د. أنس عضيبات
تحت أقدامنا، في عتمة التراب وسكونه، يمارس النمل هندسة دقيقة للبقاء تتجاوز مجرد الادخار الغريزي؛ إذ لا يكتفي بحمل حبة القمح إلى مخازنه لتقيه برد الشتاء، بل يعمد بوعي فطري إلى شطرها نصفين وإتلاف بؤرة نموها، حيث تدرك هذه الكائنات الصغيرة أن الحبة الكاملة متى لامست رطوبة الأرض ستنبت حتماً، وأن إنباتها داخل السراديب المظلمة لن يثمر سنابل، بل ستتحول جذورها وسوقها إلى معاول هدم تقتلع الجدران وتسقط السقف فوق رؤوس المستعمرة، فالكسر هنا ليس فعلاً تخريبياً ولا تبديداً للموارد، بل هو تعطيل استباقي لنمو فائض في غير أوانه ومكانه، يهدد استقرار البناء ونسف منظومة الأمان الجمعي.
فهذا المشهد البيولوجي يفتح نافذة عميقة على دهاليز النفس البشرية؛ فكم من بذرة نخزنها في مساحات اللاشعور دون أن نملك شجاعة كسرها؟ نحن نكدس رغبات معلقة، وطموحات مفرطة لم تنضج، وأحقاداً دفينة نتوهم أن إخفاءها في العتمة يحمينا، متناسين أن الرغبة غير المروّضة تشبه تماماً تلك الحبة الحية في الطين، حيث ينمو الطموح الجامح إذا غاب عنه التوازن ليتحول إلى هاجس يخنق راحة صاحبه، كما ينبت الغضب الصامت في عتمة الكتمان على هيئة انفجارات عاطفية غير محسوبة تطيح بأمتن العلاقات الإنسانية، وإن النجاة النفسية تبدأ حين ندرك أن بعض النوازع والنزوات يتطلب بتر أطرافه الحادة قبل أن يتمدد ويقوض سلامنا الداخلي. وعلى المستوى الجمعي، يترجم هذا السلوك أزمة المجتمعات المعاصرة الغارقة في ثقافة الاستهلاك والمراكمة اللانهائية، حيث غاب مفهوم حد الكفاية لصالح تضخم الأنا، وحين تترك المنظومات بذور الأنانية، والتكديس المادي، والامتلاك غير المقيد لتنبت وتتوغل دون تهذيب قيمي أو ضوابط مجتمعية، تستيقظ البنية الاجتماعية فجأة على تصدعات طبقية حادة وعزلة إنسانية جارفة تقتلع السقف الأخلاقي المشترك الذي يظلل الجميع، والتراكم غير الواعي ليس مؤشراً على الازدهار دائماً، بل قد يكون احتقاناً صامتاً ينتظر لحظة التداعي، ما لم تضبط المجتمعات مسارات نموها وتضع خطوطاً حمراء أمام النهم الفردي المتوحش.
ولا تكتمل فلسفة النمل عند حدود الكسر، بل تمتد إلى إدارة الأزمات عبر المكاشفة؛ فإذا ما تسربت مياه الأمطار إلى المخازن، سارعت المستعمرة إلى إخراج الحبوب المشطورة لتعريضها لأشعة الشمس المباشرة تجنباً للعفن، وهذه الخطوة تمثل جوهر المناعة النفسية والاستقرار الاجتماعي، فالأفكار والنزاعات المتروكة في الرطوبة تفسد وتفرز سموماً تدمر النسيج من الداخل، وحدها شمس الصراحة والمكاشفة المجتمعية قادرة على التطهير والوقاية، فشطر الحبة ليس علامة عجز، بل هو قمة الحكمة التي تعلمنا أن التنازل المحسوب وترويض الرغبات هما صمام الأمان الوحيد كي لا تبتلعنا مخازننا، وكي يبقى السقف ثابتاً فوق الرؤوس.