صبحي شبانة
المطارات ليست فقط مجرد منشآت تستقبل الطائرات وتودّع المسافرين، ولا هي مرافق اقتصادية يمكن قياس أهميتها بعدد الرحلات وحجم الحركة اليومية فحسب؛ إنها شرايين اتصال العالم بالدول، وعناوين لثقتها في أمنها واستقرارها، وأحد المؤشرات التي يُقاس بها مدى قدرة الدولة على حماية انفتاحها الاقتصادي وحركة مواطنيها وضيوفها، وحين يصبح مطار عاصمة بحجم الرياض هدفًا لهجوم صاروخي من ميلشيا الحوثي الإرهابية، فإن المسألة تتجاوز حدود المنشأة التي تعرضت للاعتداء، لتطرح سؤالًا أكبر: هل يظل أمن الخليج مسؤولية كل دولة على حدة، أم أن التهديدات التي تعبر الحدود تفرض الانتقال من التضامن السياسي إلى منظومة فعل جماعي تحمي الجميع؟، هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش الخليجي بعد الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، عصر السبت العاشر من أكتوبر، وما صاحبه من سقوط ضحايا وتعطّل حركة الطيران.
حمّل التحالف ميليشيا الحوثي الإرهابية مسؤولية إطلاق الصاروخ، وبصرف النظر عن المسار الذي ستكشفه التحقيقات بشأن تفاصيل الهجوم، فإن استهداف مطار مدني، أو تهديد حركة الطيران التجاري، يفتح بابًا بالغ الخطورة أمام استخدام سلامة المدنيين والاقتصاد وسيلةً للضغط السياسي والعسكري، فالرسالة هنا لا تتجه إلى المملكة وحدها، بل إلى كل شركة طيران، وكل مسافر، وكل مستثمر ينظر إلى المنطقة باعتبارها مجالًا آمنًا للحركة والعمل، وحين تحاول ميليشيا مسلحة إرهابية أن تفرض إرادتها على حركة الطيران في أجواء دولة ذات سيادة، فإنها لا تستهدف منشأة بعينها فحسب، وإنما تختبر قدرة المجتمع الدولي على منع تحول التهديدات المسلحة إلى سلطة موازية تتحكم في حركة المدنيين عبر الحدود.
وتزداد خطورة هذا الاعتداء حين نتذكر أن المطارات ليست أهدافًا عسكرية بالمعنى المعتاد، وإنما مرافق يرتادها أشخاص من جنسيات متعددة، لكل منهم وجهته وحكايته وسبب سفره، وقد ضمت قائمة الضحايا، وفق الأرقام الأولية الواردة في التقارير الأولية، مواطنين سعوديين وآخرين من بنغلاديش والولايات المتحدة والأردن وفلسطين وسوريا والسودان ومصر، وهكذا تتجاوز المأساة حدود الجنسية، لتصبح اعتداءً على أناس لا يجمع بينهم سوى وجودهم في مكان يفترض أن يكون مخصصًا للسفر الآمن، لا ساحةً لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية، ومن هنا تأتي أهمية المواقف الدولية التي أدانت الهجوم، وما صدر من تعبيرات عن الصدمة والاستنكار والتحذير من خطورة التصعيد، غير أن الإدانة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها حماية مطار، ولا اعتراض صاروخ، ولا منع تكرار الهجوم، فالموقف السياسي مهم وضروري لتحديد المسؤولية ورفض استهداف المدنيين، لكنه لا يصبح سياسة ردع فاعلة إلا حين يقترن بإجراءات عملية تحدّ من قدرة المعتدي على تكرار ما فعل.
وأي اضطراب في المجال الجوي السعودي يمكن أن ينعكس على حركة الطيران في المنطقة، وعلى جداول الرحلات، وتكاليف التشغيل والتأمين، وحركة الشحن، فضلًا عن حسابات المستثمرين وشركات النقل الدولية، وتزداد هذه التداعيات أهمية في وقت تسعى فيه المملكة إلى ترسيخ موقعها مركزًا عالميًا للطيران والأعمال، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 وإستراتيجيتها الوطنية للطيران، فالمطار في هذه المعادلة ليس مبنىً معزولًا عن الاقتصاد، بل جزء من منظومة أوسع تربط التجارة والسياحة والاستثمار والخدمات اللوجستية. واستهدافه يبعث برسالة تهديد إلى شبكة من المصالح تتجاوز حدوده المملكة، وإن كان لا يعني بالضرورة أن المعتدي قادر على تحقيق أهدافه الاقتصادية أو الإستراتيجية.
وهنا تحديدًا ينبغي النظر إلى الاعتداء من زاوية الأمن الخليجي المشترك، فالتشابك الجغرافي والاقتصادي بين دول مجلس التعاون يجعل أمن المطارات والمنشآت الحيوية وممرات الملاحة والطاقة مسألة إقليمية مترابطة، والسماء التي تعبرها الطائرات المتجهة إلى الرياض هي جزء من شبكة حركة إقليمية تتصل بالدوحة وأبوظبي والكويت والمنامة ومسقط، كما أن اضطراب خطوط الطيران في دولة خليجية قد ينعكس على حركة السفر في دول أخرى، سواء بصورة مباشرة أو عبر تغيير المسارات والتكاليف والتوقيتات، ولذلك فإن القول إن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ ليس مجرد عبارة تتكرر في القمم والبيانات، بل حقيقة تفرضها الجغرافيا وتشابك المصالح، غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة شيء، وترجمتها إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ شيء آخر، فالمطلوب ليس أن تتطابق جميع الدول في كل تقديراتها السياسية، ولا أن تتبنى بالضرورة مسارًا عسكريًا واحدًا، وإنما أن تتفق على حد أدنى واضح من العمل المشترك لحماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
ليس في تاريخ الخليج ما يبرر الاستهانة بهذا الدرس، فقد تأسس مجلس التعاون عام 1981 في ظل اضطرابات إقليمية عميقة، وجاءت فكرة التعاون الدفاعي، ثم إنشاء قوات درع الجزيرة، تعبيرًا عن إدراك مبكر بأن أمن الدول الأعضاء لا يمكن أن يقوم على القدرات الوطنية المنفردة وحدها، ثم جاء غزو الكويت عام 1990 ليكشف بأقسى صورة عواقب التهديد الذي تتعرض له دولة خليجية، ويؤكد أن تداعياته لا تتوقف عند حدودها، وأن التعاون الإقليمي والدولي يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا في استعادة الأمن والاستقرار، لكن دروس التاريخ لا تكتسب قيمتها بمجرد استدعائها، وإنما بمدى القدرة على تطبيقها واقع تتبدل فيه طبيعة التهديدات وأدوات المواجهة ، فالتهديد الراهن يختلف في أدواته وأساليبه عن كثير من التحديات السابقة؛ إذ باتت الصواريخ والمسيّرات والتهديدات التي تستهدف البنية التحتية قادرة على إحداث اضطراب واسع بتكلفة أقل نسبيًا من الحروب التقليدية، وهذا التحول يفرض تطوير مفهوم الأمن الجماعي، بحيث لا يقتصر على تحرك عسكري بعد وقوع الاعتداء، بل يبدأ من تبادل المعلومات، والرصد المبكر، وتكامل أنظمة الإنذار، والتنسيق في حماية الأهداف المدنية والمنشآت الحيوية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الأطر المؤسسية إلى آليات عمل مشتركة وفاعلة ، فوجود قوات درع الجزيرة، ومشروعات التعاون الدفاعي، والأطر المرتبطة بالتنسيق العسكري، يمثل أساسًا يمكن البناء عليه، لكنه لا يغني عن تحديد آليات واضحة للاستجابة للتهديدات الجوية، والمطلوب أن تكون هناك قنوات فعالة لتبادل المعلومات في الوقت المناسب، وإجراءات مشتركة لتقييم المخاطر، وتنسيق يحمي المطارات والمنشآت الحيوية، فضلًا عن رسائل سياسية متسقة تمنع الخصوم من استغلال أي تباين في المواقف الخليجية، ولا يعني ذلك أن كل اعتداء ينبغي أن يقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أو أن توحيد الجهود الدفاعية يستلزم إغلاق الباب أمام الوساطات والحلول السياسية، فالتنسيق الأمني الفاعل يمكن أن يتكامل مع الدبلوماسية، بل إن وجود قدرة ردع موثوقة قد يساعد على تقليل فرص التصعيد إذا أدرك الطرف المقابل أن استهداف المدنيين لن يحقق له مكاسب سياسية، وأن دول المنطقة قادرة على حماية مصالحها دون الانجرار إلى ردود فعل غير محسوبة.
وهذه نقطة مهمة في التعامل مع الأزمة اليمنية، فقد شهدت السنوات الماضية محاولات للتهدئة ومبادرات سياسية ومساعٍ لخفض التصعيد، لكن استمرار التهديدات والهجمات يثير تساؤلات مشروعة بشأن فرص تثبيت أي تسوية ما لم تقترن بضمانات عملية تحمي المدنيين والمنشآت الحيوية، فالتفاوض لا يعني التخلي عن الردع، كما أن الردع لا يعني إغلاق الباب أمام السياسة؛ وإنما تكمن الحكمة في الجمع بينهما، بحيث تظل التسوية خيارًا ممكنًا، من دون أن تتحول إلى مظلة تتيح استمرار الاعتداءات، ويجب كذلك التمييز بين ضرورة الرد على التهديد وبين طبيعة الرد وحدوده، فالقانون الدولي، وفي مقدمته ميثاق الأمم المتحدة، يقر للدول حق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، وفق الشروط والضوابط القانونية ذات الصلة، لكن تقدير مشروعية أي إجراء عسكري محدد يظل مرتبطًا بظروفه، وبمدى استيفائه متطلبات الضرورة والتناسب وغيرها من قواعد القانون الدولي، كما أن قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، ومنها القرار 2216، والسند الذي تستند إليه الحكومة اليمنية في طلب الدعم، ينبغي تناولها في إطارها القانوني المحدد، لا باعتبارها تفويضًا مطلقًا لكل إجراء محتمل.
إن قوة الموقف السعودي لا تكمن فقط في امتلاك القدرات الدفاعية ، وإنما أيضًا في القدرة على الجمع بين حماية الأمن الوطني والتحرك الدبلوماسي، مع إبقاء المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في منع استهداف المدنيين والحد من تدفق الأسلحة إلى الجماعات المسلحة بطرق غير مشروعة، فالإدانة الدولية تفقد جانبًا مهمًا من أثرها إذا لم تتبعها خطوات قابلة للقياس في تنفيذ القرارات ذات الصلة، ومراقبة مسارات التهريب، وتعزيز التعاون في مواجهة مصادر التهديد، ولم يعد مقبولًا أن تقف الجهود الدولية عند حدود الإدانة، بينما تستمر التهديدات التي تستهدف أمن المملكة وسلامة المدنيين والمنشآت الحيوية، فالمطلوب اليوم هو الانتقال من المواقف المعلنة إلى إجراءات عملية تضع حدًا لتدفق الأسلحة والخبرات العسكرية إلى ميليشيا الحوثي الارهابية، وتُفعّل القرارات الدولية ذات الصلة، وتُحمّل كل من يثبت تورطه في دعم هذه الاعتداءات مسؤولية أفعاله، إن حماية أمن المملكة واستقرار المنطقة ليست مسؤولية الدول التي تتعرض للتهديد وحدها، بل مسؤولية دولية تقتضي مواجهة مصادر الخطر بجدية وحزم، حتى لا تتحول الإدانات المتكررة إلى غطاء لعجز دولي يسمح باستمرار الاعتداءات وتكرارها.
إن الاعتداء على مطار الرياض، بما يحمله من تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية، يضع دول الخليج أمام اختبار يتجاوز إدانة الهجوم أو إعلان التضامن مع المملكة، إنه اختبار لقدرتها على تحويل المصالح المشتركة إلى ترتيبات عملية، وعلى بناء منظومة تستبق التهديد بدل أن تكتفي بالتعامل مع نتائجه، وعلى الجمع بين الردع والتنسيق والدبلوماسية دون أن يسمح اختلاف التقديرات بإضعاف الحد الأدنى من العمل الجماعي، فالأمن الخليجي لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا ببلاغة البيانات الصادرة في أوقات الأزمات، وإنما بقدرة هذه الاتفاقيات والمواقف على حماية الإنسان والمنشأة والمجال الجوي، وبمدى استعداد الدول للتحرك معًا حين يصبح الخطر مشتركًا، والرسالة التي ينبغي أن تخرج بها المنطقة من هذا الاعتداء هي أن التضامن لا يكتمل بمجرد الوقوف إلى جانب الدولة التي تعرضت للهجوم؛ بل يكتمل حين تتحول هذه الوقفة إلى قدرة جماعية تحمي الجميع، وتغلق أمام المعتدين وهم إمكان استفرادهم بأي دولة خليجية على حدة.