ناصر بن فريوان الشراري
ليست كل الحروب تبدأ بإطلاق النار، فبعضها يبدأ بتهديد عابر، أو تصريح مستفز، أو رسالة يجري تمريرها عبر وسائل الإعلام، لكن حين تتكرر التهديدات تجاه دولة بعينها، وتأتي من اتجاهات مختلفة، يصبح السؤال أكبر من مجرد الرد على أصحابها، لماذا السعودية تحديدًا؟ وماذا يريد الذين يسعون إلى إرباك أمنها أو الضغط على قرارها؟ وهل يدرك العالم أن ما يجري حول المملكة يتجاوز حدودها السياسية إلى مكانتها الدينية وثقلها العربي والإسلامي؟
أعاد إلى ذهني هذه الأسئلة مقطع متداول تضمن حديثًا منسوبًا إلى الإسرائيلي إيدي كوهين عن حرب قادمة قد تشمل دول الخليج، وتصريحًا منسوبًا إلى أحد المحسوبين على الحوثيين يحمل تهديدًا مباشرًا للسعودية، وبين هذا وذاك جاء صوت عربي يذكّر بأن المملكة ليست مجرد مساحة جغرافية تحدها الخرائط، وإنما أرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، وهي كلمات تستحق التأمل في معناها، بعيدًا عن صحة ما نُسب إلى أصحاب تلك التهديدات، فالقضية أكبر من مقطع متداول، وأعمق من انفعال لحظة.
وحين نقرأ المشهد بعين استراتيجية، نجد أن السعودية تقف عند تقاطع مهم بين الدين والسياسة والاقتصاد والأمن، فهي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتملك تأثيرًا محوريًا في أسواق الطاقة، وتشكل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الخليجي، ولها حضور مؤثر في الملفات العربية والإسلامية، وهذه المكانة تجعل استقرارها ذا أهمية تتجاوز حدودها الوطنية، كما تضعها أمام تحديات وضغوط من أطراف تختلف مصالحها وأهدافها، وإن لم تكن بالضرورة تتحرك ضمن مشروع واحد.
ولعل ما يستحق الانتباه أن التهديدات لم تعد تأتي من جيوش تقف على الحدود فحسب، بل من جماعات إرهابية مسلحة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتحاول استهداف المنشآت الحيوية والمرافق المدنية، إلى جانب حملات إعلامية تسعى للتأثير في الرأي العام، وقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتداء على منشأة نفطية أو تهديد طريق ملاحي قد تمتد آثاره إلى الاقتصاد العالمي، وأن بعض الميليشيات أصبحت أدوات ضغط في صراعات تتجاوز حدود الدول التي تنشط فيها.
ولم تعد هذه المخاطر مجرد افتراضات، فقد شهدت المملكة اعتداءات على منشآت الطاقة والمرافق المدنية خلال السنوات الماضية، وتجددت الهجمات الحوثية خلال عام 2026، وصولًا إلى إدانة مجلس التعاون الخليجي في سبتمبر الماضي الاعتداءات التي استهدفت الرياض وخميس مشيط، وهي وقائع تؤكد أن التهديدات ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل تحديات أمنية تتعامل معها المملكة بما تملكه من قدرات دفاعية ومؤسسات راسخة وخبرة في حماية سيادتها.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل بعيدًا عن ضجيج التهديدات، ماذا يراد من استهداف السعودية والضغط عليها؟ هل الهدف التأثير في مواقفها السياسية، أم إضعاف دورها الإقليمي، أم محاولة جرّها إلى صراعات تستنزف قدراتها؟ ومهما اختلفت أهداف تلك الأطراف وحساباتها، فإن السعودية ليست دولة يسهل النيل من أمنها أو التأثير في قرارها، فهي تملك من القوة والإمكانات والخبرة ما يجعلها قادرة على مواجهة التحديات وحماية مصالحها، وتدرك طبيعة ما يدور حولها، وتعرف متى تتحرك وكيف تتعامل مع التهديدات، دون أن تسمح لأحد بأن يفرض عليها معاركه أو يحدد لها توقيت مواجهاتها.
ومن الخطأ اختزال السعودية في كونها دولة تدافع عن حدودها فحسب، فمكانتها تتجاوز الجغرافيا والسياسة، فهي أرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، ووطن يملك من القوة والإمكانات ما يكفل حماية أمنه وسيادته وصون مقدساته، ولذلك فإن أمن السعودية واستقرارها لا يمثلان شأنًا وطنيًا فحسب، بل يحملان أهمية كبرى للعالمين العربي والإسلامي، فهذه الأرض التي تتجه إليها وجوه المسلمين في صلواتهم، وتهفو إليها قلوبهم من كل بقاع الأرض، ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل موطن مقدساتهم، وركيزة من ركائز أمن المنطقة واستقرارها.
وإذا كان البعض يتساءل عما يعنيه القول إن السعودية تدافع عن العرب والمسلمين، فإن الإجابة لا ينبغي أن تقتصر على لغة العاطفة، بل يمكن فهمها من خلال المصالح المشتركة التي يسهم الاستقرار السعودي في حمايتها، فمن أمن البحر الأحمر والخليج العربي، إلى سلامة طرق التجارة والطاقة، ومن مواجهة التنظيمات الإرهابية إلى الجهود الدبلوماسية لاحتواء النزاعات، تضطلع المملكة بأدوار تمتد آثارها إلى حياة ملايين البشر خارج حدودها، ولذلك فإن حماية السعودية لأمنها ومصالحها المشروعة تسهم، بحكم موقعها وثقلها، في حماية مصالح عربية وإسلامية أوسع.
وتبرز القضية الفلسطينية شاهدًا على ثقل الدور السعودي وحضوره المؤثر في القضايا العربية والإسلامية، فلم تكتفِ المملكة بمواقفها الثابتة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني، بل قادت بالشراكة مع فرنسا حراكًا دبلوماسيًا دوليًا أسهم في توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وحشد تأييد 142 دولة لإعلان نيويورك بشأن حل الدولتين، في خطوة عززت المسار الدولي لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما يعكس حجم التأثير السياسي الذي تتمتع به السعودية، وقدرتها على تحويل مواقفها إلى مبادرات دولية تخدم القضايا العربية والإسلامية.
أما القراءة الأعمق لما يجري حول المملكة، فتؤكد أن الصراعات اليوم لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية، بل امتدت إلى محاولات التأثير في الاقتصاد والقرار السياسي ومسارات التنمية، غير أن السعودية تدرك طبيعة هذه التحديات، وتملك من القوة والخبرة والإمكانات ما يعينها على مواجهتها، فهي لا تتعامل مع كل تهديد برد فعل متعجل، وإنما تتحرك وفق ما تقتضيه مصالحها وأمنها، انطلاقًا من ثقة دولة تعرف قدراتها وتدرك حجم مسؤولياتها.
وتبرز هنا أهمية الجاهزية العسكرية والعمل الاستخباراتي والتحرك الدبلوماسي، فحماية الأوطان لا تقوم على السلاح وحده، وإنما على القدرة على قراءة المخاطر واستباقها، وفهم ما يجري خلف التصريحات والتحركات، والتمييز بين التهديد الحقيقي ومحاولات الاستفزاز، وقد أظهرت التجربة السعودية أهمية الجمع بين الحزم في حماية السيادة والحكمة في إدارة الأزمات، فليس كل تهديد يستدعي حربًا، وليس تجنب الحرب دليلًا على العجز عن خوضها، بل إن امتلاك القوة وحسن توظيفها هما ما يمنحان القرار السياسي ثقله واستقلاليته.
ولعل ما يستحق التأمل في الموقف السعودي هو الجمع بين القدرة على الدفاع عن النفس والحرص على تجنيب المنطقة مزيدًا من الصراعات، فالمملكة تتعامل مع أمنها باعتباره مسؤولية وطنية لا تقبل المساومة، وفي الوقت ذاته تدرك أن استقرار المنطقة يخدم مصالح شعوبها، وأن الحروب المفتوحة لا تصنع مستقبلًا، ولهذا فإن الدعوة إلى الحلول السياسية لا تتعارض مع القوة، وإنما تعكس القدرة على اختيار المسار الذي يحفظ المصالح ويمنع اتساع الأزمات.
ومن ينظر إلى السعودية من زاوية قوتها العسكرية وحدها لا يرى الصورة كاملة، فهي دولة تجمع بين مكانة دينية راسخة، وثقل اقتصادي وسياسي، ومشروع تنموي طموح، وحضور عربي وإسلامي يتجاوز حدودها، وهذه المقومات تمنحها قدرة على التأثير في محيطها والمشاركة في حماية استقراره، وتجعل المحافظة على أمنها واستمرار نهضتها جزءًا من معادلة الاستقرار في المنطقة.
ومن هنا فإن أمن السعودية لا ينبغي أن يُنظر إليه بمعزل عن أمن العالمين العربي والإسلامي، فهي ليست دولة تبحث عمن يدافع عنها، بل دولة قادرة على حماية نفسها، غير أن مكانتها في وجدان المسلمين تجعل استقرارها محل اهتمام يتجاوز حدود الجغرافيا، وهذا ما عبّر عنه ذلك الصوت العربي في المقطع المتداول حين تحدث عن السعودية باعتبارها أرضًا ينتمي إليها المسلمون بقلوبهم قبل أن تصل إليها أقدامهم، فالمملكة وطن السعوديين، لكنها تحتضن قبلة المسلمين ومقدساتهم، وتبقى سلامتها واستقرارها موضع اهتمام شعوب تتجه وجوهها إلى مكة المكرمة خمس مرات في اليوم.
ولعل السؤال الأهم أمام كل تلك التهديدات ليس من يستطيع إطلاق التصريحات أو رفع سقف الوعيد، وإنما ماذا يمكن أن تحقق هذه التهديدات أمام دولة تملك مقومات القوة والاستقرار، وتعرف كيف تحمي مصالحها وتحافظ على قرارها؟ فالسعودية لا تقيس قوتها بحدة خطابها، ولا تحتاج إلى الدخول في كل مواجهة لإثبات قدرتها، وإنما تستند إلى مؤسساتها وإمكاناتها ومكانتها، وإلى إدراك أن قوة الدولة تظهر في قدرتها على حماية أمنها ومواصلة مسيرتها مهما تعددت التحديات من حولها.
وفي نهاية المشهد، تبقى السعودية أكبر من أن تختزل في تهديد عابر أو تصريح مستفز، فهي دولة ذات سيادة وقوة ومكانة، وأرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، وركيزة مهمة في استقرار العالمين العربي والإسلامي، ومن يراهن على جرّها إلى معارك الآخرين يتجاهل أن المملكة تعرف متى تستخدم قوتها ومتى تمنح السياسة فرصتها، وأن حرصها على السلام لا يعني تراجعًا عن حماية أمنها، كما أن حكمتها لا تعني ضعفًا، فالسعودية لا تتجنب الحروب لأنها عاجزة عن خوضها، وإنما لأنها تعرف قدر قوتها، وتدرك أن أعظم الانتصارات قد تتحقق حين تملك الدولة قرار الحرب، ولا تسمح لأحد بأن يفرضه عليها.