د.شامان حامد
تتجه أنظار العالم بأسره، بكل ما يحمله من توترات جيوسياسية وتحولات تقنية متسارعة، نحو عاصمة القرار الاقتصادي العالمي، الرياض، حيث تلتقي العقول الاستراتيجية والقيادات التنفيذية في مشهد تاريخي فريد يجسد ثقل المملكة العربية السعودية ومحوريتها المطلقة في هندسة مستقبل الطاقة الدولي.
إن أسبوع الطاقة في الرياض، الممتد فعالياته من الحادي عشر وحتى الخامس عشر من أكتوبر، ليس مجرد تجمع تقليدي لوزراء وشركات، بل هو منصة صياغة سياسات عليا ترسم ملامح القرن الحادي والعشرين، بمشاركة نخبة عالمية تضم أكثر من سبعين وزيراً، وثلاثمائة رئيس شركة وكبير تنفيذي، وأكثر من خمسة وعشرين ألف مشارك يمثلون نحو مائة دولة، إلى جانب أكثر من 25 منظمة دولية تتكامل رؤاهم تحت سقف واحد.
حين نتأمل طبيعة التحديات الراهنة، يبرز جلياً أن أمن الإمدادات لم يعد مفهوماً كلاسيكياً محصوراً في تأمين آبار النفط وناقلات البحار، بل تحول إلى منظومة معقدة تتداخل فيها الجيوسياسات، وسلاسل الإمداد العالمية، وأمن البنية التحتية الرقمية والمادية. وهنا تتجلى بعبقرية استراتيجية القدرة الفائقة للمملكة على مواجهة الصدمات وتوفير بدائل مرنة تضمن استقرار الأسواق العالمية. فلنأخذ على سبيل المثال خط أنابيب «شرق - غرب» السعودي الاستراتيجي، الذي يثبت يوماً بعد يوم كفاءته العالية كشريان حيوي قادر على نقل وتصدير النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر بعيداً عن الاختناقات الجيوسياسية المحتملة ومخاطر الملاحة في المضائق الحيوية؛ حيث نجحت المنظومة في التعامل مع التحديات وإدارة تدفقات تصل إلى خمسة وثمانين من عشرة مليون برميل يومياً (5.8 مليون برميل يومياً عبر الخط في محطات مفصلية)، مما يرسخ مصداقية الرياض كصمام أمان حقيقي لا غنى عنه لتوازن الاقتصاد العالمي واستقراره.
في الماضي، كان قطاع الطاقة يُدار بمنطق الوفرة البسيطة والطلب الخطي التقليدي، حيث تركزت الجهود على عمليات الاستخراج المباشر والنقل البحري والبري بأدوات هندسية تقليدية تعتمد على الجهد البشري والآلي المباشر، وتخلو من أي ترابط عميق مع الثورة الرقمية. أما في الحاضر، فنحن نعيش ثورة هجينة وغير مسبوقة؛ إذ تتشابك أسواق النفط والغاز التقليدية مع متطلبات التحول الرقمي، وإدارة الانبعاثات، والتقنيات العميقة، وكفاءة استهلاك الموارد، بالتوازي مع التحدي المتمثل في تأمين الكهرباء لمراكز البيانات والتقنيات الحديثة. ليرسم المستقبل المنظور ملامح عالم تفاعلي بالكامل، تندمج فيه طاقة الهيدروجين، وتقنيات التقاط الكربون وتخزينه، والذكاء الاصطناعي التوليدي والتشغيلي، لتصبح منظومة الطاقة أكثر ذكاءً ومرونة واستدامة، حيث لا مكان للتقنيات العشوائية ولا للقرارات الارتجالية، بل تتحكم الخوارزميات الدقيقة والبيانات اللحظية في موازين الإنتاج والاستهلاك والتوزيع بكفاءة مطلقة.
ولا يقتصر المشهد الرياضي على الوقود التقليدي فحسب، بل يمتد ليشمل مظلة شاملة تجمع الاجتماع الوزاري السابع عشر لمنتدى الطاقة الدولي تحت شعار «أمن الطاقة والأهداف المشتركة في عصر جديد»، والاجتماعات الوزارية للطاقة النظيفة، والاجتماع الحادي عشر لمبادرة «ميشن إنوفيشن» لتسريع الابتكار، فضلاً عن الاستضافة التاريخية الأولى لمؤتمر البترول العالمي الخامس والعرين بشعاره الملهم «مسارات نحو مستقبل للطاقة للجميع». إن هذا التنوع المؤسسي والسياسي يعكس إدراكاً عميقاً لدى صناع القرار بأن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تلبية الطلب العالمي المتنامي على الطاقة من جهة، وخفض الانبعاثات وحماية البيئة من جهة أخرى، دون الإضرار بالقدرة التنافسية للاقتصادات أو التضحية بالاستثمارات طويلة الأجل التي تحتاجها مليارات البشر حول العالم.
ولعل الاقتصادات العربية أمام حتمية تاريخية لتنويع مصادر الدخل، وتطوير الأصول الصناعية، ورفع كفاءة البنية التحتية للكهرباء والاتصالات، لكي لا تظل رهينة لتقلبات الأسواق التقليدية وحدها. إن تكامل قطاع الطاقة مع النهضة الرقمية في المملكة العربية السعودية والدول الشقيقة يفتح آفاقاً غير مسبوقة للاستثمار في التقنيات الحديثة، وخلق فرص عمل واعدة للأجيال القادمة، وتعزيز التنافسية الإقليمية والدولية.
ومن أبرز الظواهر التي تستوجب الوقوف عندها طويلاً في هذا السياق هي العلاقة العضوية المتنامية بين التوسع الهائل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والطلب الهائل على الطاقة والكهرباء. إن مراكز البيانات الحديثة، وشبكات الحوسبة السحابية، والتحولات الرقمية الكبرى في المدن الذكية، لا تستهلك مجرد طاقة، بل تتطلب استثمارات ضخمة في قدرات التوليد، وتحديث الشبكات، وحلول التخزين الذكية. هذا الترابط يضع الحكومات والشركات أمام مسؤولية مضاعفة لتحقيق التوازن الدقيق بين تطلعات التقدم الرقمي المستدام وتكلفة توفير الكهرباء الموثوقة. وهنا تثبت الشراكات الاستراتيجية الكبرى التي تحتضنها الرياض قدرتها على ردم الهوة بين مطوري التقنية العظمى ومستثمري قطاع الطاقة الكلاسيكي، لخلق مستقبل تتناغم فيه الخوارزميات مع براميل النفط والغاز والطاقة النظيفة في منظومة واحدة متكاملة.
إن الأرقام والبيانات الصادرة عن هذه الفعاليات، من خلال أكثر من ثلاثين جلسة استراتيجية وواحد وثلاثين منتدى علمياً وتقنياً، إضافة إلى الهاكاثون الخاص بالطاقة ومسارات الابتكار للشباب والمرأة والشركات الناشئة، تؤكد أن الرياض لم تعد مجرد مقر لاتخاذ القرارات الإقليمية، بل أصبحت الموقد الذي تُصاغ فيه أفكار البشرية جمعاء لمواجهة التحديات الوجودية الكبرى. إن صانع القرار العربي يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الاستثمار في البحث والتطوير، وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على التعامل مع تقنيات المستقبل، هو الضمانة الحقيقية لبقاء الدول في صدارة المشهد العالمي.
ما تشهده الرياض يمثل ملحمة إدارية واقتصادية متكاملة الأركان، تؤكد أن المستقبل يُصنع بالرؤية الثاقبة، والعمل المؤسسي المنهجي، والشجاعة في مواجهة المتغيرات. إن العالم يتقدم بخطى حثيثة نحو فجر جديد للطاقة، وستظل المنطقة العربية، بقيادة واعية ورؤى استراتيجية متبصرة، هي القلب والمحرك الأساسي لدفء الاقتصاد العالمي وازدهاره المستدام.