«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
تتوزع المشاركة المرتبطة بالسينما السعودية في الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بين فيلم ينافس في المسابقة الدولية، وأعمال عربية تحمل السعودية ضمن إنتاجها المشترك، وتجربة سعودية تدخل برنامج عروض منتصف الليل. ويعكس هذا التنوع تعدد مسارات حضور السينما السعودية خارج حدودها المحلية، من المهرجانات الدولية إلى الشراكات الإنتاجية، وصولًا إلى الجمهور التجاري.
تقام الدورة الجديدة من المهرجان خلال الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، في مناسبة تتزامن مع مرور خمسين عامًا على تأسيسه عام 1976. وتكتسب المشاركة السعودية أهميتها من تنوع مواقع الأفلام في البرنامج، وما تتيحه المهرجانات من فرص للتعريف بالأعمال، وبناء العلاقات المهنية، واستكشاف مسارات جديدة للتوزيع والتعاون.
«البرّانية» في المسابقة الدولية
يبرز فيلم «البرّانية» للمخرجة أشجان الهمص ضمن المسابقة الدولية، في مشاركة تعكس حضور الإنتاج المرتبط بالسعودية في واحدة من أبرز منصات المنافسة السينمائية العربية والدولية. الفيلم إنتاج مشترك بين هولندا ومصر وبلجيكا والسعودية، وتبلغ مدته 84 دقيقة، وقد شهد عرضه العالمي الأول ضمن برنامج «أيام فينيسيا» في سبتمبر الماضي.
تدور أحداث الفيلم حول أمل، وهي امرأة حامل تعيش مع أسرتها في قرية خارج القاهرة، حين يُعرض على الأسرة بيع أرضها؛ لتتشكل أمامها مفاضلة بين التمسك بالأرض وما تمثله من جذور وذاكرة، والرغبة في الانتقال إلى حياة مختلفة.
تمنح مشاركة الفيلم في المسابقة الدولية مساحة إضافية للتعريف بتجربة سينمائية عابرة للحدود، تتقاطع فيها البيئات الإنتاجية الأوروبية والعربية. ومع ذلك، فإن تحديد حجم المساهمة السعودية في هذا العمل يتطلب معرفة تفاصيل الجهات المشاركة وطبيعة أدوارها، لا الاكتفاء بوصفه إنتاجًا مشتركًا.
إنتاجات عربية بشراكة سعودية
وفي مسابقة آفاق السينما العربية، يشارك فيلمان يرتبط إنتاجهما بالسعودية، هما «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» للمخرجة رانية الرافعي، و«وراء الشمس» للمخرج عزيز شناوي، بما يوسع نطاق الحضور السعودي من الفيلم السعودي المحلي إلى الأعمال العربية ذات الشراكات الإنتاجية.
يوثق الفيلم اللبناني «يوم الغضب: حكايات من طرابلس»، ومدته 120 دقيقة، تحولات مدينة طرابلس عبر أجيال من سكانها وحركاتها الاجتماعية والسياسية، من أربعينيات القرن العشرين حتى الحاضر. ويمنح هذا الامتداد التاريخي العمل مساحة لاستكشاف علاقة المدينة بذاكرتها وتحولاتها، من خلال تجربة وثائقية تتجاوز الحدث الآني إلى قراءة المجتمع عبر الزمن. الفيلم إنتاج مشترك بين لبنان والسعودية وقطر.
أما «وراء الشمس»، ومدته 80 دقيقة، فهو إنتاج مشترك بين تونس والسعودية، ويشارك بدوره في مسابقة آفاق السينما العربية. ويمثل وجوده ضمن البرنامج وجهًا آخر للشراكات العابرة للحدود، وإن كانت المعلومات المتاحة عن تفاصيل حكايته والجهات السعودية المشاركة في إنتاجه لا تكفي لتقديم قراءة أوسع دون التحقق منها.
ولا تقتصر أهمية هذه الشراكات على إدراج اسم السعودية في بيانات الإنتاج؛ إذ تتصل قيمتها الفنية والصناعية بطبيعة المساهمة، وتبادل الخبرات، وتوزيع الأدوار، ومدى قدرة الشركاء على تطوير مشروعات جديدة والوصول بها إلى أسواق وجمهور أوسع.
«جحيم العابرين».. من المهرجان إلى الصالات
على مسار مختلف، يحضر الفيلم السعودي «جحيم العابرين» للمخرجة هناء العمير ضمن عروض منتصف الليل في المهرجان، بالتزامن مع موعد طرحه التجاري في دور السينما السعودية في 19 نوفمبر.
يستند الفيلم إلى رواية وسيناريو الكاتب السعودي أسامة المسلم، وتتولى إنتاجه استوديوهات «إم بي سي»، وقد صُوّرت مشاهده في السعودية. ويجمع في بطولته أضواء بدر وباسل الصلي ومحمد علي وشجاع نشاط وعزيز غرباوي، ضمن عمل ينتمي إلى الرعب والتشويق.
تكتسب هذه المشاركة دلالتها من اجتماع نافذتين مختلفتين لعرض الفيلم: منصة مهرجانية تتيح الوصول إلى جمهور مهتم بالسينما وتجاربها النوعية، وصالات تجارية تستهدف الجمهور مباشرة. ويمنح هذا التزامن فرصة لقياس تفاعل الجمهور مع الفيلم، وإن كان نجاحه التجاري لا يمكن استنتاجه من المشاركة المهرجانية وحدها.
كما يلفت حضور عمل سعودي في برنامج عروض منتصف الليل إلى تنوع الخيارات التي تسعى السينما السعودية إلى تقديمها، بعيدًا عن حصر صورتها في نوع سينمائي واحد، باتجاه تجارب تستثمر في الرعب والتشويق، وتختبر قدرتها على المنافسة ضمن الأنواع التي تحظى بجمهور واسع.
سوق القاهرة.. الفرصة التي تتجاوز العرض
لا يتوقف أثر المهرجانات السينمائية عند عرض الأفلام ومنافساتها؛ إذ تتيح أنشطة الصناعة فرصًا للقاء المنتجين والموزعين والممولين والمشترين، ومناقشة مشروعات جديدة، وبحث إمكانات التوزيع والتعاون.
وفي هذا السياق، يُقام سوق القاهرة السينمائي من 14 إلى 19 نوفمبر، بالتزامن مع فعاليات المهرجان، مستهدفًا الربط بين أطراف الصناعة، مع الإعلان عن مشاركة أكثر من خمسين جهة شراء من مؤسسات بث أوروبية، إلى جانب مشترين من الخليج وأفريقيا وآسيا.
تفتح هذه البيئة المهنية مجالًا أمام المنتجين السعوديين لاستكشاف فرص التوزيع خارج السوق المحلية، وبناء علاقات مع شركاء محتملين، والتعرف إلى متطلبات الأسواق المختلفة. غير أن قياس حجم الاستفادة السعودية يظل مرتبطًا برصد المشروعات والشركات المشاركة فعليًا، والاتفاقات التي قد تنتج عن اللقاءات المهنية.
ومن هنا، لا تكمن أهمية المشاركة السعودية في عدد الأفلام وحده، بل في قدرتها على تحويل الظهور السينمائي إلى قيمة مستدامة: شراكات أكثر فاعلية، وتوزيع أوسع، وفرص تمويل وتطوير، وحضور متنامٍ للأعمال السعودية والعربية التي تشارك السعودية في إنتاجها.
من تنوع المشاركة إلى أثرها
تقدم الدورة السابعة والأربعون من مهرجان القاهرة صورة متعددة المسارات للحضور المرتبط بالسينما السعودية؛ من «البرّانية» في المسابقة الدولية، إلى الإنتاجات العربية المشتركة في «آفاق السينما العربية»، وصولًا إلى «جحيم العابرين» في عروض منتصف الليل.
لكن القيمة الأهم لا تُقاس بمجرد المشاركة، بل بما تتركه من أثر بعد انتهاء المهرجان: هل تتحول العروض إلى فرص توزيع؟ وهل تفضي الشراكات إلى مشروعات جديدة؟ وهل تتسع مساحة حضور الأفلام السعودية في الأسواق والمنصات الدولية؟
تلك هي الأسئلة التي ستحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كان الحضور في المهرجانات محطة للتعريف بالأعمال فحسب، أم خطوة إضافية في بناء صناعة سينمائية قادرة على إنتاج قصصها، وتوسيع أسواقها، وتعزيز حضورها على الخريطة الدولية.