ناصر بن فريوان الشراري
حين تعرض إيران وساطتها بين المملكة العربية السعودية والحوثيين، فإنها تضع نفسها أمام سؤال يصعب تجاوزه، كيف لمن ارتبط اسمه بتسليح المعتدي ودعم قدراته العسكرية أن يتقدم اليوم في ثوب الوسيط؟! وكيف يمكن الفصل بين يد تمتد للمصافحة وأخرى ارتبطت بالسلاح الذي يهدد أمن المملكة؟ إنها مفارقة سياسية لا تمحوها الاتصالات الدبلوماسية، ولا تكفي لتفسيرها العبارات المنمقة عن السلام والاستقرار.
لقد جاء اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في مرحلة تشهد تصعيدًا إقليميًا خطيرًا، وبينما تحدثت طهران عن استعدادها للمساعدة في الحوار مع الحوثيين، فإن هذا العرض يعيد إلى الواجهة ملفًا لا يمكن طيه بمكالمة هاتفية، ملف العلاقة الإيرانية بالجماعة الحوثية الإرهابية وما ارتبط بها من دعم عسكري وتقني أسهم في تطوير قدراتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة، وهي القدرات التي استخدمها الحوثيون في تهديد أمن المملكة والمنطقة، فكيف يمكن لطهران أن تتحدث عن معالجة أزمة كان لدعمها العسكري دور في تعقيدها؟!
ولعل المشاهد التي بثتها قناة العربية من مطار الملك خالد الدولي بالرياض أثناء الاعتداء الذي استهدف المطار، تضيف إلى هذه القضية بعدًا إنسانيًا بالغ التأثير، فقد ظهر معتمرون وهم يستعدون للصعود إلى الطائرات، بعضهم يرتدي لباس الإحرام وقد شدّ رحاله قاصدًا بيت الله الحرام، فإذا بهم يجدون أنفسهم أمام خطر القصف بدلًا من أن يمضوا آمنين لأداء مناسكهم، فأي شعارات دينية يمكن أن تبرر تعريض ضيوف الرحمن لهذا الخطر؟ وأي قضية يدّعي الحوثي نصرتها وهو يهدد أرواح أناس لم يحملوا سلاحًا ولم يقصدوا إلا العبادة؟ إنها صورة تضع مسؤولية من يدعم القدرات العسكرية للجماعة أمام سؤال أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاهله.
وتزداد قسوة هذا المشهد مع ما أوردته تقارير إعلامية عن وفاة داعية بنغلاديشي كان متجهًا لأداء العمرة، وإصابة معتمرين آخرين خلال الاعتداء، لتبرز أمامنا المأساة الإنسانية التي قد تخلفها الصواريخ والمسيّرات حين تستهدف المطارات المدنية، فأي ذنب اقترفه هؤلاء الذين شدّوا رحالهم إلى بيت الله الحرام؟ وأي شعارات يمكن أن تبرر تعريض أرواح ضيوف الرحمن للخطر؟ إن أمن المعتمرين والمسافرين ليس تفصيلًا عابرًا في حسابات السياسة، بل مسؤولية إنسانية وأخلاقية لا يجوز أن تخضع لمساومات النفوذ والصراع.
ولم يعد الحوثي مجرد طرف في الصراع اليمني، بل تحول إلى جماعة مسلحة تتجاوز تهديداتها حدود اليمن، مستندة إلى شعارات دينية وسياسية تحاول بها تبرير أفعالها، بينما يدفع الشعب اليمني ثمن سنوات من الحرب والانقسام وتعطيل الحياة، فالميليشيا التي تزعم نصرة قضايا الأمة مطالبة بأن تفسر كيف تخدم تلك القضايا حين تتعرض حياة المدنيين للخطر، وحين تتحول الصواريخ والمسيّرات إلى أدوات ضغط تتجاوز حدود اليمن وتطال أمن جيرانه.
والأشد خطورة أن تمتد هذه التهديدات إلى بلاد الحرمين الشريفين، المملكة العربية السعودية التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتتحمل مسؤولية عظيمة في خدمة الحرمين وقاصديهما، فحين تصبح المدن السعودية ومنشآتها المدنية عرضة للاعتداء، فإن المسألة تتجاوز الخلافات السياسية إلى تهديد أمن وطن له مكانته الدينية والإنسانية، وأمن ملايين المواطنين والمقيمين وضيوف الرحمن الذين لا يجوز أن يكونوا أهدافًا لصراعات النفوذ الإقليمي.
وللتاريخ شواهد لا يمكن إسقاطها من الذاكرة، فقد أطلق الحوثيون صواريخ باليستية باتجاه مكة المكرمة في عامي 2016 و2017، تصدت لها الدفاعات الجوية السعودية، ثم تكرر التهديد في سبتمبر 2026 بإطلاق طائرة مسيّرة باتجاه العاصمة المقدسة، اعترضتها الدفاعات الجوية ودمرتها، وهي اعتداءات تكشف حجم التناقض بين الشعارات الدينية التي ترفعها الجماعة وأفعالها التي تهدد أمن البلد الحرام، فأي نصرة للإسلام يدّعيها من يوجه سلاحه نحو قبلة المسلمين؟ وأي احترام للمقدسات يمكن أن يجتمع مع تعريض أمن مكة المكرمة وقاصديها للخطر؟ إن حرمة الحرمين الشريفين ليست مادة للشعارات والمزايدات، وأمنهما مسؤولية عظيمة لا يجوز أن تعبث بها حسابات النفوذ أو مغامرات الجماعات المسلحة.
وإذا كانت إيران تملك من التأثير على الحوثيين ما يؤهلها لعرض الوساطة، فلماذا لا تستخدم هذا التأثير في وقف اعتداءاتهم؟ ولماذا لا تقدم خطوات واضحة لوقف أي دعم عسكري يصل إليهم؟ فالوساطة ليست مجرد إعلان نوايا، وإنما مسؤولية تتطلب المصداقية والقدرة على التأثير، ولا يستقيم أن تتحول العلاقة بجماعة مسلحة إلى مصدر نفوذ سياسي، ثم يجري تجاهل المسؤولية المترتبة على ما تمتلكه تلك الجماعة من قدرات تهدد أمن الدول المجاورة.
أما المملكة العربية السعودية، فقد دعمت مسارات التهدئة والحل السياسي في اليمن انطلاقًا من إدراكها أن استقرار هذا البلد الشقيق جزء من استقرار المنطقة، وأن الشعب اليمني يستحق دولة تحفظ أمنه وكرامته بعيدًا عن سطوة السلاح وحسابات القوى الخارجية، كما أن استمرار الاتصالات الدبلوماسية لا يعني التنازل عن السيادة أو التساهل مع الاعتداءات، فالدبلوماسية وحماية الأمن الوطني مساران يمكن أن يتكاملا حين تكون الغاية إنهاء التهديدات وصون حياة المدنيين.
وهنا يظهر الفرق بين الوساطة التي تسعى إلى إنهاء النزاع، والوساطة التي قد تتحول إلى وسيلة لإدارة نتائجه دون معالجة أسبابه، فليس المطلوب من إيران أن تقدم نفسها بوصفها الطريق الوحيد للوصول إلى الإرهابيين الحوثيين، وإنما أن تثبت أن علاقتها بهم يمكن أن تسهم في وقف التهديدات واحترام سيادة الدول، وأن يكون ذلك مقرونًا بخطوات عملية يمكن التحقق منها، لا بوعود تتبدد مع أول صاروخ أو طائرة مسيّرة.
إن أمن بلاد الحرمين الشريفين ليس موضوعًا للمساومة السياسية، ومكانة المملكة لا تستمد قوتها من مواقف الآخرين، بل من سيادتها ومؤسساتها وقدرتها على حماية أرضها ومقدساتها ومصالحها، ومن حقها أن تتعامل مع أي مبادرة وفق ما تراه محققًا لأمنها واستقرار المنطقة، دون أن يعني انفتاحها الدبلوماسي إعفاء أي طرف من مسؤولياته أو تجاوز الوقائع التي أسهمت في تعقيد المشهد اليمني.
ويبقى أمام إيران اختبار أكثر جدية من عرض الوساطة، أن تتحول الأقوال إلى أفعال، وأن يتوقف السلاح عن تهديد المدنيين، وأن تتقدم مصلحة اليمن وأمن جيرانه على حسابات النفوذ الإقليمي، أما الحوثي فعليه أن يدرك أن الشعارات لا تمنح شرعية للاعتداء، وأن قضية اليمن لن تجد طريقها إلى الحل ما دام السلاح هو اللغة التي يفرض بها إرادته على الداخل والخارج.
وستظل المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين، متمسكة بأمنها وسيادتها ومقدساتها، تمد يدها للسلام حين يكون جادًا، وتحتفظ بحقها المشروع في حماية أراضيها وأهلها من أي اعتداء، أما إيران فإن مصداقية وساطتها لن تُقاس بما تقوله في الاتصالات الدبلوماسية، بل بما تفعله تجاه مصادر التسليح والتهديد، فمن أسهم في تسليح طرف من أطراف النزاع، لا يكفيه أن يعرض الوساطة، بل عليه أن يثبت بالأفعال أنه قادر على المساهمة في إنهاء أسباب العدوان، لا الاكتفاء بالحديث عن نتائجه.