك المملكة، بالتنسيق مع الدول المعنية، نحو تقديم ملف موثق يتضمن الوقائع المتعلقة بكل هجوم، والخسائر البشرية والمادية، والتقييمات الفنية المتاحة، وما يمكن إثباته بشأن الجهات التي نفذت العمليات أو ساهمت فيها، كما ينبغي أن تتضمن المطالب الدولية إجراءات واضحة لمنع تكرار الاعتداءات، وتعزيز حماية المنشآت المدنية، والتحقيق في مصادر التسليح والدعم الخارجي، ومحاسبة كل متسبب في هذه الجرائم.
إن قيمة التحرك الدبلوماسي لا تكمن في عدد البيانات التي تصدر عنه، بل في قدرته على تحويل الإدانة إلى التزامات محددة وآليات متابعة، فالمطلوب موقف دولي يرفض استهداف المطارات المدنية، ويؤكد ضرورة وقف الهجمات فورًا، ويطالب بمحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون، ويمنع الإفلات من المسؤولية.
التصعيد المتكرر يهدد أمن المنطقة
إن تتابع الاعتداءات على مطار الملك خالد الدولي ومرافق أخرى لا يقتصر أثره على المملكة، بل يهدد استقرار المنطقة وسلامة حركة الطيران المدني، فالمطارات ترتبط بشبكة واسعة من الرحلات الدولية، ويؤثر تعطيلها في المسافرين وشركات الطيران والأنشطة الاقتصادية، كما أن استهدافها يرفع مستوى المخاطر التي تواجه المدنيين من جنسيات متعددة.
ولهذا، فإن الدفاع عن سلامة المطار لا يمثل قضية وطنية فحسب، بل يتصل بمبدأ دولي أوسع يرفض استخدام المنشآت المدنية وسيلة للضغط السياسي أو العسكري، وإذا لم يواجه المجتمع الدولي هذه الاعتداءات بموقف واضح وإجراءات فعالة، فقد تتشجع جماعات مسلحة أخرى على تكرار الأسلوب نفسه في مناطق مختلفة.
وتبرز هنا أهمية التعاون الدولي في تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات، وتعزيز قدرات حماية الطيران المدني، وتطوير آليات الإنذار المبكر، وملاحقة شبكات الإمداد غير المشروعة، كما تبرز أهمية التنسيق بين الدول العربية والدول المعنية بأمن المنطقة لتوحيد الرسالة السياسية والقانونية، مع المحافظة على الأدلة اللازمة للمساءلة.
وفي الوقت نفسه، فإن مواجهة الاعتداءات ينبغي أن تتم في إطار القانون الدولي، فحق الدول في الدفاع عن نفسها، وفقًا لشروط ميثاق الأمم المتحدة، لا يلغي الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وكلما كان الموقف واضحًا في أدلته ومتماسكًا في أساسه القانوني، ازدادت قدرته على حشد الدعم الدولي وتعزيز مشروعيته.
ما الذي ينبغي أن تقوله الأمم المتحدة لإيران وميليشيتها الحوثية؟
ينبغي أن تتضمن الرسالة الأممية مطالبة واضحة لمليشيا إيران في اليمن الحوثيين بوقف الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية فورًا، والتأكيد أن الخلافات السياسية والعسكرية لا تبرر تعريض المدنيين للخطر، وطلب رسمي بكشف عن أسماء المتورطين في هذه الجرائم بداية بمن أمر ونهاية بمن نفذ وفورًا، كما ينبغي مطالبة الأطراف الخارجية التي يثبت تقديمها دعمًا يسهم في هذه الاعتداءات بالامتناع عن أي مساعدة غير مشروعة، والتعاون مع الجهود الرامية إلى منع تكرارها، وتسليم قائمة بالمشاركين في الجرائم.
وعلى الأمم المتحدة أن تدعم التحقيقات المتعلقة بالهجمات، وأن تواصل توضيح الالتزامات القانونية المترتبة على جرائم إيران وميليشياتها الحوثية، وأن تستخدم القنوات الدبلوماسية المتاحة للحد من التصعيد، والكشف الكامل عن كل ما يتعلق بهذه الجرائم.
أما إيران، فإن الموقف المطلوب منها ينبغي أن يكون عمليًا وقابلًا للتحقق، من خلال التعاون الكامل وغير المشروط، في وقف أي دعم عسكري يثبت ارتباطه بانتهاكات القانون الدولي، واستخدام علاقاتها بالحوثيين للضغط باتجاه وقف الاعتداءات، واحترام سيادة الدول وأمن المدنيين، والتعاون مع أي تحقيق جنائي قادم في هذه الجرائم الدولية، فالمصداقية السياسية لا تتحقق بمجرد إعلان الرغبة في السلام، بل تتطلب خطوات ملموسة تتسق مع التصريحات.
وأعتقد، إن على المجتمع الدولي أن يتعامل مع القضية بوصفها اختبارًا لقدرته على تطبيق القواعد القانونية على الجميع، بعيدًا عن ازدواجية المعايير أو الانتقائية في الإدانة، فحياة المدنيين في الرياض لا تقل قيمة عن حياة المدنيين في أي عاصمة أخرى، وحماية المرافق المدنية ليست مسألة تخضع للمصالح السياسية، بل التزام ينبغي احترامه من جميع الأطراف، وتحقيق العدالة بتقديم المجرمين للمحاكم.
الإدانة بداية المساءلة وليست نهايتها
بعد الهجوم الدامي على مطار الملك خالد الدولي، أعلنت الأمم المتحدة موقفها بوضوح، وأدانت الاعتداء وطالبت بوقف الهجمات، لكن هذا لا يكفي، فالتحدي الحقيقي يتمثل في الخطوات التي ستلي هذه الإدانة، وفي قدرة المؤسسات الدولية على دعم التحقيق والمساءلة، ومنع تكرار الاعتداءات على المدنيين والمنشآت المدنية، وتحديد المتسببين وتقديمهم للمحاكمة على جرائمهم، سواء في بلادهم بعد التحرير، أو محكمة دولية يكون أعضائها من الدول المتضررة،
إن المملكة العربية السعودية معنية بحماية أمنها وسيادتها وسلامة المواطنين والمقيمين على أرضها، كما أن المجتمع الدولي معني بحماية المبادئ التي يقوم عليها القانون الدولي، ومن هنا، فإن التحرك الأكثر تأثيرًا هو الذي يجمع بين توثيق الوقائع، والتحقيق في المسؤوليات، والعمل الدبلوماسي، وتعزيز التدابير الوقائية، والمطالبة بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
أخيرًا: قوة الموقف السعودي تكمن في الجمع بين وضوح الرسالة السياسية وصلابة الحجة القانونية، وبين حماية الأمن الوطني والالتزام بالقانون الدولي، فهذا النهج يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويحد من فرص التهرب من المساءلة، ويعزز فرص الوصول إلى موقف دولي متماسك يمنع تكرار الاعتداءات.
فالضحايا لا يحتاجون إلى بيانات تعبر عن الصدمة فحسب، بل إلى إجراءات تمنع تكرار المأساة، ومحاسبة المتسبب، وتكشف المسؤوليات، وتحقق العدالة، والأمم المتحدة، إذا أرادت تعزيز الثقة بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، مطالبة بأن تجعل حماية المدنيين أولوية عملية، وأن تتعامل مع الاعتداءات على المطارات والمنشآت المدنية باعتبارها تهديدًا خطيرًا لا يجوز التساهل معه أو تبريره.
كما أرى أن تماهي مبعوثي الأمم المتحدة مع المليشيا الحوثية ساهمت في دعم الإرهاب وتمكين المليشيا التي تديرها دولة معادية للعرب والمسلمين وللسعودية، من تسليح نفسها ومن ثم التسبب في هذا الإجرام الدولي الكامن في قتل آلاف اليمنين ومحاولة السيطرة على مضيق باب المندب، والاعتداء الإجرامي على الأعيان المدنية في السعودية والتسبب في وفاة مواطنين ومقيمين وجنسيات متعددة، وهذا جرم شديد كان سببه تماهي مندوبي الأمم المتحدة مع هذا النمط، سواء بقصد أو بدون قصد، ومن هنا حان موعد الحساب، ونحن قادرون عليه.