عبدالعزيز عبدالرحمن الخريف
يَا خَادِمَ الْقُرْآنِ طُوبَى لِلَّذِي
جَعَلَ الْحَيَاةَ لِخِدْمَةِ الْقُرْآنِ
فَإِذَا نَطَقْتَ فَبِالْهُدَى وَتِلَاوَةٍ
وَإِذَا سَعَيْتَ فَفِي رِضَى الرَّحْمَنِ
حين يرحل أهل الفضل والعلم، تبقى سيرتهم حاضرة بما خلّفوه من آثار، وما غرسوه من قيم، وما أسهموا به من أعمال امتد نفعها إلى الناس بعد رحيلهم. وليس أعظم من أن يرتبط عمر الإنسان بكتاب الله تعالى، تعلّماً وتعليماً وخدمةً ورعاية؛ فتكون حياته صفحات من البذل والعطاء، ويظل أثره ممتدّاً في نفوس من عرفوه، وفي أعمال الخير التي أسهم في بنائها ورعايتها.
وقد حظي القرآن الكريم بعنايةٍ راسخة في المملكة العربية السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيّب الله ثراه، وتواصلت هذه العناية في عهد أبنائه الملوك، وتجسّدت هذه العناية في جوانب متعددة، من أبرزها تأسيس مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، الذي يُعد صرحاً بارزاً في خدمة القرآن الكريم والعناية بطباعته ونشره في مختلف أنحاء العالم، بما يعكس اهتمام المملكة بكتاب الله وحرصها على إبراز مكانته وتعزيز حضوره في حياة المسلمين.
وفي امتداد هذه المسيرة المباركة، تبرز سيرة الشيخ سعد بن محمد آل فريان (أبو فهد)، رحمه الله، الذي ارتبطت حياته بالقرآن الكريم، وكان له دور بارز في خدمته في منطقة الرياض، تاركاً أثراً طيباً يستحق الوفاء والتوثيق، وسيرة عطرة تجسد معاني البذل والعطاء في سبيل رسالة عظيمة يتواصل نفعها عبر الأجيال. وقد ظل القرآن الكريم حاضراً في مختلف مراحل مسيرته العلمية والعملية، وموجهاً لجهوده وعطائه. قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (9) سورة الحجر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وفي هذين المعنيين الجليلين تتجلى مكانة القرآن الكريم، وشرف تعلّمه وتعليمه، وعِظَم الأجر المترتب على العناية به وخدمة أهله؛ وهي معانٍ تتصل بسيرة الفقيد، وتلقي الضوء على جانب مهم من عطائه الذي امتد سنوات طويلة.
قضيتَ حياة ملؤها البر والتقى
فأنت بأجر المتقين جديرُ
بعد مسيرة حافلة بالعلم والعطاء، وافته المنية -رحمه الله- مساء يوم الثلاثاء 19 ربيع الأول 1448هـ، وصُلّي عليه بعد صلاة عصر يوم الأربعاء 20 ربيع الأول 1448هـ في جامع الملك خالد بحي أم الحمام في الرياض، وتقدّم المصلين عليه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالرحمن آل سعود، نائب أمير منطقة الرياض، وشارك في الصلاة جمع من أصحاب السمو الأمراء والمعالي، والمشايخ الفضلاء، إلى جانب أقارب الفقيد ومعارفه ومحبيه، ثم وُوري جثمانه الطاهر في مقبرة الشمال.
وقد وُلد الشيخ سعد في الرياض عام 1350هـ، ونشأ في أسرة كريمة أولت تربيته وإخوته عنايةً خاصة، وحرصت على تنشئتهم تنشئة إسلامية تقوم على التمسك بالدين والتحلي بمكارم الأخلاق. وبتوجيه من والده، التحق في صغره بكُتّاب الشيخ صالح بن مصيبيح، حيث استهل رحلته في طلب العلم بتعلّم القراءة والكتابة، وتلقّي مبادئ تلاوة القرآن الكريم وحفظه، ثم انتقل إلى حلقة الشيخ ابن مفيريج، وكان الشيخ منصور بن إبراهيم الهويمل، رحمه الله، يتابع حفظ الطلاب ويشرف على تعليمهم؛ فبدأ الشيخ سعد الحفظ على يديه، حتى أتم حفظ عدد من أجزاء من القرآن الكريم. بعد ذلك انتقل إلى مدرسة الشيخ محمد بن سنان، وواصل فيها مسيرته حتى أتم حفظ كتاب الله كاملاً. وكانت هذه الكَتاتيب والمدارس والحلقات تقع في حي دخنة، وسط الرياض، حيث نشأت أجيال من طلاب العلم الذين جمعوا بين حفظ القرآن الكريم وتلقي مبادئ العلوم الشرعية.
لم تتوقف رحلة الشيخ عند حفظ القرآن، بل واصل تحصيله العلمي في حلقات العلماء عند مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وأخيه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمهم الله، وتلقى لديهم الأصول الثلاثة، والفقه، ومبادئ في النحو.
وفي عام 1370هـ، اُفتتح المعهد العلمي بالرياض، فالتحق به الشيخ سعد في المستوى التمهيدي، الذي يعادل الصف الخامس الابتدائي، ثم انتقل إلى المدرسة الأهلية، التي عُرفت لاحقاً باسم المدرسة التذكارية، حيث أتم دراسته الابتدائية. وبعد ذلك، عاد إلى المعهد العلمي بالرياض، وواصل دراسته فيه حتى نال الشهادة الثانوية، ثم التحق بكلية الشريعة، وتخرج فيها عام 1382هـ. وعُيّن بعد تخرجه معلماً في معهد الرياض العلمي، حيث أمضى عامين في ميدان التعليم، قبل أن ينتقل إلى دار الإفتاء، التي كانت برئاسة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من مسيرته العلمية والعملية.
وفي أثناء عمل الشيخ سعد بدار الإفتاء، برزت فكرة إنشاء حلقات لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض، انطلاقاً من الحرص على خدمة كتاب الله، والعناية بتعليمه ونشره بين أفراد المجتمع. وقد شارك (أبو فهد) في الجهود التأسيسية التي مهّدت لانطلاق هذا المشروع المبارك، إلى جانب الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله آل فريان، الذي بادر بطرح الفكرة على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فرحّب بها وأيّدها، ثم رُفعت إلى الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله، فحظيت بموافقته وتأييده. وعلى إثر ذلك، بدأت حلقات تحفيظ القرآن الكريم في مدينة الرياض، لتشكّل نواةً لمسيرة مؤسسية مباركة في تعليم كتاب الله وخدمة أهله، وصولًا إلى تأسيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض.
تواصلت إسهامات الشيخ سعد في مجالات العمل العلمي والإداري، فتولّى إدارة مراجعة المصاحف والمطبوعات، ثم عُيّن مساعداً أول للأمين العام لهيئة كبار العلماء، كما تولّى رئاسة تحرير مجلة «الدعوة الإسلامية» عام 1399هـ، وهي من المحطات التي عكست تنوّع مسؤولياته العلمية والإدارية والإعلامية، وارتباطها بخدمة الدين ونشر العلم، وتعزيز العناية بالقرآن الكريم.
ولا يكتمل الحديث عن سيرة الشيخ سعد دون التوقف عند علاقته الوثيقة بالشيخ عبدالرحمن بن عبدالله آل فريان رحمه الله، الذي تولّى رئاسة الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم منذ تأسيسها عام 1386هـ حتى وفاته. فقد جمعت بينهما صلة قرابة وثيقة؛ إذ كان الشيخ عبدالرحمن خال الشيخ سعد وابن عمه إلى جانب ما ربطهما من أواصر المحبة والصحبة العلمية. وقد لازمه الشيخ سعد، وصحبه في مجالس العلم وبعض أسفاره، ونهل من علمه، وتأثر بأخلاقه ومنهجه في العمل والعطاء. ولم تقتصر هذه الصلة على الجانب الأسري، بل امتدت إلى ميادين خدمة القرآن الكريم، حيث شارك الشيخ سعد في جوانب من المسيرة المباركة التي قادها الشيخ عبدالرحمن في هذا المجال، وأسهم معه في دعم الجهود الرامية إلى تعليم كتاب الله وتحفيظه.
وقد وظل أثر تلك الجهود شاهداً على أن العمل المخلص لا ينتهي برحيل أصحابه، بل يبقى أثره حاضراً في حياة الناس، وتتوارث الأجيال ثماره، وهو ما يُعبّر عنه قول الشاعر في معنى بقاء الذكر الطيب:
وأحسنُ الحالاتِ حالُ امرئٍ
تطيبُ بعد الموتِ أخبارُهُ
يفنى ويبقى ذكرُهُ بعدَهُ
إذا خلتْ من شخصِهِ دارُهُ
بعد تقاعد الشيخ سعد من الإفتاء، دعاه الشيخ عبدالرحمن ليكون نائباً له في الجمعية الخيرية لحفظ القرآن الكريم بمنطقة الرياض وذلك في عام 1421هـ، وبعد وفاة الشيخ عبدالرحمن عام 1424هـ، عُين الشيخ سعد رئيساً للجمعية ليحمل مسؤولية مؤسسة كان قد شارك في مسيرتها منذ مراحلها المبكرة. وواصل العمل على تطويرها، والمعروفة حالياً باسم «جمعية مكنون»، حيث أسهم خلال فترة رئاسته للجمعية في توسيع نطاق الحلقات والدور النسائية، وتوسيع برامجها التعليمية والدعوية. كما عُرف رحمه الله باهتمامه بدعم الأوقاف والمشروعات الاستثمارية المخصصة لخدمة تعلم القرآن الكريم، والتي تعد أحد الروافد الرئيسة لاستدامه العمل الخيري للجمعية. وكان الشيخ سعد يرى أن الإقبال على القرآن من الذكور والإناث باعث على التفاؤل، وأن مسؤولية الجمعية لا تقف عند افتتاح الحلقات، وإنما تشمل رعاية المعلمين والمشرفين والطلاب، وتأمين الموارد التي تجعل العمل مستمراً.
ولم تقتصر جهوده على خدمة القرآن الكريم، بل امتدت لتشمل دعم المساجد وتشييدها وعمارتها، في امتداد لاهتمامه بأعمال البر والخير، وحرصه على الإسهام في خدمة بيوت الله وتعزيز رسالتها.
لقد رحل (أبو فهد)، وبقي أثره شاهداً على مسيرة ارتبطت بكتاب الله وخدمته؛ فالقرآن الكريم الذي أفنى سنوات من عمره في خدمته باقٍ، والجهود التي أسهم في رعايتها تواصل رسالتها، والطلاب الذين نهلوا من معين القرآن يحملون في صدورهم ما تعلموه، وينقلونه إلى غيرهم. وفي ذلك ما يذكّر بأن أثر الإنسان يمتد بما يقدمه من أعمال نافعة، وأن من أعظم وجوه البر الإسهام في أعمال يستمر نفعها بعد الرحيل.
وإن من وجوه الوفاء لهذه المسيرة استحضار ما أسهمت به من خير، وما تركته من أثر في نفوس من عرفوه وفي ميادين العمل التي شارك فيها؛ فالعطاء المتصل بكتاب الله لا تقف آثاره عند رحيل أصحابه، بل يمتد نفعه بما يتواصل من تعليم وتعلّم، وما تحمله الصدور من آياته، وما يتوارثه الناس من عناية به وإقبال عليه. وهكذا تبقى سيرة الفقيد جديرة بالتوثيق والاستذكار، بما تمثله من إخلاص وبذل في خدمة كتاب الله، ومن وفاء لرسالة عظيمة تتواصل آثارها مع تعاقب السنين.
لقد كان الشيخ سعد أحد رجال جيلٍ جعلوا من العلم والتعليم وخدمة القرآن الكريم أمانةً ومسؤولية، فأسهم في هذا الميدان بما أتيح له من جهد وعطاء، وترك بعده سيرة تستحق أن تُروى للأجيال.
فَأَحي ذِكرَك بِالإِحسانِ تُزرعُهُ
يَجْمَع بِه لِكَ في الدُنيا حَياتانِ
ولى مع الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الفريان، والشيخ سعد بن محمد الفريان، والشيخ صالح بن عبدالعزيز الفريان رحمهم الله، ومع أسرتهم الكريمة، علاقة وطيدة حيث جمعتنا مجالس العلم وربطتنا أواصر التقدير والمودة، حين قدمت من حريملاء عامي 1369-1370هـ، لتلقّي مبادئ العلم على يد سماحة مفتي الديار السعودية آنذاك، الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله، في مسجده بحي دخنة ومنزله المجاور له، وذلك قبل انتقالي إلى دار التوحيد بالطائف. وقد لمست فيهم الحرص على طلب العلم واغتنام مجالس العلماء، مع لين الجانب وحسن المعاملة، والمواظبة على حضور الدروس رغبةً في التحصيل والاستزادة من العلم. وكم يعبّر هذا البيت عن الفراق، وما يتركه رحيل الأحبة في النفوس:
وَكُلُّ مُصِيبَاتِ الزَّمَانِ وَجَدْتُهَا
سِوَى فُرْقَةِ الأَحْبَابِ هَيِّنَةُ الخَطْبِ
وقد امتدت صلتنا بالفقيد عبر سنوات طويلة، توثّقت خلالها اللقاءات وتبادل الكتب والإهداءات، وازدادت متانةً بما ربط بيننا من صلات أسرية بحكم المصاهرة. ولا تزال ذكريات أيام طلب العلم في الرياض حاضرة في النفس، بما شهدته من مجالسة العلماء، وما رسّخته من معاني التقدير والمودة.
ونخص بالعزاء أشقاء الفقيد (أبا فهد)، وفي مقدمتهم الشيخ الدكتور حمد بن محمد آل الفريان وكيل وزارة العدل وعضو مجلس الشورى سابقاً، والشيخ عبدالرحمن، والشيخ إبراهيم، والشيخ عبدالله، والمهندس حسن، وإلى أبنائه وبناته وأحفاده وكافة أسرة آل فريان الكرام.
نسأل الله أن يتغمد الله الشيخ سعد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ومختتماً بهذا البيت:
طوتك يا سعدٌ أيامٌ طوت أمماً
كانوا فبانوا وفى الماضين مُعتبرُ