نجلاء العتيبي
هذه الحرب التي أثقلت القلوبَ تجعلنا نُفكّر في معنى العِشرة، وفي حق المعايشة والجوار حين تثمره السنوات مودةً ومسؤوليةً، وسط القلق، نتذكَّر وجوهًا يمنيةً عاشت معنا، وشاركتنا أيامنا، وصارت لها في بيوتنا منزلةٌ يعرفها أهل البيت، أتحدَّث هنا عن الجانب الإنساني، عن إخوة فيهم خير لنا، وفينا خير لهم، وعن صحبة يتساند أصحابها حين تشتدُّ المحن.
من واقع تجربتنا لنا أخٌ من اليمن، من أبناء القبائل الأصيلة، قضى معنا قرابة خمسين عامًا، يصعُبُ اختصار حضوره في عمل يؤدّيه؛ فقد عرف أفراح الأسرة، وواسى أحزانها، وشهد أبناءها يكبرون؛ فامتدَّت علاقتنا به إلى أهل وأبناء، وصارت صلته جزءًا من تاريخنا العائلي، وفي مكالمة هاتفية معه، جمعنا همٌّ واحدٌ: سلامة المملكة، ووجع اليمن، والخوف على الأبرياء الذين يدفعون ثمن حرب يريدون نهايتها.
سمعت في حديثه صدق رجلٍ يعرف البلد الذي عاش فيه، ويعرف وطنه الذي يتألَّم لأجله، يستنكر أفعال الحوثي في اليمن، ويستنكر عدوانه على المملكة العربية السعودية، قِبلة المسلمين، وبلاد الحرمين، يتمنَّى زوال هذا الأذى، وأن يستعيد اليمنيون حقَّهم في حياة آمنة، وأن يعود الجوار بابًا للتواصل والاطمئنان، وجدتُ في كلماته حرصًا على بلدينِ، يحمل لأحدهما انتماءه، وللآخر عشرة عمره.
قُبح أفعال الحوثي يتجلَّى في الاستهانة بأمان الناس، وفي تحويل حياة الأُسر إلى انتظار مرهق، وفي جعل مصالح اليمن رهينةً لمشروع يطيل مأساته؛ فأيُّ مكسبٍ يستحقُّ دمعةَ أُمٍّ، أو خوف طفل، أو انقطاع رزق؟ وكيف يُطلَب من شعب أن يقبل دوام الشقاء؟ إن إدانة هذه الأفعال موقفٌ ينتصر للإنسان اليمني، ويطالب بحقه في وطن تُصان فيه حياته، وتُحترم إرادته، وتُفتح أمام أبنائه سُبُل المستقبل.
وفي المملكة يعرف مَن عاش بين أهلها قيمة الأمان، وكرم الاستقبال، وفرص العمل، وما تمنحه المؤسسات من انتظامٍ يحفظ للناس شؤون حياتهم، وتبقى رعاية الحرمينِ وخدمة قاصديهما من أعظم وجوه عنايتها، وللسعوديين في علاقاتهم اليومية مواقفُ تستحقُّ الذكر: سؤال عن غائب، ومساعدة لمحتاج، ورعاية لأسرة، وحفظ لعلاقة امتدَّت سنواتٍ؛ فمحاسن الوطن يلمسها المقيم في تجربته، ويشهد بها من أنصف ما رأى.
لهذا تُؤلمنا حالات فردية تتهجَّم على المملكة، وتجحدُ فضلها، وتستخفُّ بمشاعر أهلها، ونقد تلك الإساءة واجب، ورفضها حقٌّ، ومحاسبة صاحبها تكون بقدر فعله، أما أن تحمل أخطاء أفراد على إخوة عرفنا صدقهم، فذلك ظلمٌ للعلاقة ولأصحابها، يستطيع الإنسان أن يرفض التجاوز بحزمٍ، ويحفظ للمخلصين مكانتهم؛ فالعدل يُقوّي الموقف، ويمنح الكلمة وزنها، ويجعل الاعتراض واضحًا في سببه وحدوده.
وأبناء اليمن المخلصون للمملكة يستحقُّون أن يُسمَع صوتهم، وأن يعرف الناس مواقفهم، يجمعون بين حب وطنهم وتقدير السعودية، ويرون في أمن الجار عونًا لأمنهم، وفي استقرار المنطقة فرصةً لأبنائهم؛ فالتزامهم بالمعروف يظهر في الأمانة، وفي الدفاع عن الحق، وفي رفض الإساءة إلى مَن أحسن إليهم، هؤلاء شركاءُ عِشرةٍ، ولهم من الصدق ما ينبغي أن يُقابَل بالتقدير وحسن الظن.
ونحن السعوديين أهل شهامة، نعتزُّ بوطننا، ونحفظ حقَّ مَن أحبَّنا وصدق معنا، وتظلُّ العِشرة الطويلة أمانةً في أعناقنا، نصونها لأصحابها، ونورث أبناءنا احترام من شاركنا حياتنا، تبقى مكالمتي مع أخينا اليمني شاهدًا على صلة نمتْ عبر نصف قرنٍ، واختبرتها الأيام فازدادت رسوخًا، أسأل اللهَ أن يحفظ المملكة وأهلها، وأن يرفع عن اليمن كربه، ويجمع أبناءه على ما يصون دماءهم وكرامتهم، ففي نهاية هذا الوجع، نريد لأحبَّتنا هناك صباحًا يخرجون فيه إلى أعمالهم مطمئنين، ولأطفالهم بيوتًا آمنة، ولجوارنا أخوة تواصل ما بدأته السنوات من خير.
ضوء:
«وقوفنا مع اليمن لم يكن خيارًا، بل واجبًا لنصرة الشعب اليمني».
- الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله وأدامه ذخرًا للمسلمين.