«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في بيئةٍ تُحسب فيها المياه موردًا ثمينًا، تنمو شرق مدينة بريدة واحة خضراء تروي حكاية مختلفة عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة؛ إذ تتحول المياه المعالجة إلى مورد لري الأشجار، وتتسع المساحات الخضراء في مشهد يجمع بين التنمية البيئية وحسن إدارة الموارد. إنها واحة بريدة، المشروع الذي تجاوزت أشجاره المليون، وامتد حضوره إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية بوصفه أكبر واحة من صنع الإنسان في العالم.
ولا تتوقف أهمية الواحة عند مساحتها أو عدد أشجارها، بل تمتد إلى الفكرة التي يقوم عليها المشروع: الاستفادة من المياه المجددة في التشجير، وتعزيز الغطاء النباتي، وتطوير نموذج للاستدامة في منطقة تتطلب ظروفها المناخية إدارة دقيقة للمياه والتربة والموارد الطبيعية.
من مشروع للتشجير إلى إنجاز عالمي
بدأت ملامح المشروع تتبلور مع تدشين مرحلته الأولى في فبراير 2020، بمساحة إجمالية معلنة بلغت نحو 28 مليون متر مربع، وتكلفة تجاوزت 77 مليون ريال، مع زراعة 200 ألف شجرة في المرحلة الأولى.
ومع تقدم أعمال التشجير، توسعت الواحة لتصبح أحد المشاريع البيئية البارزة في منطقة القصيم. وفي ديسمبر 2023، أعلنت الجهات المعنية اكتمال زراعة مليون شجرة، بالتعاون بين المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر وشركة المياه الوطنية.
وفي إنجاز دولي، سجلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية الواحة بوصفها أكبر واحة من صنع الإنسان، بمساحة تبلغ 19,846,222 مترًا مربعًا، أي ما يقارب 19.85 مليون متر مربع، وفق بيانات الموسوعة التي حددت تاريخ الإنجاز في 9 ديسمبر 2024.
يعكس هذا الإنجاز حجم المشروع واتساع نطاقه، لكنه يفتح أيضًا بابًا أوسع للنظر إلى التجربة من منظور يتجاوز الأرقام القياسية، إلى كيفية المحافظة على الأشجار، وضمان استدامة ريها، وقياس أثرها البيئي على المدى الطويل.
المياه المعالجة.. سر الامتداد الأخضر
تستند الواحة إلى الاستفادة من المياه المعالجة الناتجة من محطات معالجة مياه الصرف الصحي، في توجه يتيح توظيف مورد مائي متجدد لأغراض التشجير، ويخفف الحاجة إلى استخدام المياه العذبة في هذه الاستخدامات.
تضم الواحة بحيرة لتجميع المياه المجددة بسعة معلنة تبلغ نحو 86 ألف متر مكعب، بما يعادل 86 مليون لتر، إلى جانب شبكة ري يتجاوز طولها 3.6 ملايين متر طولي، وفق بيانات منشورة عن المشروع.
وتؤدي هذه المنظومة دورًا مهمًا في إيصال المياه إلى المساحات المزروعة، فيما تظل كفاءة التشغيل وجودة المياه وملاءمتها للأشجار والتربة عوامل أساسية لضمان استدامة المشروع.
تبرز هنا قيمة التجربة؛ فالمياه المعالجة لا تمثل مجرد مصدر للري، بل مورد يمكن أن يسهم في دعم التشجير متى توافرت المعالجة المناسبة والرقابة المستمرة وكفاءة التوزيع.
مليون شجرة.. والتحدي يبدأ بعد الزراعة
يمثل تجاوز حاجز المليون شجرة محطة مهمة في مسيرة الواحة، غير أن نجاح المشروعات البيئية واسعة النطاق لا يقاس بعدد الأشجار المزروعة وحده، بل بقدرتها على البقاء والنمو والتكيف مع الظروف المناخية.
ولهذا تكتسب أعمال الرعاية والحماية والمتابعة أهمية لا تقل عن أعمال الزراعة نفسها، خصوصًا في البيئات الجافة التي تتطلب اختيار الأنواع النباتية الملائمة، وترشيد الري، ومراقبة خصائص التربة وجودة المياه.
كما أن معرفة العدد الفعلي للأشجار القائمة، ومعدلات بقائها بعد سنوات من زراعتها، وحجم المياه اللازمة لاستمرار نموها، تمثل مؤشرات مهمة لتقييم الأداء البيئي للواحة، وتحديد مدى إمكان الاستفادة من تجربتها في مشروعات مماثلة.
من الغطاء النباتي إلى الحياة الفطرية
لا تقتصر مكونات الواحة على الأشجار وشبكات الري؛ إذ تشير تقارير منشورة إلى وجود محمية للحياة الفطرية تبلغ مساحتها نحو 50 ألف متر مربع، بما يضيف بعدًا بيئيًا آخر إلى المشروع.
يعزز هذا التوجه فكرة التعامل مع المساحات الخضراء باعتبارها بيئات يمكن أن تدعم الحياة الفطرية، وليس مجرد مواقع للتشجير. غير أن قياس أثرها في التنوع الحيوي يتطلب بيانات ميدانية عن الأنواع الموجودة، وأعدادها، وتطورها بمرور الوقت.
وتزداد أهمية هذا الجانب كلما ارتبطت مشروعات التشجير بخطط واضحة للرصد البيئي والحماية، بما يساعد على الانتقال من زيادة الغطاء النباتي إلى إدارة منظومة بيئية متكاملة.
بصمة بيئية تتجاوز حدود المنطقة
في نوفمبر 2024، أعلنت وكالة الأنباء السعودية حصول الواحة على شهادات مرتبطة بالبصمتين المائية والكربونية، في خطوة تعكس الاهتمام بقياس الجوانب البيئية للمشروع.
وتكتسب البصمة المائية أهميتها من ارتباطها بإدارة المياه وكفاءة استخدامها، فيما تساعد البصمة الكربونية على تقييم الانبعاثات المرتبطة بالمشروع وفق منهجية محددة.
لكن القيمة الفعلية لهذه المؤشرات تتضح من خلال نتائج القياس التفصيلية، وحدود التقييم، وآليات المتابعة، ومدى انعكاسها على القرارات التشغيلية. فالحصول على شهادة بيئية يمثل محطة مهمة، بينما تظل استمرارية الأداء والتحسين المستمر أساسًا للحكم على النتائج.
وجهة بيئية وفرص تنموية
يتجه الاهتمام بواحة بريدة إلى ما هو أبعد من إنجازاتها البيئية؛ ففي مارس 2026، ناقش اجتماع برئاسة أمير منطقة القصيم فرص الاستثمار في الواحة وإمكانات تطويرها، بما يدعم السياحة البيئية والاقتصاد المحلي.
ويمثل هذا التوجه فرصة لربط حماية البيئة بالتنمية، من خلال دراسة الأنشطة التي يمكن أن تضيف قيمة للواحة، وتوفر تجربة للزوار، وتتيح فرصًا اقتصادية، مع المحافظة على طبيعتها وأهدافها البيئية.
ويتطلب ذلك تحقيق التوازن بين الاستخدام التنموي للموقع وحماية مكوناته الطبيعية، وتحديد الأنشطة المناسبة، وتوفير البنية التحتية اللازمة، ووضع مؤشرات لقياس الأثر الاقتصادي والبيئي معًا.
تجربة تستحق القياس
تقدم واحة بريدة نموذجًا سعوديًا لدمج التشجير بالاستفادة من المياه المعالجة، مستندة إلى مساحة واسعة، وأكثر من مليون شجرة وفق البيانات الحكومية، ومنظومة مائية تخدم أعمال الري، وإنجاز دولي موثق في موسوعة غينيس.
غير أن الأهمية الأعمق للمشروع تكمن في قدرته على تحويل هذه المنجزات إلى نتائج مستدامة يمكن قياسها بمرور الزمن: أشجار باقية، ومياه مستخدمة بكفاءة، وغطاء نباتي متنامٍ، وأثر بيئي واضح، وفرص تنموية تحافظ على الموارد الطبيعية.
ففي المناطق الجافة، لا تنتهي قصة الشجرة عند غرسها في الأرض؛ بل تبدأ من قدرتها على البقاء، ومن كفاءة كل قطرة ماء تصل إليها، ومن منظومة متكاملة تجعل الاخضرار جزءًا مستدامًا من المكان.
وهنا تكمن قيمة واحة بريدة؛ ليس فقط في كونها واحة واسعة سجلت اسمها عالميًا، بل في ما تقدمه من تجربة تستحق المتابعة والقياس، واستكشاف فرص تطويرها لتكون نموذجًا للاستدامة البيئية في المملكة.