علي بن عبدالله علي الوهابي
(اشترِ بيتًا لكي تستقر).. عبارة ترددت على مسامع أجيال حتى أصبحت لدى كثيرين أقرب إلى قاعدة لا تقبل النقاش. فالبيت في وجدان المجتمع ليس مجرد جدران وسقف وإنما رمز للأمان والاستقرار وبداية حياة أكثر طمأنينة.
لكن ماذا لو تحول هذا البيت مع مرور الوقت من مصدر للاستقرار إلى مصدر دائم للقلق؟
تخيل شاب في مقتبل العمر لديه وظيفة وراتب ثابت يحصل على تمويل عقاري قد يبلغ سعره فوق المليون من غير الفوائد بحثًا عن «بيت العمر». و يوقّع عقدًا يمتد لسنوات طويلة وقد يجد نفسه أمام قسط يلتهم نسبة كبيرة من راتبه وربما يصل في بعض الحالات إلى أكثر من نصف الدخل.
في البداية يبدو الأمر ممكنًا..فالراتب موجود والمنزل أصبح ملكًا والأسرة سعيدة بالانتقال إلى بيت جديد. لكن الحياة لا تبقى على حالها الأبناء يكبرون والمصروفات تتزايد والسيارة تحتاج إلى صيانة والتعليم له تكاليفه والطوارئ لا تستأذن أحدًا.
وهنا يبدأ القسط في كشف وجهه الآخر
جزء كبير من الراتب يذهب في بداية الشهر وما يتبقى يجب أن يكفي الطعام والفواتير والمواصلات والتعليم والاحتياجات اليومية فضلًا عن الالتزامات الطارئة.
ومع مرور السنوات قد يجد الإنسان نفسه في دائرة مالية مغلقة لا يستطيع الادخار ولا يملك هامشًا كافيًا لمواجهة الطوارئ وقد يلجأ إلى تمويل آخر أو بطاقة ائتمانية أو استدانة مؤقتة لسد احتياجات لم تعد الميزانية قادرة على استيعابها.
والأمر لا يتوقف عند الجانب المالي
فالضغط المالي المستمر قد ينعكس على الأسرة وعلاقاتها وحياتها اليومية. مناسبات اجتماعية يتم الاعتذار عنها ورحلات تتأجل واحتياجات يتم تأجيلها وأمنيات صغيرة تتحول إلى حسابات دقيقة قبل اتخاذ أي قرار.
أما القلق من المستقبل فهو قصة أخرى.
فالإنسان الذي يعرف أن عليه التزامًا ماليًا ثابتًا لخمسة عشر عامًا أو عشرين عامًا أو أكثر قد يشعر بأن جزءًا كبيرًا من مستقبله قد أصبح مرهونًا بذلك القسط.
وهنا لا بد من طرح سؤال مهم ..هل امتلاك المنزل بأي تكلفة مالية يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار؟
ربما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهومنا للاستقرار السكني.
فليس كل من يسكن في منزل مملوك يعيش بالضرورة في راحة وليس كل من يسكن بالإيجار يعيش بالضرورة في عدم استقرار.
لقد تغيرت أسعار العقارات وتغيرت متطلبات الحياة وتعددت الالتزامات بينما بقيت بعض المفاهيم الاجتماعية كما هي تزوج ، وابني ، واشتري ثم تحمّل القسط مهما كان.
وهذه المعادلة تحتاج إلى مراجعة
ليس المقصود هنا الدعوة إلى عدم تملك المساكن ولا التقليل من أهمية أن يكون للإنسان منزل يؤويه وأسرته. .فالملكية هدف مشروع وقد تكون خيارًا ماليًا مناسبًا لكثير من الأسر.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح حجم المنزل أكبر من قدرة صاحبه المالية أو عندما يتحول السعي إلى التملك إلى التزام يستنزف معظم الدخل ويمنع الأسرة من بناء احتياطي مالي يحميها من تقلبات الحياة.
فالقرار الصحيح ليس أن تسأل فقط: «كم يعطيني البنك؟»
السؤال الأهم هو: «كم أستطيع أن أدفع دون أن أخسر توازني في الحياة؟»
فقد يكون المنزل الأصغر أو الموقع الأقل تكلفة أو حتى الإيجار لفترة من الزمن خيارًا أكثر ملاءمة من الدخول في التزام طويل يستنزف الدخل.
الإيجار أيضًا لا ينبغي أن يُنظر إليه دائمًا باعتباره مالًا ضائعًا. فقد يكون في بعض الحالات ثمنًا للمرونة خصوصًا إذا كان البديل قسطًا يلتهم الجزء الأكبر من الراتب.. فالاستقرار الحقيقي لا تقيسه مساحة المنزل ولا فخامة الواجهة ولا قيمة العقار وحدها.
الاستقرار أن يكون لديك منزل مناسب ودخل يكفي احتياجات أسرتك وقدرة على مواجهة الطوارئ وهامش للادخار ومساحة في حياتك للاستمتاع بسنوات عمرك وأنت مطمئن.
فما الفائدة من منزل جميل إذا كان صاحبه يعيش داخله وهو يفكر في موعد القسط القادم؟
وما قيمة أن نملك «بيت العمر» إذا استهلك هذا البيت جزءًا كبيرًا من أجمل سنوات العمر؟
لقد حان الوقت لأن نعيد تعريف (بيت العمر)
فربما لا يكون بيت العمر هو ذلك المنزل الذي نسدد ثمنه حتى نشيب وإنما البيت الذي يمنحنا السكينة دون أن يسلب منا القدرة على الحياة.
فالبيت ينبغي أن يكون مأوى للإنسان لا أن يصبح الإنسان مأوى للدين.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا ..
هل هو فعلًا (بيت العمر).. أم أننا في بعض الحالات نشتري (قفص العمر) ونحن نظنه استقرارًا ؟