ثامر بن عبدالله السبيعي (ابن سعران)
في أقل من أسبوع تغيّرت خريطة الساحل الغربي لليمن. في الخامس من أكتوبر أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي بدء العمليات لاستعادة ما بقي بيد الحوثي. وأعلن التحالف في اليوم نفسه وقوف المملكة مع الحكومة اليمنية حتى استعادة مؤسسات الدولة. ثم دارت المعارك حول ذوباب، وفي التاسع من أكتوبر أُعلن أن باب المندب طُهّر.
هذا مكسب ميداني لم يتحقق منذ سنوات، ولا ينبغي التقليل منه. لكن المضائق لا يحكم عليها من كسب المعركة على ضفتها وحده. هناك قارئ آخر لا يحضر المؤتمرات الصحفية: ربّان ناقلة ينتظر في عرض البحر، ومكتب شحن يقرر المسار، ومكتتب تأمين في لندن يسعّر الخطر. وهؤلاء لا يقرؤون البيانات، بل يقرؤون العلامات.
فالسؤال بعد التطهير ليس: من يسيطر على الساحل؟ بل: متى ترى السفينة أن الممر عاد آمناً؟
الممر قرار لا خط على الخريطة
يُتصور المضيق عادة خطاً على الخريطة يُفتح ويُغلق. والواقع أن الممر قرار يُتخذ كل يوم في مكاتب الشحن وغرف التأمين. ولهذا القرار منطق مستقل عن منطق الميدان.
تجربة الأشهر الماضية تشهد بذلك. فآخر إصابة لسفينة بمقذوف في البحر الأحمر سُجّلت في الرابع والعشرين من أغسطس، ولم تُسجَّل بعدها إصابة حتى مطلع أكتوبر، بحسب نشرات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. ومع ذلك بقي عبور الناقلات في باب المندب عند نحو ثلث مستواه المعتاد، كما تُظهر بيانات منصة «بورت ووتش» التابعة لصندوق النقد الدولي.
فلماذا لم تعد السفن مع أن النار هدأت؟ لأن الحوثي لم يكن يحتاج إلى الإصابة ليمنع العبور. كفاه أن يعلن في العشرين من يوليو حصاراً «انتقائياً» يحدد من يعبر ومن لا يعبر. القاعدة عملت بالإعلان، والسفن امتثلت للإعلان لا للنار.
ومن هنا الدرس: إذا كان الإغلاق قد عمل بالإعلان، فالفتح يحتاج إلى إعلان أقوى منه. ولا يكون الإعلان أقوى بارتفاع صوته، بل بشيئين: أن يصدر عمّن يخاطبه القانون الدولي، وأن يسنده قياس يصدّقه من لا يثق بأطراف الحرب. وهذا ما تختبره العلامات الثلاث.
الاختبار الأول: ميون
في باب المندب عقدتان لا عقدة واحدة. ذوباب على الساحل عقدة مشاهدة: من يمسكها يرى الممر. وميون، الجزيرة التي تقسم المضيق إلى قناتين، عقدة إغلاق: من يمسكها يستطيع أن يقطع الممر.
وقد استُعيدت ذوباب، وهذا الإنجاز الأهم في الأيام الأولى. أما ميون فالروايات حولها متضاربة حتى العاشر من أكتوبر. نقلت مصادر عسكرية بسط السيطرة الكاملة على المضيق وجزره، ونقلت فرانس برس عن مصادر حكومية أن الجزيرة لم تُؤمَّن بعد.
هذا التضارب ليس خللاً في أحد، فالميدان أسرع دائماً من التحقق. لكن السفينة لا تبني قرارها على رواية مقابل رواية، بل على مرجع تثق به. ومذكرات مركز المعلومات البحرية المشترك، وهي ما تقرؤه شركات الشحن قبل أن تقرر، ما زالت في آخر إصداراتها تدرج ميون بين مواقع الحوثي.
والاختبار إذن محدد: أن يُؤكَّد تأمين ميون تأكيداً مستقلاً، وأن يظهر ذلك في المرجع الذي تقرؤه السفن. ويوم تخرج ميون من تلك القائمة يكون الممر قد اجتاز اختباره الأول.
الاختبار الثاني: لندن
الاختبار الثاني لا يجري في اليمن، بل في لندن. فهناك لجنة تسمى لجنة الحرب المشتركة، تمثل شركات التأمين البحري، وترسم حدود «المناطق المدرجة» التي تُفرض فيها علاوة مخاطر الحرب. وما ترسمه هذه اللجنة يحدد تكلفة كل رحلة في البحر الأحمر.
منذ مارس كان حدّ المنطقة المدرجة في البحر الأحمر عند خط العرض 18 شمالاً. وفي التاسع والعشرين من يوليو نقلته اللجنة إلى 25.5 شمالاً، فدخلت جدة وينبع في نطاق الخطر. ولم يُعدَّل الحد في تعميمها اللاحق في سبتمبر.
والأدق من الحد هو السعر. ففي أواخر سبتمبر بلغت علاوة مخاطر الحرب على الناقلات المرتبطة بالسعودية نحو 3 % من قيمة السفينة في ينبع، في حين كانت علاوة الناقلات غير المرتبطة في البحر نفسه بين 0.2 و0.3 %، بحسب ما نقلته مجلة «إنشورنس جورنال». البحر واحد، والسعر يفرّق بحسب العَلَم. فالحصار «الانتقائي» لم يُكتب في صنعاء وحدها، بل تُرجم في لندن إلى رقم.
الاختبار هنا واضح: أن تنزل العلاوة، أو يتراجع حدّ المنطقة المدرجة جنوباً. واللجنة لا تستجيب للبيانات السياسية، بل للأدلة. فالسؤال العملي: من يقدّم لها الأدلة؟ لا تجلس في هذه الغرفة حكومة عربية، ولا تتابع ملفها جهة وطنية بانتظام. وهذا فراغ لا تملؤه المعركة مهما كان نصرها.
الاختبار الثالث: القاعدة
الاختبار الثالث أعمق من الاثنين، فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنظم «المرور العابر» في المضائق الدولية، وتخاطب في ذلك الدول المشاطئة لها. والدولة المشاطئة على الضفة الشرقية لباب المندب هي اليمن، وحكومته المعترف بها هي التي يخاطبها القانون.
حين أعلن الحوثي حصاره كتب قاعدة: من يعبر ومن لا يعبر. وإزاحته عن الساحل تُسقط كاتب القاعدة، لكنها لا تكتب قاعدة جديدة من تلقاء نفسها. والسفينة التي امتثلت لإعلان الحصار تحتاج الآن إلى إعلان يحلّ محله.
الاختبار إذن: آلية عبور معلنة باسم الحكومة اليمنية بوصفها الدولة المشاطئة. تتضمن الآلية نشرة للملاحين، وجهة اتصال معروفة، وإجراء إبلاغ عن الحوادث، وتنسيقاً معلناً مع القوات التي تؤمّن الممر. وحين تتعدد القوى التي تقاتل على الساحل، يصبح أهم ما في هذه الآلية أن تصدر بصيغة واحدة، لا بأصوات متعددة.
وهذا هو المعنى العملي لما أكده التحالف من أن الهدف استعادة مؤسسات الدولة. فالدولة في المضيق ليست علماً على جزيرة فحسب، بل جهة تصدر القاعدة التي تقرؤها السفن.
الدرجة الغائبة: القياس
الاختبارات الثلاثة تشترك في أمر واحد: كلها تحتاج إلى من يقيس. فتأمين ميون يحتاج إلى تأكيد مستقل، والعلاوة تنزل بالأدلة، والقاعدة الجديدة تُصدَّق حين يُرى أثرها في حركة السفن.
وغياب القياس له ثمن. فحين لا توجد قراءة منشورة لأمن الممر، يُقرأ كل بيان على أنه صادر من طرف في الحرب. والسوق لا تنتظر حتى يُحسم الخلاف، بل تسعّر الفجوة بين البيان والقياس، وتضيفها إلى تكلفة كل رحلة. ومن يدفع هذه التكلفة؟ الدول التي تعتمد صادراتها على الممر قبل غيرها.
ومنذ انقطع العبور في هرمز في الثامن والعشرين من فبراير صار البحر الأحمر الرئة التي تتنفس منها صادرات المنطقة. فأمن باب المندب لم يعد شأناً يمنياً، بل صار جزءاً من أمن الطاقة الخليجي كله، ومن أمن المدن نفسها. فقد بلغت الهجمات مطار الملك خالد الدولي مساء العاشر من أكتوبر. والمطار ليس المضيق، لكن الحرب التي تمتد إلى المطارات تؤكد أن الممر لم يعد مسألة ملاحة فحسب.
المقترح: قراءة أسبوعية منشورة
المقترح العملي بسيط: أن تصدر جهة بحثية عربية مستقلة قراءة أسبوعية منشورة لأمن باب المندب، تقوم على أربعة مؤشرات قابلة للتحقق من مصادر عامة:
- الحجم: عبور الناقلات والسفن نسبةً إلى مستواه المعتاد، من بيانات التتبع المفتوحة.
- الإذن: هل ما زال إعلان الحصار قائماً؟ وهل صدرت آلية عبور معلنة باسم الدولة المشاطئة؟
- التكلفة: حدّ المنطقة المدرجة، ومستوى العلاوة بحسب العلم.
- العقدة: من يمسك ميون، بحسب المراجع التي تعتمدها الملاحة.
قيمة هذه القراءة ليست في أنها تقول ما لا يعرفه أحد، بل في أنها تجمع ما تعرفه أطراف متفرقة في مكان واحد، بمنهج معلن، وبتوقيت ثابت. فهي لا تنافس البيان الرسمي، بل تسنده. فالبيان يقول ما تحقق، والقراءة المستقلة تقيس متى وصل أثره إلى البحر.
والدول الأكثر دفعاً لتكلفة غياب القياس هي الأقدر على ملء هذا الفراغ. فالمراكز البحثية في المنطقة تملك الكفاءات، والبيانات العامة متاحة، وما ينقص هو القرار بأن القياس جزء من المعركة لا ملحق بها.
خاتمة: السارية والثقة
السارية تُرفع على الجزيرة في يوم، والثقة تُبنى في أسابيع. وما حققته العملية على الأرض شرط لا غنى عنه لعودة الممر، لكنه ليس كل الشرط. فالحكم الأخير يصدره ربّان يقرر أن يعبر بدل أن يلتف حول رأس الرجاء الصالح، ومكتتب يقرر أن يخفض السعر.
ثلاث علامات ستقول متى صدّقت السفينة: ميون مؤكَّدة في المرجع الذي تقرؤه، وخط في لندن يتراجع، وقاعدة يكتبها من يخاطبه القانون. وحين تجتمع العلامات الثلاث يتحول النصر العسكري إلى ممر مفتوح.
** **
- دبلوماسي سابق، باحث في العلاقات الدولية