منصور بن صالح العُمري
ولعل هذه الخاطرة أجمل ما كتبت لكم، وأكمل ما سطرت من خواطر؛ لا لبلاغة حرف ولا لبراعة بيان، ولكن لشرف من تتحدث عنه، وجلال من تتفيأ الكلمات ظلال أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ فكل بلاغة دونه قاصرة، وكل جمال من آثار جماله، سبحانه جل في علاه. ما من جرح إلا وبلسمه في أسماء الله وصفاته، وما من هم إلا والفرج منه في التعبد لله بها بيقين الواثق، وما من أمنية إلا ومنبتها وسقياها وقطافها في بساتينها. وما أشد فقر القلب إلى معرفة ربه! فقد يمتلك المرء من أسباب الحياة ما تزدحم به يداه، ثم يبيت وفي صدره وحشة لا يطردها أنيس، وظمأ لا ترويه أنهار الدنيا؛ حتى إذا أقبل على الله بقلبه، وأبصر من معاني أسمائه ما كان عنه غافلًا، أحس كأن نافذةً فتحت في أعماقه، فتدفق منها نور لم تستطع ظلمات الحياة أن تحجبه. إنها الأسماء الحسنى؛ رياض الأرواح إذا أجدبت، ومرافئ القلوب إذا عصفت بها أمواج الحياة، ومفاتيح الرجاء حين تستعصي على العبد أبواب الأسباب. فكم من قلب دخلته الأحزان حتى لم تترك فيه موضعًا لفرح، ثم تعلق باسم الله اللطيف، فإذا به يرى وراء الحوادث التي أبكته تدبيرًا لم يكن يدرك حكمته، ويستشعر من رحمة الله ما يجعل البلاء، على مرارته، طريقًا إلى معرفة بربه ما كان ليبلغها في أيام الرخاء. وكم من عبد وقف على أطلال أمنية دفن عندها أعوامًا من الانتظار، فلما ظن أن آخر أوراق الرجاء قد سقطت، أشرق في قلبه معنى اسم الله الوهاب؛ فعلم أن خزائن الله لا يحرسها عجز، وأن ما استحال في حساب البشر لا يعجز رب البشر، وأن الذي يخرج من البذرة المدفونة شجرةً باسقة قادر على أن يخرج من قلب المحنة منحةً لا تخطر على بال. وحين يثقل الذنب على الروح حتى تكاد تنحني تحت وطأة الندم، يأتي اسم الله الغفور كغيث ينزل على أرض أحرقتها الخطايا؛ لا ليهون من شأن المعصية، بل ليفتح للتائب بابًا إلى رحمة أعظم من ذنبه، فيبكي هذه المرة لا من قسوة اليأس، بل من حياء الرجاء. ولله في أسمائه من جلال العظمة ما يسقط من القلب هيبة المخلوقين إذا زاحمت هيبة الخالق؛ فهو العزيز الذي لا يغالب، والقوي الذي لا يعجز، والقيوم الذي قامت به السماوات والأرض. فإذا استقرت هذه المعاني في القلب، صغرت أمامه سطوة الأسباب، ولم يعد يرى في عظمة المخلوق ما يحجب عنه عظمة الخالق.
ولله في أسمائه من جمال الرحمة ما يجعل العبد إذا خلا بربه لا يشعر أنه وحيد؛ فهو السميع الذي لا تختلط عليه الأصوات، يسمع دعاء المضطر وهمس المنكسر، وأنين المريض في فراشه، ونجوى الأم عند مهد صغيرها؛ يسمع الجميع، ولا يشغله نداء عن نداء، ولا تخفى عليه دمعة استعصت على السقوط. وهو العليم؛ يعلم الحكاية التي لم تروها لأحد، والوجع الذي عجزت عن وصفه، والخير الذي ترجوه ولا تعرف كيف تسأله، والشر الذي يقترب منك وأنت تحسبه أمنيةً جميلة، فكم من باب بكيت لإغلاقه، ولو كشف لك ما وراءه لبكيت شكرًا على أنه أغلق! ثم تأمل اسم الله الحكيم؛ كيف يسكب في القلب سكينة التسليم حين تعجز العقول عن إدراك الحكمة. فقد يؤخر عنك ما تحب، ويصرف عنك ما تشتهي، ويقدر لك ما تكره، ثم تمضي الأيام فتنكشف لك بعض وجوه الحكمة، وتبقى وجوه استأثر الله بعلمها؛ فلا يزيدك خفاؤها إلا ثقةً بحكمته. يا لروعة الإيمان حين تتحول أسماء الله من معارف تحفظها الذاكرة إلى حقائق تحيا بها الروح! عندئذ لا يعود العبد يفتش عن الطمأنينة في خلو حياته من الأحزان، بل يجدها في معرفته بمن يدبر حياته؛ ولا يقيس قرب الفرج بقرب الأسباب، بل بسعة قدرة من يقول للشيء كن فيكون. وهنا يبلغ القلب من جمال العبودية منزلةً عجيبة؛ يعطى فيشكر، ويمنع فيرضى، ويبتلى فيصبر، ويذنب فيتوب، ويحسن فيرجو القبول، فلا يرى لنفسه غنًى عن ربه في حال من أحواله. وإذا كانت الجنة دار النعيم الذي لا ينفد، فإن أعظم نعيم أهلها النظر إلى وجه الله الكريم؛ فكيف بقلب عرف في دنياه شيئًا من جلال أسمائه وجمال صفاته، ثم أكرمه الله يوم اللقاء برؤية وجهه سبحانه؟! {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (180) سورة الأعراف. فيا أيها السائر إلى الله، لا تجعل حظك من أسمائه حروفًا تتردد على شفتيك، وقلبك غريب عن معانيها؛ بل افتح لها أبواب روحك، وتعبد لله بمقتضاها، واسأله بها، واستحضرها في رخائك قبل شدتك، وفي عافيتك قبل بلائك. فإن أعظم ما تثمره معرفة أسماء الله الحسنى ليس أن ترى كل ما تتمناه يتحقق، بل أن تعرف ربك معرفةً تجعل رضاه أحب إليك من أمنياتك، والثقة بحكمته أرسخ في قلبك من تقلب أحوالك. وحين يبلغ القلب هذه المنزلة، لا تعود الدنيا، على سعتها، قادرةً على أن تمنحه ما هو أعظم من معرفته بالله، ولا على أن تسلبه ما استقر فيه من اليقين به.
فيا رب، إن كانت في الأرض بساتين تبهج العيون بأزهارها، فإن في معرفة أسمائك وصفاتك رياضًا تحيي القلوب بأنوارها؛ فاجعل لنا من معرفتك ما يورث محبتك، ومن محبتك ما يثمر طاعتك، ومن طاعتك ما يبلغنا رضاك؛ حتى نلقاك وقد امتلأت قلوبنا بك رجاءً ومحبةً وتعظيمًا، وأنت راض عنا.