فاطمة آل مبارك
مكة المكرمة، قلب العالم الإسلامي ووجهته التي تتجه إليها القلوب قبل الأجساد، تحمل في ذاكرتها معنى يتجاوز المكان ففي رحابها يقف البيت العتيق شاهدًا على امتداد رسالة التوحيد، وفي أفقها تتجدد صلة المسلمين بتاريخ النبوة والحج. ومنذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت، ظلت مكة حاضرة في وجدان المسلمين بوصفها موضعًا للسكينة والعبادة والاجتماع على قبلة واحدة.
ولأن مكة تختزن في وجدان المسلمين من الرمزية ما يتجاوز حدود المكان، فقد بقيت عبر التاريخ في مرمى أطماع القوى المتصارعة، التي حاولت أن تنال من رمزيتها أو توظف قداسة المكان في صراعاتها، فيما ظلت حرمتها أعمق من أن تستوعبها حسابات السياسة وتقلبات الصراع.
وحين نقرأ تاريخها، تظهر أمامنا محطات تكشف حقيقة مؤلمة: أن قداسة المكان لم تمنع بعض القوى من محاولة الوصول إليه، وأن الشعارات الدينية يمكن أن تتحول أحيانًا إلى غطاء لمشروعات سياسية وعقائدية تتناقض في جوهرها مع حرمة المكان ورسالة الإسلام.
يأتي عام الفيل في مقدمة الذاكرة التاريخية المرتبطة بحماية البيت العتيق.
جاء أبرهة الحبشي بجيشه وفيله متجهًا إلى مكة لهدم الكعبة، في مشهد بقي حاضرًا في الذاكرة الإسلامية بوصفه لحظة فاصلة بين قوة السلاح وقداسة البيت.
وانتهت المحاولة قبل أن يبلغ المعتدي غايته، وبقيت الكعبة قائمة، وبقيت مكة في وجدان المسلمين رمزًا يتجاوز حسابات القوة المادية.
وبعد قرون، جاءت واحدة من أكثر الوقائع قسوة في تاريخ مكة، حين دخل القرامطة المدينة سنة 930م في موسم الحج، فسفكوا الدماء في الحرم، وانتهكوا حرمة المكان، واقتلعوا الحجر الأسود من موضعه وحملوه معهم، ليبقى بعيدًا عن مكة سنوات طويلة.
وتكشف هذه الحادثة، بما حملته من عنف تجاه الحجاج والمقدسات، كيف يمكن للصراع العقائدي والسياسي حين ينفصل عن حرمة الإنسان والمكان أن يتحول إلى اعتداء على أقدس الرموز.
ثم يأتي التاريخ الحديث ليحمل صورًا مختلفة من التوتر حول الحج ومكة.
ففي عام 1987م وقعت مواجهات دامية خلال موسم الحج بين متظاهرين إيرانيين وقوات الأمن السعودية، وأسفرت عن مقتل أكثر من أربعمائة شخص، بينهم مئات من الحجاج الإيرانيين.
وقد اتهمت السلطات السعودية آنذاك إيران بالتحريض على الاضطرابات والسعي إلى زعزعة استقرار المملكة، في وقت قدمت فيه طهران رواية مختلفة للأحداث. وبعيدًا عن اختلاف الروايات السياسية حول تفاصيل الواقعة، بقيت الحقيقة الأشد وضوحًا أن الحرم وموسم الحج حملا يومها كلفة إنسانية وسياسية بالغة.
وتكشف بعض محطات التاريخ مفارقة مؤلمة فمكة، التي تتجه إليها قلوب المسلمين في عبادة تجمعهم على قبلة واحدة، حملت إليها في مراحل مختلفة صراعات قوى أرادت أن تجعل من قداسة المكان امتدادًا لخلافاتها ومشروعاتها.
وحين تتداخل السياسة مع حرمة المكان، تتجاوز الحادثة حدود زمانها لتكشف أثر الشعارات الدينية حين تُستدعى إلى صراعات تتجاوز رسالة الحج ومعانيه، وتمس جوهر المكان ومكانته في وجدان المسلمين.
وفي زمننا المعاصر، اتخذ التهديد صورًا جديدة، مع انتقال الصراع إلى أدوات عسكرية تستهدف أمن المملكة واستقرارها.
وقد أعادت الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي المدعومة من إيران ضد أهداف سعودية إلى الواجهة قضية أمن المنطقة، وما يرتبط بها من حماية المدن والمنشآت المدنية والمقدسات.
ومع اتساع دائرة التوتر الإقليمي، تظل مكة في منزلة تتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية فحرمتها متصلة بمكانتها في وجدان المسلمين، وأمنها جزء من أمن شعيرة تتجه إليها قلوب المسلمين من مختلف أنحاء العالم.
ومن هذه المكانة تتضح مسؤولية المملكة العربية السعودية تجاه الحرمين الشريفين مكة والمدينة وهي مسؤولية ارتبطت بتاريخ الدولة السعودية الحديثة منذ عهد الملك عبدالعزيز، حين اقترنت مسيرة توحيد البلاد بتأمين طرق الحج وحماية الحرمين ورعاية ضيوف الرحمن.
ومع تعاقب العهود، اتسعت هذه المسؤولية لتصبح منظومة متكاملة من الأمن والخدمات والرعاية والتوسعة وإدارة الحشود، تعكس حجم العناية التي تحظى بها المقدسات في المملكة، وتواكب المكانة التي تحتلها مكة والمدينة في وجدان العالم الإسلامي.
ومع اختلاف الأزمنة وتبدل أدوات الصراع، تبقى مكانة مكة أبعد من حدود الجغرافيا فهي حاضرة في قلب الوعي الإسلامي، ومتصلة بمعنى القبلة والحج والعبادة في حياة المسلمين. ولهذا يحمل الاعتداء عليها دلالة تتجاوز حدود الحدث، لأن المساس بحرمة بيت الله ورعاية الحاج يمس قيمة المكان وما يمثله من اجتماع القلوب على عبادة واحدة، ويكشف المسافة بين قداسة الخطاب الديني وبين توظيفه في صراعات السلطة والنفوذ.
ومنذ أن عرف التاريخ محاولات الوصول إلى البيت العتيق، ظل جوهر الحكاية واحدًا: قوى تتقدم بأدوات مختلفة، وشعارات تتبدل بحسب الزمن، ومكان يحتفظ بقداسته ومعناه.
وفي كل مرحلة كانت مكة تستعيد حضورها بوصفها قبلةً تجمع المسلمين، وبيتًا تتجه إليه القلوب، وحرمةً تتجاوز حدود المكان والدولة إلى وجدان العالم الإسلامي.
تتبدل الأقنعة، وتبقى مكة. تبقى بما تمثله في وجدان المسلمين أرفع من أن تكون ورقة في صراع، وأقدس من أن تتحول إلى منصة لمشروع سياسي، وأعظم من أن تختصر في حدود مدينة. وحين تُصان حرمة مكة، تُصان معها ذاكرة أمة، وقبلة عالم، وبيت جعله الله مثابةً للناس وأمنًا.