سعدون مطلق السوارج
ليست الخطابات الكبرى في تاريخ الدول مجرد كلمات تُقال في مناسبة رسمية، بل قد تتحول في اللحظات المفصلية إلى وثائق تقرأ حصيلة مرحلة، وتكشف فلسفة الدولة، وتحدد اتجاهها في سنواتها المقبلة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الخطاب الملكي السنوي الذي ألقاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.
فالحدث انعقد تحت قبة الشورى، لكن الصورة التي رسمها الخطاب كانت بحجم المملكة: ثلاثة قرون من جذور الدولة، وعشر سنوات من رؤية السعودية 2030، واقتصاد يعيد بناء مصادر قوته، وإنسان يتصدر أولويات التنمية، ومؤسسات تتطور، وقدرات تحمي المكتسبات، وسياسة خارجية تتحرك بثوابت واضحة، ومستقبل لم يعد يُنتظر حتى يأتي، بل تُبنى أدواته منذ اليوم.
ولهذا جاءت عبارة سمو ولي العهد: «إن الهدف الأساس لكل ما تقوم به الدولة، هو رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة فيه»، لتضع مفتاحًا لقراءة الخطاب كله؛ فالاقتصاد والتعليم والصحة والإسكان والتقنية والأمن ليست ملفات متجاورة في عمل الدولة، وإنما مسارات تتجه في النهاية إلى غاية واحدة: وطن أكثر ازدهارًا، وإنسان أكثر قدرة، ومكتسبات أكثر استدامة.
ولفهم عمق هذه الصورة، لا بد أن تبدأ القراءة من التاريخ.
فالدولة السعودية تكمل في يوم التأسيس المقبل، وفق ما جاء في الخطاب الملكي، ثلاثة قرون منذ نشأتها؛ ثلاثة قرون تعاقبت خلالها المراحل والظروف، فيما بقيت جذور الدولة وقيمها وهويتها راسخة. ثم جاء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، فوحّد المملكة، وبنى مع توحيد الأرض مؤسسات الدولة الحديثة، وجعل الشورى جزءًا مبكرًا من ذلك البناء.
وتكشف الوثائق الرسمية أن المجلس الشوري الأهلي تأسس عام 1343هـ/ 1924م بعضوية اثني عشر عضوًا، ثم تعاقبت مراحل تطويره في أعوام 1925 و1926 و1927 و1928، وصولًا إلى صدور نظام مجلس الشورى الحديث عام 1412هـ/ 1992م. واليوم يتكون المجلس من رئيس ومئة وخمسين عضوًا من أهل العلم والخبرة والاختصاص.
وليست القيمة التاريخية في الانتقال من اثني عشر عضوًا إلى مئة وخمسين عضوًا بحد ذاته، وإنما فيما يكشفه هذا الامتداد من تطور مؤسسة مع تطور الدولة. فالشورى لم تكن بناءً منفصلًا عن مسيرة الحكم السعودي، بل نمت واتسعت اختصاصاتها كلما اتسعت مسؤوليات المملكة وتعقدت متطلبات إدارتها وتنميتها.
وهنا تحديدًا تظهر بصمة القيادة عبر التاريخ: مؤسسات لا تبقى أسيرة الشكل الذي بدأت به، وإنما تتطور كلما تطورت الدولة.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، دخلت المملكة مرحلة تحول واسعة مع رؤية السعودية 2030 بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله؛ مرحلة لم يكن المقصود منها إضافة مشروعات إلى اقتصاد قائم فحسب، وإنما إعادة توسيع قدرات الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة استعدادًا لعقود مقبلة.
وبعد عشر سنوات من إطلاق الرؤية، أصبحت النتائج قابلة للقياس. فقد أعلن سمو ولي العهد أن مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات رؤية السعودية 2030 حققت 93 في المئة من مستهدفاتها، وأن الصادرات غير النفطية سجلت نموًا بلغ 155 في المئة مقارنة بعام 2016، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51 في المئة.
وليست هذه ثلاثة أرقام اقتصادية منفصلة، بل ثلاثة اتجاهات لتحول واحد: مستهدفات تتحول إلى نتائج، واقتصاد تتسع قاعدته خارج النفط، وقطاع خاص يتقدم إلى موقع أكثر حضورًا في صناعة النمو.
ولهذا تكتسب الإشارة إلى مرونة الاقتصاد الوطني ونضج قدرات منشآته وقوة إمكانات مؤسسات الدولة واستدامتها المالية أهمية خاصة؛ فالاختبار الحقيقي للإصلاح لا يكون في سنوات الاستقرار وحدها، وإنما في قدرة الاقتصاد والمؤسسات على الاستمرار والتكيف عندما تتغير الأسواق وتضطرب سلاسل الإمداد وتتسارع التحولات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق تأتي إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للسنوات الخمس المقبلة، مركزة على بناء منظومات اقتصادية محلية بقدرات تنافسية عالية، وشراكة محورية مع القطاع الخاص، وتعزيز المحتوى المحلي، بما يجعل الاستثمار أداة لبناء قطاعات وقدرات وطنية وعوائد مستدامة في الوقت نفسه.
لكن قوة التجربة السعودية تكمن في أن الاقتصاد لا يقف وحده في مقدمة المشهد. فحين يضع الخطاب التعليم والصحة في صدارة الاهتمام، ويؤكد أولويتهما في ميزانية الدولة، ويربط النجاح في خفض البطالة بالاستثمار في رأس المال البشري وتعظيم فرص دخول المواطنين إلى سوق العمل، فإنه يعيد التنمية إلى غايتها الأساسية: الإنسان.
وحين يتناول إصلاح القطاع العقاري وتوفير خيارات متعددة للمواطنين وتعزيز كفاءة السوق ورفع نسبة تملك المساكن، تتحول السياسة الاقتصادية من أرقام كلية إلى أثر يصل إلى البيت والأسرة والاستقرار الاجتماعي.
وهنا يظهر أحد أهم أبعاد رؤية السعودية 2030: المواطن ليس متلقيًا لنتائج التحول، بل شريك في صناعته. وقد عبّر سمو ولي العهد عن ذلك حين أكد أن المواطنين والمواطنات كانوا، بعد فضل الله، «أصل كل نجاح».
ويمتد أثر كفاءة الدولة وجودة خدماتها وبنيتها الأساسية وتحولها الرقمي إلى المقيمين على أرض المملكة كذلك؛ فالتنمية الشاملة حين ترتفع بجودة المدن والخدمات والاقتصاد وبيئة العمل، تتسع آثارها لكل من يعيش ويعمل ويسهم في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.
وفي قطاعات المستقبل، تتقدم المملكة في ميادين دولية متعددة، من الجاهزية الرقمية والاتصالات والتقنية والأمن السيبراني ونضج الحكومة الرقمية، إلى دخولها قائمة العشر الأكبر جاذبية للاستثمار التعديني، بما يعكس انتقال التنويع الاقتصادي من الخطط إلى بناء قطاعات ذات وزن تنافسي جديد.
وجاء عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي ليضيف بعدًا آخر إلى هذا التحول؛ فالمملكة لا تتعامل مع التقنية باعتبارها خدمة مستوردة للمستقبل، بل بوصفها قدرة وطنية ينبغي تطوير تطبيقاتها وحلولها، واستثمارها في زيادة الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وتدريب الكفاءات السعودية.
أي أن المسألة لم تعد استخدام المستقبل، بل المشاركة في صناعته.
وفي قلب هذه التحولات يأتي مجلس الشورى بوصفه أحد الشواهد على رؤية القيادة لبناء مؤسسات الدولة وتطوير أدائها، لا باعتباره مسارًا منفصلًا عنها.
فخلال السنة الثانية من الدورة التاسعة عقد المجلس 46 جلسة، وأصدر 555 قرارًا تتصل بالأنظمة واللوائح والاتفاقيات والمعاهدات ومذكرات التفاهم والتقارير السنوية للأجهزة الحكومية. وهذه الحصيلة تكتسب معناها الحقيقي حين تُقرأ في إطار الدعم المستمر الذي أولته القيادة للمجلس، وفي إطار دولة أصبحت ملفاتها الاقتصادية والتنموية والتنظيمية أكثر اتساعًا وتشابكًا.
فكلما اتسع الاقتصاد، وتعددت القطاعات، وتسارعت برامج رؤية 2030، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات تدرس الأنظمة وتتابع التقارير الحكومية وتواكب حركة الدولة.
وهكذا يصبح تطور الشورى نفسه شاهدًا على تطور الدولة: من مجلس محدود العضوية في عشرينيات القرن الماضي إلى مؤسسة وطنية واسعة الاختصاصات في دولة أصبحت من الاقتصادات المؤثرة عالميًا. وليس المقصود هنا مقارنة زمن بزمن، وإنما قراءة تراكم البناء السعودي؛ فكل مرحلة أضافت لبنة، وكل عهد وسّع مساحة المؤسسة وفق احتياجات الدولة.
وقد أكد رئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ هذا المعنى حين أشار إلى ما حظي به المجلس منذ تأسيسه من دعم واهتمام القيادة، وإلى دوره في دراسة الأنظمة والرقابة على الأداء.
لكن التنمية والمؤسسات لا تعملان بعيدًا عن الأمن.
فالخطاب أكد امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على التصدي للتهديدات وردعها، وأشاد بأبطال المملكة ويقظتهم واستعدادهم. والأمن هنا ليس ملفًا موازيًا للتنمية، بل المظلة التي تُصان تحتها حياة المجتمع ومقدرات الاقتصاد ومنجزات الدولة.
ومن هنا جاءت العبارة الخليجية ذات الدلالة الإستراتيجية: «الأمن والاستقرار الخليجي كل لا يتجزأ».
وهي عبارة تختصر عمق منظومة مجلس التعاون؛ فالأمن السعودي يرتبط بأمن محيطه الخليجي، والعمل مع الأشقاء يمتد من صون الاستقرار إلى التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي وتحقيق تطلعات شعوب المجلس.
وقد سبق لمجلس الوزراء السعودي خلال تطورات المنطقة في مايو 2026 أن جدد وقوف المملكة مع الدول الخليجية الشقيقة ودعم الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها واستقرارها، وهو ما يضع العبارة الواردة في الخطاب ضمن نهج عملي معلن، لا ضمن توصيف عابر.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، أكد الخطاب ثوابت المملكة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية، ودعم استقرار اليمن ووحدة السودان، إلى جانب العمل على خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية، مع التأكيد على حفظ أمن المملكة والتعامل بحزم مع أي تهديد يستهدفه.
وهنا تتشكل معادلة السياسة السعودية في المرحلة الراهنة: قوة تحمي، ودبلوماسية تعمل، واقتصاد يبني، وتنمية لا تتوقف.
ولهذا فإن افتتاح السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى يتجاوز حدود المناسبة السنوية؛ فالمنصة كانت الشورى، لكن الخطاب كان قراءة في الدولة.
من ثلاثة قرون من الجذور إلى عشر سنوات من رؤية 2030؛ ومن اقتصاد تتسع قاعدته إلى إنسان يقف في مركز التنمية؛ ومن مؤسسة شورية تطورت بدعم القيادة إلى قطاعات تقنية تتجه نحو المستقبل؛ ومن قوة تحمي الوطن إلى سياسة تعمل من أجل الاستقرار؛ تتشكل صورة المملكة التي حملها الخطاب.
إنها دولة لا تفصل تاريخها عن مستقبلها، ولا اقتصادها عن إنسانها، ولا تنميتها عن أمنها، ولا مؤسساتها عن قيادتها.
وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، وبقيادة ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، تمضي المملكة في مرحلة أصبحت فيها الأرقام شواهد على التحول، والمؤسسات أدوات لاستدامته، والإنسان غايته، والأمن حارسه، ورؤية السعودية 2030 جسرًا بين ما تحقق وما هو أكبر منه.
ولذلك فإن العبارة التي بدأت بها قراءة الخطاب تصلح أن تكون خاتمة لمعناه كله: «إن الهدف الأساس لكل ما تقوم به الدولة، هو رفعة الوطن وازدهاره وتحسين جودة الحياة فيه».
فحين تمتلك الدولة جذور ثلاثة قرون، ورؤية تعرف أين تريد أن تصل، وقيادة تحول الطموح إلى عمل، والعمل إلى أرقام، والأرقام إلى أثر في حياة الإنسان، فإن المستقبل لا يعود صفحة مجهولة تنتظر من يكتبها.
بل يصبح مشروع وطن يكتب مستقبله بيده، ويحرس منجزه بقوته، ويمضي إلى غده بثقة دولة تعرف تاريخها، وتعرف قدراتها، وتعرف وجهتها.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي