د.شامان حامد
لا شيء يُشبه وطأة الحروب الطويلة سوى قدرتها الخفية على تطبيع الانهيار، وحين يتحول الصراع المُسلح من مواجهة عسكرية على خطوط القتال إلى زحف ناعم داخل تفاصيل الحياة اليومية، تصبح المعركة الحقيقية أعمق بكثير من مجرد استعادة مدينة أو رفع علم على مبنى حكومي، فالتحدي الأوسع الذي يواجه اليمن اليوم لا يكمن فقط في حسم الجُغرافيات، بل في تفكيك منظومة كاملة من الهيمنة التي استوطنت الإدارات، والمحاكم، والمنافذ الاقتصادية، محاولةً ترسيخ شرعية الأمر الواقع كقدر محتوم لا مفر منه.
التجارب التاريخية الكبرى للأمم التي خرجت من أتون الحروب الأهلية العميقة –كأنماط العدالة الانتقالية وبناء المؤسسات في تجارب دولية متعددة– تقدم لنا درساً جوهرياً، فالسلام الهش الذي يكتفي بإيقاف دوي القناطر بينما يترك السلاح والموارد المالية خارج سيطرة السلطة المركزية، ليس سوى استراحة متقطعة لحرب قادمة أشد ضراوة. في اليمن، لا يمكن لأي تسوية مستقبلية أن تنجح إذا ظلت المؤسسات السيادية رهينة لتوازنات القوى المسلحة، أو إذا جرى تقاسم إيرادات الدولة ومنافذها التجارية بين أمراء الحرب كحصص غنيمة. إن أي جماعة تحتفظ بجيشها الخاص ومصادر تمويلها المستقلة عن الموازنة العامة، ستظل قادرة على تعطيل أي مسار وطني، تماماً مثلما تبقى أي بنية إدارية مسلحة داخل الدولة منسجمة مع ذاتها الانقسامية لا مع مصلحة المواطن.
الخطر الأكبر الذي يواجه اليمنيين اليوم يتمثل في محاولة تحويل «الاضطرار اليومي» إلى «قبول سياسي»، فحين يجد المواطن نفسه مجبراً على مراجعة مؤسسات خاضعة لجماعة مسلحة لتثبيت ملكية، أو توثيق زواج، أو متابعة إرث، فإن ذلك لا يعكس تأييداً شعبياً، بل يعبر عن غياب البديل الفاعل. وهنا بالضبط تكمن المعضلة؛ فاستعادة السيادة تبدأ عندما تنتقل الدولة من حالة الاعتراف بحقوق مواطنيها نظرياً إلى القدرة الفعلية على حمايتها وصرف رواتبهم وتأمين خدماتهم الأساسية، بحيث يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن القضاء المستقل يقف على مسافة واحدة بين الخصوم، لا أن يكون أداة لتصفية الحسابات أو حماية المتنفذين.
إن مشروع التعافي الوطني في اليمن لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة إنتاج للوضع الذي كان قائماً قبل عام 2014، فهذا الماضي نفسه كان يعاني اختلالات جوهرية هي التي مهّدت الطريق أمام الانهيار والانقلاب. ما يحتاجه اليمن هو إعادة هندسة شاملة لمفهوم الدولة:
* احتكار القوة العسكرية والأمنية في يد مؤسسة دستورية واحدة تخضع لمعايير وطنية واضحة وتجنيد فردي مهني.
* إخضاع الإيرادات العامة والمنافذ الاقتصادية لسلطة الخزينة العامة، وقطع دابر أي تمويل خارجي للجماعات المسلحة.
* بناء قضاء مهني مستقل يضمن المحاسبة العادلة للجميع دون انتقائية أو استواء بين الضحية والجلاد.
إن الخروج من النفق اليمني المظلم ممكن، لكنه يتطلب شجاعة سياسية وفكرية ترفض الحلول السطحية التي تؤجل الانفجار ولا تلغيه. اليمنيون الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وأمنهم يستحقون دولة تليق بتضحياتهم؛ دولة تحمي حقوقهم، وتصون كرامتهم، وتضمن ألا يعود شبح الانهيار ليهدد مستقبل أجيالهم عند كل منعطف إقليمي جديد.