ناهد الأغا
يُتخذ حب الأوطان أشكالاً متعددة تبعاً لتعدد التجارب الإنسانية، كما تتباين مشاعر الانتماء وفقاً لاختلاف المسارات، فقد يرتبط الفرد بوطنه عبر الجغرافيا، بينما يرتبط بآخر عبر الوجدان، وأنا، إذ عشت على أرض المملكة العربية السعودية مدة تجاوزت ثلاثين عاماً، أؤكد أن هذه الأرض تحولت في تجربتي إلى بيت وذاكرة ومصير. لقد استقبلتني المملكة كما تستقبل الأم أبناءها العائدين، فلم أشعر بأنني بين غرباء، بل بين أهل وإخوة، تجمعنا روابط الدين، وتشدنا أواصر المحبة، ويوحدنا مصير مشترك، وقد رأيت قيادة ترفع هم الأمة، وتحفظ للأمة مكانتها، وتصون هيبتها، وتمضي بها نحو المكانة التي تليق بها بين الأمم.
أنا، كسورية أعرف تماماً من وقف معنا حين تخلى العالم، عرفته حين صمتت العواصم، وتباعدت المسافات، وحين بحثنا عن وطن يستقبلنا، كانت السعودية وشعبها نعم السند؛ سنداً في وقت الحاجة، وسنداً في زمن الحمل الثقيل، سند لم يتوقف عند حد، ولم ينته عند مدى، وهذا ما يشهد به من عاش هنا.
لكن الذاكرة التي تحفظ الجميل لا تكتفي بالتذكر، فالذاكرة الحية تتحرك حين يتحرك الخطر، واليوم، إذ تستهدف الاعتداءات الحوثية المدنيين والأعيان المدنية في هذه الأرض، أجد نفسي أمام مسؤولية أن أقول ما يجب أن يقال، إن الصواريخ والمسيرات التي تنطلق من الأراضي اليمنية التي يسيطر عليها ميليشيا الحوثيين نحو المدن السعودية تمثل نهجاً إرهابياً ممنهجاً يستهدف المدنيين والأعيان المدنية، ومن مطار أبها إلى محاولات استهداف الرياض، ومن تهديد المنشآت النفطية إلى محاولة الوصول إلى مكة المكرمة، يسعى هذا النهج إلى إبقاء المنطقة في دوامة الصراع.
وهذه الاعتداءات، وإن استهدفت الأرض، فإنها تستهدف أيضاً الوجدان الذي عاش عليها، وأتساءل كيف يُقبل أن تُستهدف أرض فتحت أبوابها للملايين، واحتضنت من فقدوا أوطانهم، وجعلت من الغريب أخاً؟ إني أدين هذه الاعتداءات الإرهابية لأنني مقيمة على هذه الأرض، ولأنني أعرف الفرق بين من يبني ومن يحرق، وبين من يحمي ومن يهدد، وأقف صفاً واحداً خلف قيادة المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، خلف قيادة تحمل هم الأمة، وتحفظ للأمة مكانتها، وتمضي بها نحو ما تستحقه من مكانة بين الأمم.
وتبقى المملكة قوية، تمضي بثبات في مسيرة البناء والتنمية، وتمثل نموذجاً فريداً في إدارة مفهوم الخط الأحمر؛ فهي تجمع الشرعية الدينية برعايتها للحرمين الشريفين، والشرعية القانونية بحقها في الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، والشرعية الشعبية بتماسك شعبها حول قيادته، وهي ثلاثية متكاملة تصنع معادلة يصعب تكرارها، وتجعل من السعودية حالة استثنائية في فهم العلاقة بين الأمن والسيادة والمكانة.
وأنا، التي عشت بين هذا الشعب، أعرف أن هذا التماسك حقيقة واقعة، أعرفه كما أعرف نفسي.
وختاماً، أرى أن السعودية خط أحمر، وألف خط أحمر؛ فهي تحمل الحرمين، وتفتح أبوابها للمحتاجين، وتحميها قيادة تحمل هم الأمة، وشعب وفي، ومن تجاوزها فليعلم أن بعده حزماً وعزماً ونصراً من الله، سلام على أرض وشعب وقيادة ووطن..
السعودية خط أحمر، وألف خط أحمر.