د. صالح بن إبراهيم السكاكر
ليست العظمة في حياة الدول صفةً تُمنح بقرار، ولا لقبًا تصنعه الثروة، ولا مكانةً تشتريها التحالفات العابرة، فثمة دول تولد في لحظة سياسية، وثمة دول تصنع اللحظة السياسية ذاتها، دولٌ تتشكل داخل التاريخ، ودولٌ يسهم تاريخها في تشكيل ما حولها.
المملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة في قلب الجزيرة العربية؛ إنها كيان سياسي يمتلك امتدادًا تاريخيًا، وثقلًا جغرافيًا، ومكانةً دينية، وقدرةً اقتصادية واستراتيجية تجعلها إحدى الركائز الأساسية في توازن المنطقة بل في توازن العالم أجمع.
وهنا تبرز فكرة «دول المعطف»؛ تلك الدول التي تعيش في ظل أي تحت عباءة قوة إقليمية كبرى، وتستمد من استقرارها قدرًا مهمًا من أمنها وازدهارها، حتى وإن امتلكت سيادتها الكاملة وحقها المشروع في بناء تحالفاتها المستقلة.
ولعل أعظم ما في هذا المفهوم أنه يكشف تناقضًا عميقًا في التفكير السياسي: فقد تبلغ دولة صغيرة من الثراء والازدهار ما يجعلها تتوهم أن قوتها نشأت بمعزل عن محيطها، وأن بإمكانها الاستغناء عن الركيزة الإقليمية التي أسهمت في توفير بيئة أمنها ونموها.
إن بعض الدول قد تستطيع شراء أحدث الأسلحة، واستقطاب أكبر الاستثمارات، وإقامة أوسع العلاقات الدولية، لكنها لا تستطيع شراء الجغرافيا، ولا إعادة كتابة التاريخ، ولا نقل حدودها إلى جوار حليف بعيد.
فالمعطف الذي يمنح الحماية لا تُقاس قيمته بجمال نسيجه، بل بقدرته على مواجهة العاصفة. وقد كانت السعودية العظمى، عبر مراحل مهمة من التاريخ العربي على مر الأزمان، أبرز القوى التي تحملت أعباء الأمن والاستقرار في المنطقة، ولم يكن ذلك إلغاءً لأدوار الدول الأخرى أو للتحالفات الدولية، وإنما تعبير عن حقيقة إستراتيجية مفادها بأن أمن الدول العربية شبكة مترابطة، وأن استقرار مركزها الجغرافي والسياسي يؤثر في استقرار أطرافها.
إن السعودية العظمى ليست دولة طارئة على التاريخ، فمنذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1744م، مرورًا بمراحلها، وصولًا إلى توحيد المملكة عام 1932م، تشكلت تجربة سياسية أثبتت أن الدولة قد تمر بالمحن، لكنها تستطيع أن تستعيد وجودها حين تمتلك مقومات النهوض.
وليس من الدقة القول إن التاريخ يمنح دولةً ما حصانةً أبدية من الأزمات؛ فالتاريخ لا يمنح أحدًا ضمانًا مطلقًا، لكنه يكشف الفارق بين كيان يستند إلى ظرف عابر، ودولة تستند إلى تجربة طويلة من البناء والتجدد.
من هنا فإن مكانة السعودية العظمى لا تختصرها ثروتها النفطية، ولا قوتها العسكرية، ولا وجود الحرمين الشريفين فيها، ولا علاقاتها الدولية؛ بل تقوم على اجتماع مقومات يصعب اختزالها في عنصر واحد.
وإذا كانت بعض الدول الصغيرة - دول المعطف - قد حققت إنجازات اقتصادية وتنموية تستحق الاعتراف، فإن ذلك لا يلغي أهمية البيئة الإقليمية التي ساعدت على تحقيق الاستقرار اللازم لهذه الإنجازات، وأصل هذه البيئة هي السعودية العظمى.
فالإنسان حين ينجح قد ينسى الظروف التي ساندته، وقد يظن أنه صنع مجده وحده، وكذلك الدول؛ قد يدفعها النجاح إلى المبالغة في تقدير استقلالها الاستراتيجي، حتى تتعامل مع أمنها وكأنه منفصل عن أمن جيرانها، وهنا يكمن الوهم!
ليس الوهم في أن تبحث الدولة عن تحالفات جديدة، فذلك حق مشروع، وإنما في أن تعتقد أن المعطف البعيد يستطيع أن يلغي حقائق الجغرافيا القريبة!
لقد شهد التاريخ تبدل تحالفات كثيرة، وتراجع قوى كانت تبدو راسخة، وانسحاب دول كبرى من مناطق اعتادت ممارسة النفوذ فيها، ويكفي أن نتأمل التحولات التي رافقت الانسحاب البريطاني من إمارات الساحل المتصالح عام 1971م لندرك أن ترتيبات الحماية ليست ثابتة إلى الأبد، فالقوى الخارجية تتحرك وفق مصالحها، وقد تتغير أولوياتها حين تتغير الظروف، أما الدول المتجاورة فتبقى محكومةً بواقع جغرافي لا تستطيع تجاوزه.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه أي دولة صغيرة - دولة المعطف - على نفسها ليس: من يستطيع أن يمنحني حمايةً أكبر اليوم؟ بل: كيف أبني أمنًا مستدامًا لا يجعل مستقبلي رهينةً لتقلبات الآخرين، ولا يحول جواري الطبيعي إلى مصدر خصومة دائمة؟
لقد كشفت الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية، ودعم جهات وبعض من دول المعطف لهؤلاء الإرهابيين وما رافقه من تهديدات لأمن المنطقة، أن الاضطراب لا يقف عند الحدود السياسية، وأن تهديد أمن دولة محورية قد يمتد إلى طرق التجارة والطاقة والاستثمار والملاحة، حتى يصل لتلك الدول الصغيرة!
فالدولة التي تعتقد أن تراجع قوة دولة إقليمية عظمى سيمنحها تلقائيًا مساحة أكبر للنفوذ قد تكتشف أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فارغًا، وأن القوى التي تتنافس على ملئه قد تحمل مصالح لا تتفق مع مصالحها.
إن من يراهن على ضعف الجبل الذي يحجب عنه العاصفة، قد يكتشف متأخرًا أن سقوط الحاجز لا سمح الله لا يمنحه القوة، بل يتركه في مواجهة الرياح، واللبيب بالإشارة يفهمُ!
ولعل ما يمنح التجربة السعودية المعاصرة خصوصيتها هو سعيها إلى تحويل عناصر القوة التقليدية إلى مشروع تنموي طويل المدى، فالمكانة الإقليمية لا تُصان بالماضي وحده، وإنما بما يُبنى في الحاضر من مؤسسات واقتصاد ومعرفة وقدرات بشرية.
إن القيادة الإقليمية ليست مجرد إعلان للتفوق، ولا مطالبة الآخرين بالاعتراف به؛ إنها مسؤولية تقتضي القدرة على بناء الثقة، وحماية المصالح، وإدارة الاختلاف، وتحويل القوة إلى استقرار يعود بالنفع على الجميع. ولهذا فإن المكانة السعودية لا تحتاج إلى إنكار سيادة دول المعطف، كما أن استقلال تلك الدول لا يقتضي التقليل من الثقل السعودي، لأن الثقل السعودي واقع يستحيل إغماض العينين عنه.
إن السعودية العظمى ستظل، بحكم موقعها ومقوماتها وتاريخها المجيد، قوةً محورية في المنطقة، بل في العالم أجمع، يصعب تصور أي منظومة أمنية إقليمية مستقرة دون دور أساسي لها، وهذه المكانة لا تُثبتها الشعارات، بل تؤكدها حقائق الجغرافيا والاقتصاد والتاريخ.
قد تتبدل المواقف السياسية، وتتغير الحسابات، وتتسع الخلافات أو تضيق، لكن ذلك لا يبدل حقيقة أن مصير دول المعطف مترابط بدرجة عميقة بما تقرره الرياض، فليس كل من امتلك معطفًا جديدًا أصبح قادرًا على الاستغناء عن بيئته، وليس كل من عقد تحالفًا بعيدًا استطاع أن يتحرر من حقائق جواره.
في نهاية المطاف، لا يُكتب تاريخ المنطقة بمن يرفع صوته أكثر، أو بمن يعمل من تحت الطاولة، ولا بمن يمتلك القدرة على إحداث خلاف عابر، وإنما بمن يملك مقومات البناء والاستمرار وتحمل المسؤولية.
ستبقى السعودية العظمى دولةً محوريةً في معادلة العالم أجمع، ليس لأن الآخرين مطالبون بالتسليم لها في كل موقف، وإنما لأن مكانتها تستند إلى مقومات راسخة لا تزول بمجرد اختلاف سياسي.
فقد تتغير المعاطف، وتتبدل التحالفات، وتتقاطع المصالح، لكن الجغرافيا لا تتغير بإرادة أحد، والتاريخ لا يعيد كتابة نفسه إرضاءً لأوهام القوة المصطنعة، وستظل القيادة الإقليمية الحقيقية لمن يستطيع أن يحول قوته إلى أمن، وتاريخه إلى مستقبل، ومكانته إلى مسؤولية.
العظمة لا تحتاج إلى أن ينحني الآخرون أمامها؛ بل إلى أن تظل قادرةً على الوقوف حين تتغير الرياح، وهي كذلك السعودية العظمى.