محمد بن عبدالله العتيق
حين يتجاوز الصبر حدود التوقع، لا يعني هذا أن الحكاية قد انتهت، بل إن العقل البشري يزن الأمور بميزان أثقل من رغبة الانتقام العابر أو الانفعال اللحظي. المملكة العربية السعودية، بتاريخها الممتد وكيانها الثابت، تجد نفسها مرارًا في واجهة اختبارات قاسية تفرضها ظروف إقليمية معقدة ومتغيرات متسارعة لا تنتهي. وما يعتقد البعض خطأً أنه تردد أو تراجع، هو في الواقع قراءة هادئة للمشهد، وتقدير دقيق لعواقب الأمور التي لا تهتم بالاستعراض بقدر ما تهتم بحماية الأرواح وضمان استقرار المكتسبات، وإدراك عميق بأن القرار الحكيم يحتاج إلى برود أعصاب وصلابة في آنٍ واحد.
الإسلام في هذه البلاد ليس ورقة ترفع في وجه الخصوم عند الحاجة، ولا شعارًا يتغير بتغير المواسم السياسية، بل هو ناظم أخلاقي ومرجعية حضارية تحكم التصرفات في أوقات السلم كما في أوقات المحن. وحين تخرج جماعات وتيارات ترفع الرايات وتتزين بالشعارات البراقة ثم تمارس الغدر وتستبيح الدماء المعصومة، فإنها تفصم عروتها تمامًا عن هذا الدين الحنيف. من تجربتي، المواقف الحقيقية للكيانات والدول تظهر بوضوح حين تختلط الأوراق، وتصبح حماية الأبرياء وصيانة الدماء هي المعيار الحقيقي للالتزام بالقيم، بعيدًا عن الخطب الحماسية والكلمات المبرمجة التي لا تقي دمًا ولا تحفظ أمنًا ولا تصنع مجدًا حقيقيًا على الأرض.
من يقرأ التاريخ السياسي والعسكري للمملكة يدرك تمامًا أن صبرها ليس ضعفًا، وضبط النفس فيها لا ينبع من قلة الحيلة بل من ثقل المسؤولية ووعي كامل بحجم التبعات.
الدولة التي تمتلك زمام أمرها تدرك جيدًا أن الرد السريع قد يشفي غليلًا مؤقتًا، لكنه قد يفتح بابًا للدمار والفتن لا يستطيع أحد إغلاقه متى انفتح. هناك شعرة دقيقة تفصل بين الحكمة والانكفاء، والقيادة هنا تعرف جيدًا كيف تمسك بهذه الشعرة دون أن تفقد سيطرتها على الموقف، فالدفاع عن الوطن وحمايته لا يحتاج إلى صخب إعلامي بقدر ما يحتاج إلى وعي استراتيجي وصلابة في اتخاذ القرار المناسب في وقته المناسب، بعيدًا عن الارتجال الذي يعقد المشهد ولا يحله.
الأحداث الكبرى تكشف معادن الجميع، ولا تترك مجالاً للمواقف الضبابية أو الرمادية التي تحاول الوقوف في منتصف الطريق. العالم اليوم يعيش حالة من الاستقطاب الحاد، حيث يكتفي البعض ببيانات إدانة خجولة تفتقر إلى الجرأة في تسمية الأشياء بأوصافها الحقيقية، بينما يتكشف الوجه الحقيقي لمن يضمر الشر لهذا الوطن أو يتواطأ بالصمت. التاريخ لا يرحم الذاكرة الجماعية، وهو يسجل بدقة من يقف إلى جانب الحق ومن يختار التواطؤ أو الفرجة في لحظات الاختبار الفاصلة. هذه المواقف لم تعد خافية على أحد، وأصبحت الأقنعة تسقط تباعًا أمام هول الواقع وصلابة الحقائق التي لا تقبل التأويل.
الاعتماد على النفس والاستناد إلى وعي الشعب وصلابة الأجهزة الوطنية هو الرصيد الحقيقي الذي لا ينفد مع مرور الأيام. الجندي الذي يرابط على الحدود بعزم لا يلين، والمواطن الذي يدرك حجم المؤامرات المحيطة ببلاده ويقف صفًا واحدًا مع قيادته، يشكلان سدًا منيعًا يصعب اختراقه مهما بلغت قوة المعتدين. الأوطان التي تحرسها العزيمة الصادقة والوعي الجمعي لا تهزها الرياح العابرة ولا تنال منها دسائس الطامعين. وستبقى هذه البلاد راسخة في مكانتها، تؤدي دورها التاريخي والإنساني، متجاوزة كل العقبات بروح هادئة وثقة مطلقة بأن المستقبل للحق والثبات، وأن الأيام ستثبت دائمًا أن من يحمل الخير لوطنه وأمته لا ينكسر أبدًا.