تخيّل أن مدير نادٍ يفكر في رفع أسعار التذاكر. قبل أن يعتمد القرار، لا يكتفي باجتماع مع المالية والتسويق. أمامه نموذج يحاكي عدة احتمالات: ماذا سيحدث للحضور؟ كيف ستتغير الإيرادات؟ أي فئة من الجمهور قد تتأثر؟ ماذا لو ارتفع السعر 10 في المائة بدلًا من 20 في المائة؟ وماذا لو كانت إضافة مزايا للعضوية أكثر جدوى من رفع السعر أصلًا؟ ثم تظهر أمامه السيناريوهات. هل يبدو ذلك بعيدًا؟ ربما ليس كما نعتقد، فالذكاء الاصطناعي في الرياضة بدأ يتجاوز تحليل أداء اللاعب داخل الملعب إلى مساحة أكثر حساسية: غرفة القرار نفسها، وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا استطاعت التقنية أن تحاكي نتائج محتملة للقرار قبل تنفيذه، فهل ستتغير الطريقة التي تُدار بها الأندية؟
نادٍ آخر يعيش داخل النادي
من أكثر المفاهيم إثارة اليوم «التوأم الرقمي»؛ نموذج رقمي يتغذى بالبيانات، ويساعد على فهم الأصل أو العملية ومحاكاة سيناريوهات مختلفة قبل تطبيقها في الواقع. وتُستخدم هذه التقنية بالفعل في المنشآت لتطوير التشغيل وفهم حركة الجماهير وربط الأنظمة والبيانات. لكن ماذا لو وسّعنا الفكرة؟ ماذا لو لم يكن للنادي توأم رقمي للملعب فقط، بل ما يمكن أن نسميه: «توأم القرار»؟ قبل إطلاق عضوية جديدة، يختبر السيناريو. قبل تغيير سعر التذكرة، يقارن البدائل. قبل تشغيل المنشأة في يوم بلا مباراة، يقدّر الطلب والتكلفة والعائد. وقبل قرار تشغيلي كبير، لا تسأل الإدارة فقط: ماذا نعتقد أنه سيحدث؟ بل تسأل أيضًا: ماذا تقول البيانات إن من المحتمل أن يحدث؟ الفرق هنا جوهري. فالذكاء الاصطناعي لا يأخذ كرسي المدير، بل يمنحه فرصة لرؤية عدد أكبر من الاحتمالات قبل أن يدفع النادي ثمن أحدها في الواقع.
الموظف الذي لا ينام
والآن تخيّل أن في النادي «موظفًا» يعمل 24 ساعة. لا ينتظر نهاية الشهر ليقرأ التقرير. يراقب - ضمن الصلاحيات والضوابط- حركة بيع التذاكر، وأنماط الحضور، واستخدام المرافق، والشكاوى المتكررة وبعض المؤشرات التشغيلية والتجارية. إذا انخفض الطلب، يلتقط الإشارة. إذا تحولت شكوى فردية إلى نمط، ينبه الإدارة، وإذا ظهرت فرصة غير مستغلة في أحد الأصول، يضعها أمام المسؤول. هذا هو أحد التحولات التي يفتحها وكلاء الذكاء الاصطناعي: الانتقال من تقنية نسألها عندما نحتاج، إلى أنظمة تستطيع متابعة مهام محددة باستمرار وتحليل المتغيرات ورفع التوصيات، ومن هنا يمكن أن تظهر داخل النادي وظيفة جديدة للتقنية، لا للإنسان: «الموظف الذي لا ينام». لكنه لا يوقّع القرار.
غرفة القرار الرقمي
هنا أصل إلى الفكرة التي أرى أنها تستحق التفكير في الأندية: غرفة القرار الرقمي ليست غرفة شاشات ضخمة هدفها الإبهار، بل منظومة تجمع أهم البيانات التشغيلية والتجارية والجماهيرية، وتحولها إلى مؤشرات وسيناريوهات يستطيع المسؤول قراءتها قبل اتخاذ بعض القرارات الكبرى، فالفرق بين الإدارة التقليدية والإدارة الذكية قد لا يكون في كمية البيانات التي يمتلكها النادي بل في متى تتحول تلك البيانات إلى قرار. الإدارة التقليدية قد تسأل في نهاية الموسم: لماذا انخفض الحضور؟ أما الإدارة التي تعمل بصورة استباقية فتسأل أثناء الموسم: ما الذي بدأ يتغير؟ ولماذا؟ وماذا نستطيع أن نفعل قبل أن يصبح التغير مشكلة؟ وهذه نقلة من إدارة النتائج إلى إدارة الاحتمالات.
والسعودية ليست بعيدة
هذه ليست فكرة منفصلة عن الاتجاه الذي يتحرك نحوه القطاع، فالحلول الرقمية الرياضية في المملكة تتطور، وهناك بالفعل حلول للتوأم الرقمي للمنشآت ومراكز القيادة والتحكم وربط البيانات، بالتزامن مع توسع استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في المنظومة الرياضية، وفي الوقت نفسه تتطور المنشآت ونماذج التشغيل والاستثمار، لذلك ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه المرحلة: هل تتطور هندسة القرار بالسرعة نفسها؟ قد نبني منشأة ذكية.
وقد نمتلك أنظمة ذكية، لكن القيمة الحقيقية لن تظهر إلا عندما تصبح لدينا إدارة تعرف كيف تستخدم ذكاءها، ولكن.. من يوقّع القرار؟ هنا يجب ألا نقع في فخ الانبهار.
الذكاء الاصطناعي لا يعرف المستقبل
هو يتنبأ وفق البيانات والنماذج والافتراضات المتاحة له، وقد تكون البيانات ناقصة أو منحازة، وقد يكون أفضل قرار مالي ليس أفضل قرار جماهيري أو اجتماعي أو إستراتيجي، لذلك فإن النادي الذكي ليس النادي الذي يسلّم قراراته للآلة، بل النادي الذي يعرف: ماذا يترك للآلة؟ وماذا لا ينبغي أن يتركه لها أبدًا؟ ولهذا قد نحتاج إلى وضع «حدود القرار البشري» بوضوح: أين تقترح التقنية؟ أين تنبه؟ أين يمكنها تنفيذ إجراء محدود؟ وأين يجب أن تتوقف ليبدأ الإنسان؟ فالذكاء الاصطناعي قد يصبح موظفًا لا ينام، لكن يجب ألا يصبح: مديرًا لا يُسأل.
المدير الذي سيكسب المستقبل
ربما لن يكون أهم مدير رياضي في المستقبل هو الذي يعرف كل الإجابات، بل الذي يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح، ويفهم ما تقوله البيانات، ويشك فيها عندما يجب، ويعرف حدود التقنية، ثم يتحمل مسؤولية القرار، لذلك قد لا تكون المنافسة القادمة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي أصلًا. قد تكون بين: إدارة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتفكر بصورة أفضل. وإدارة تتخذ القرار أولًا، ثم تنتظر التقرير ليخبرها بما حدث، وفي قطاع رياضي سعودي يتوسع في المنشآت والاستثمار ونماذج التشغيل، قد يكون أحد أهم الاستثمارات القادمة أقل وضوحًا من ملعب جديد أو صفقة جديدة: أن نبني ناديًا يستطيع أن يفكر قبل أن يقرر، فالمستقبل ليس ناديًا يديره الذكاء الاصطناعي، بل نادٍ يعرف مديره كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي قبل أن يدفع ثمن القرار في الواقع، وعندها لن يكون السؤال: هل دخل الذكاء الاصطناعي إلى النادي؟ بل: عندما دخل.. هل جعل الإدارة تعرف ناديها أكثر؟
** **
د. نورة عبدالله العمراني - متخصصة في إدارة النوادي الرياضية وصناعة وتأهيل الكفاءات الرياضية