خالد الأنصاري
للأوطان حرمة، وللدماء عصمة، وللأمن منزلة لا يعرف قدرها حق المعرفة إلا من ذاق مرارة الخوف، أو رأى كيف تنقلب حياة الناس حين تمتد إليها يد العدوان.
وإن الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض اعتداء على أرواح آمنة، وعلى مصالح الناس، وعلى حقهم في التنقّل والعمل والعيش بطمأنينة؛ وهو فعل يستوجب إدانة واضحة، لا تخففها المبررات، ولا تستر قبحه الشعارات.
وقد أسفر هذا الاعتداء الغاشم على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، عصر يوم السبت 29 ربيع الثاني 1448هـ، الموافق 10 أكتوبر 2026م، عن وفاة اثني عشر شخصًا وإصابة ثلاثمائة وتسعة آخرين؛ وهي حصيلة مفجعة تكشف فداحة العدوان، وما خلّفه من آلام في نفوس المصابين، وأحزان في قلوب أسر الضحايا.
ووراء هذه الأعداد أسماء ووجوه وأسر، وآمال كانت تنتظر أصحابها. فكل نفس أُزهقت تركت في قلوب أهلها جرحًا، وكل مصاب يحمل ألمًا يتجاوز لحظة الاعتداء إلى أيام العلاج ومشقة التعافي.
ومن الوفاء لهم أن يكون الإنسان حاضرًا في حديثنا عن الحادثة؛ فلا تطغى لغة السياسة على حرمة الدم، ولا تحجب تفاصيل الخبر وجع المنكوبين.
إن المطار في وجدان الناس موضع لقاء ووداع، وبداية رحلة، وعودة إلى أهل، وسعي إلى رزق، وطلب علاج أو علم. وفي صالاته تتجاور حكايات بشرية شتى، يجمعها الاطمئنان إلى أن طريق السفر مأمون.
فإذا امتدت إليه أدوات التدمير، أصابت معنى الأمان في حياة الناس، وجعلت المدنيين عرضة للخوف في مكان أُقيم لخدمتهم وتيسير شؤونهم.
أذاكَ حوثيُّ بطشٍ أم أبو لهبِ؟
يمضي إلى الغدرِ في حقدٍ وفي غضبِ
تبَّتْ يدا كلِّ مَن يسعى إلى عَطَبِ
ويُوقِدُ النارَ في أمنٍ بلا سببِ
أفي المطارِ تُراقُ اليومَ أدمعُنا
ويُستباحُ حِمى الأوطانِ بالرُّعُبِ؟
يا موطنَ العزِّ، لن نرضى لكَ الوَهَنا
نفدي حِماكَ بأرواحٍ بلا رَهَبِ
ومن هنا تتجلَّى بشاعة استهداف هذه المرافق؛ فالاعتداء عليها يوسع دائرة الضرر لتشمل المسافرين والعاملين وأسرهم، ويعطِّل مصالح تمتد إلى خارج حدود البلد.
وقد أظهرت جنسيات الضحايا المتعددة أن مأساة هذا الهجوم تجاوزت وطنًا واحدًا، وأن حماية المرافق المدنية مسؤولية تتصل بأمن الناس على اختلاف بلدانهم.
والميزان الأخلاقي في هذا الباب ينبغي أن يبقى واضحًا: دماء الأبرياء لا تصلح وسيلة ضغط، وترويع الآمنين لا يمنح صاحبه حقًا، والإضرار بالمدنيين لا يصير بطولة بكثرة ترديد الشعارات.
إن عدالة القضية تُقاس كذلك بعدالة الوسائل التي تُتخذ لنصرتها؛ ومن يجعل حياة الناس وقودًا لخصومته يجرح القيم التي يزعم الدفاع عنها.
وفي هذه المحن نستشعر قيمة الأمن الذي تتسع في ظله أبواب الخير؛ وبه تنتظم شؤون الأسرة، وتستقر حياة العامل، ويطمئن طالب العلم، وتنهض المؤسسات بمصالح الناس، وهو نعمة تقتضي الشكر، ومسؤولية تستدعي اليقظة، وبناء يحتاج إلى تضافر الجهود؛ وهو أغلى عند الإنسان من الذهب والمال النفيس وكما قيل:
أغلى من اللؤلؤ المكنون والذهب
أمنٌ تصانُ به الدنيا من العطبِ
أغلى من العيش أمنٌ تستقر به
حياتنا دونما خوف ولا رهبِ
وحين ندافع عن أمن وطننا فإننا ندافع عن حياة الناس وكرامتهم، وعن قدرتهم على أن يعملوا ويبنوا ويستقبلوا غدهم بثقة.
ويقتضي هذا الموقف أن تتضافر الكلمة الصادقة مع العمل المسؤول؛ فنقف مع قيادتنا ومؤسساتنا في حماية الوطن وصيانة أمنه، ونسند جهود الجهات المختصة، ونلتزم تعليماتها، وندرك أن التماسك الوطني يشتد حين يتحول الشعور بالانتماء إلى سلوك واعٍ. فالمحبة للوطن تظهر في حفظ مصالحه، واحترام أنظمته، والإسهام في استقراره، والقيام بالواجب حين تدعو الحاجة إليه.
وللوعي الإعلامي نصيب عظيم من هذه المسؤولية؛ ففي أوقات الأزمات تتكاثر الأخبار، وتتداول الصور والمقاطع، ويختلط القديم بالجديد، وقد تسبق العاطفةُ التثبتَ.
ومن واجب صاحب القلم أن يتحرَّى الدقة، وأن يرد المعلومات إلى مصادرها، وأن يصون كرامة الضحايا، ويتجنب نشر ما يزيد قلق أسرهم أو يكشف خصوصياتهم. فالكلمة أمانة، وقد يسهم خبر غير صحيح في توسيع الخوف وإرباك الناس.
كما أن إدانة العدوان الحوثي تقتضي إحكام النظر في جهة المسؤولية، وحفظ العدل في القول.
فالشعب اليمني شعب شقيق، تربطنا به وشائج الجوار والقرابة والتاريخ، ومعاناة المدنيين فيه تستحق الرحمة والرعاية؛ وتحميل المعتدين مسؤولية أفعالهم ينبغي أن يقترن بصيانة الأبرياء من التعميم والخصومة؛ فالعدل يحفظ للموقف قوته، ويمنع الغضب من أن يتجاوز موضعه.
وفي قلب هذا كله يبقى واجب المواساة حاضرًا: بالدعاء للضحايا، ومؤازرة أسرهم، والعناية بالمصابين، وتقدير العاملين في الإسعاف والعلاج والأمن وسائر الجهات التي تحمل أعباء الاستجابة.
فتماسك المجتمع يتجلَّى في هذه المواقف العملية؛ حين يجد المتألم من يخفف عنه، والمنكوب من يقف إلى جانبه، والعامل في الميدان من يقدِّر جهده ويعينه على أداء واجبه.
ستظل حماية أمن المملكة مسؤولية تجمع أبناءها، ويظل البناء جوابًا ثابتًا على محاولات التخريب المفسدة، وإن قوة الوطن تتجلَّى في قدرته على حماية الإنسان، وإدارة المحنة بحكمة، ومواصلة العمل بعزم؛ مستمدًا من توكله على الله عزَّ وجلَّ، ثم من تماسك قيادته وشعبه، ما يعينه على تجاوز الشدائد وحفظ مكتسباته.
حفظ الله تعالى المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، ووفق قيادتها لكل خير، ورحم من قضوا في هذا الاعتداء، وشفى المصابين، وجبر قلوب أهلهم، وحفظ الأبرياء في كل مكان.
إضـاءة
اللَّهم إن الحوثيين قد طغوا وبغوا؛ وتمادوا في غيِّهم؛ اللَّهم شتِّت شملهم، وفرِّق جمعهم، وأنزل بهم بأسك ورجزك وعذابك، واجعل دائرة السوء عليهم، يا قوي يا عزيز يا سميع الدعاء، اللَّهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللَّهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية.