أجرى الحوار - عوض مانع القحطاني:
كشف الرئيس التنفيذي لمحمية الأمير محمد بن سلمان الملكية السيد/ أندرو زالوميس قائلا: هي واحدة من أكبر المحميات الطبيعية في المملكة حيث تعنى هذه المحمية بالحفاظ على الحياة الفطرية وتطوير السياحة البيئية المستدامة في شمال غرب المملكة.
وقال السيد/ أندرو في حوار مع «الجزيرة» بأن هذه المحمية الملكية هي سابقة عالمية تعنى بتكثير الغزال الرملي داخل محطة شمسية تولد الكهرباء، وأثنى السيد/ أندرو على جهود المملكة للحفاظ على البيئة وتكاثر أحياء هذه الحيوانات داخل مساحات كبيرة، وقال: إن المحمية تلقى كل الدعم والاهتمام حتى أصبحت اليوم واحدة من أهم المحميات في العالم والتي تحافظ على بيئة آمنة للحيوانات... وإلى الحوار:
* عرّفنا عن هذه المحمية.. وكيف يسير العمل فيها؟
- محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية سابقة عالمية في مجال حفظ الحياة الفطرية، من خلال إكثار الغزلان المهددة داخل محطة للطاقة الشمسية.
تمتد المنشأة على مساحة 505 هكتارات، وقد أنشأتها وتديرها شركة أمالا للطاقة المستدامة (ASCE)، وهي مشروع مشترك يجمع بين مجموعة EDF وشركة مصدر، إلى جانب SUEZ وشركة كوريا إيست - ويست باور (EWP)، وبينما تزود محطة الطاقة الشمسية، بقدرة 250 ميجاواط، وجهة أمالا التابعة لشركة البحر الأحمر الدولية بالطاقة المتجددة بنسبة 100 %، فإنها توفر أيضًا بيئة محمية تتيح للغزلان الرملية التكاثر وتكوين قطعان مستدامة تمهيداً لإعادة توطينها مستقبلًا في البرية، ويُعرف هذا النهج المبتكر باسم ReWildingVoltaics، ويحقق عائدًا بيئياً مزدوجاً من خلال توليد كهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية، بالتوازي مع دعم استعادة التنوع الأحيائي.
وعقب تجربة لإثبات المفهوم استمرت سبعة أشهر، وأُطلقت في أكتوبر 2025 وشملت غزال الرمل، والغزال الجبلي، والأرنب العربي، انتقل البرنامج إلى مرحلة الإكثار في مايو 2026، حيث أُدخل إلى محطة الطاقة الشمسية 33 أنثى وخمسة ذكور من غزال الرمل المصنف ضمن فئة معرض للخطر. ومن المتوقع ولادة أول صغار القطيع في ديسمبر المقبل. وتشير النماذج التقديرية لنمو أعداد الغزلان التي أعدها قطاع الخدمات العلمية بالمحمية إلى أن عدد القطيع سيصل إلى نحو 600 غزال بحلول عام 2031. ويتطلب نجاح إعادة التوطين في المحمية، التي تبلغ مساحتها 24,500 كيلومتر مربع، مجموعة مؤسسة لا يقل عددها عن 500 غزال.
وقال أندرو زالوميس، الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية: «يتمثل هدفنا من إعادة الحياة الفطرية في بناء مجموعات مستدامة ذاتياً من الحياة الفطرية، قادرة على البقاء في البرية دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر. ولا يسهم هذا الابتكار التعاوني في تسريع جهودنا فحسب، بل يقدم أيضًا إطارًا جديدًا لتحقيق «عائد بيئي مزدوج»، قابلًا للتوسع والتطبيق عالميًا. ونطلق على هذا النهج اسم «ReWildingVoltaics»، وهو مفهوم مبتكر يوظف البنية التحتية للطاقة الشمسية لدعم إكثار الحياة الفطرية وإعادة توطينها في البرية».
وأضاف المدير التنفيذي للمحمية قائلاً: نحن ندعم المبادرة مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء المتمثلة في حماية 30 % من أراضي المملكة ومناطقها البحرية، وتوليد 50 % من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، بالتوازي مع التقدم نحو تحقيق الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2060. وقد ارتفعت نسبة المناطق المحمية في المملكة من 4.2 % إلى 18.3 % خلال العقد الماضي.
وقال عمر الدويش، الرئيس التنفيذي لمجموعة EDF في السعودية والبحرين: «توضح هذه المبادرة كيف يمكن للبنية التحتية للطاقة المتجددة أن تحقق قيمة تتجاوز إنتاج الكهرباء النظيفة. ومن خلال دمج حفظ التنوع الأحيائي في محطة للطاقة الشمسية، نبرهن على إمكانية تعايش البنية التحتية للطاقة مع الطبيعة. ومن خلال شركة أمالا للطاقة المستدامة، تفخر EDF بالمساهمة في نموذج مبتكر يدعم طموحات المملكة العربية السعودية في مجالي الطاقة المتجددة وحفظ الطبيعة، ويحمل في الوقت ذاته إمكانية إلهام مبادرات مماثلة خارج المملكة».
وأكدت تجربة إثبات المفهوم قدرة محطة الطاقة الشمسية على دعم عمليات رعاية وإكثار الحياة الفطرية بنجاح. ويوفر السياج المحيط بالمنشأة، والمصمم لمنع دخول المفترسات، بيئة محكمة وآمنة، فيما توفر الألواح الشمسية مناطق ظل تسهم في خفض درجات حرارة سطح الأرض بنحو 5 إلى 10 درجات مئوية. وتشكل الموائل المناسبة للإكثار في المسيجات نحو 73 % من مساحة الموقع البالغة 505 هكتارات، وتشمل مناطق مظللة أسفل الألواح الشمسية، إلى جانب موائل مفتوحة تضم معالم طبيعية، من بينها النتوءات الصخرية.
موضحاً بأن الهيئة أسهمت في زيادة القدرة الاستيعابية للمحمية في مجال رعاية وإكثار الحيوانات بمقدار 15 ضعفًا، كما تتيح لفريق متخصص من مفتشي البيئة في المحمية المراقبة المستمرة لسلوك الحيوانات وصحتها ونجاحها في التكاثر.
وقد اختير غزال الرمل لما يتمتع به من أهمية بيئية وملاءمة لطبيعة الموقع. وباعتباره من الحيوانات التي تتغذى على الأعشاب والشجيرات، فإنه يسهم في إدارة الغطاء النباتي ونثر البذور واستعادة السلسلة الغذائية الطبيعية في المحمية. كما يسمح حجمه له بالحركة بحرية أسفل الألواح الشمسية دون التأثير في البنية التحتية.
* هل توجد خطط لتوسيع نطاق تطبيق نهج حفظ الحياة الفطرية ليشمل محطات أخرى للطاقة الشمسية في المملكة؟ وما المعايير البيئية والتشغيلية التي ستوجّه هذا التوسع؟
- نعم، نتطلع إلى تكرار تطبيق نهج حفظ الحياة البرية في المناطق المحمية بالمملكة التي تحتاج إلى إعادة الحياة الفطرية على نطاق واسع. ونحن نشارك ما اكتسبناه من دروس مع مطوري مشاريع الطاقة ومجتمع المعنيين بحفظ الطبيعة.
وتتمثل معايير نجاح تطبيق نهج حفظ الحياة البرية في: محيط آمن ومحكم بسياج مصمم لمنع دخول المفترسات؛ ومساحة كافية تتيح للحيوانات تكوين قطعان طبيعية؛ وأراضٍ مفتوحة تضم معالم طبيعية؛ والحد الأدنى من الإزعاج البشري بفضل الصيانة الآلية للألواح الشمسية؛ إضافة إلى القرب، في الحالة المثالية، من الموائل التي ستُطلق فيها الحيوانات في نهاية المطاف.
* ما التحديات الصحية والبيئية والتشغيلية التي ظهرت خلال المرحلة التجريبية، وكيف جرى التعامل معها مع الحفاظ على استمرارية توليد الكهرباء؟
- شملت تجربة إثبات المفهوم، التي استمرت سبعة أشهر، ذكوراً من غزال الرمل والغزال الجبلي، إلى جانب الأرنب العربي. وأظهرت المراقبة اليومية التي أجراها مفتشو البيئة وفرق رعاية الحيوانات في المحمية أن غزال الرمل والغزال الجبلي تكيّفا بشكل جيد، دون تسجيل أي أضرار في البنية التحتية للطاقة الشمسية، أو أي تعارض مع العمليات التشغيلية، أو أي مشكلات سلوكية.
وتتولى روبوتات صيانة الألواح الشمسية ذاتية التنظيف، مما يقلل من التدخل البشري، كما أن حركة الألواح أثناء تتبعها للشمس لا تُزعج الغزلان.
ومن أبرز نتائج المرحلة التجريبية أن الغزلان اعتادت على وجود الألواح واستفادت من الظل الذي توفره، حيث تنخفض درجات الحرارة بنحو 5 إلى 10 درجات مئوية مقارنة بالمناطق المكشوفة، كما سُجّل تراجع في حالات التنازع بينها بفضل اتساع المساحة.
أما الأرنب العربي، فيحتاج إلى مزيد من الغطاء النباتي المنخفض، وإلى سد الفجوات في الأطراف السفلية للسياج الدقيق لحمايته من المفترسات. كما أسفرت التجربة عن دروس عملية في مجال رعاية الحيوانات، من بينها أهمية توفير محطات تغذية متعددة للحد من التوتر داخل القطيع، وضرورة السيطرة على المخلفات البلاستيكية التي تحملها الرياح، واستمر توليد الكهرباء دون أي انقطاع طوال فترة التجربة.
* هل يمكن لهذا النموذج أن يدعم إكثار أنواع محلية أخرى وإعادة توطينها، وأن يُسرّع استعادة التنوع الأحيائي؟
- نعم، فقد شملت تجربة إثبات المفهوم غزال الرمل، والغزال الجبلي، والأرنب العربي، وتكيّفت الأنواع الثلاثة جميعها بنجاح مع البيئة الجديدة. وفي حين بدأ برنامج الإكثار بغزال الرمل، سنطلق قريباً برامج لإكثار الأرنب العربي والغزال الجبلي. غير أن محطات الطاقة الشمسية لا تُعد بيئة ملائمة لرعاية الأنواع الأكبر حجماً، مثل المها العربي، والوعل النوبي، والنعام، والحمار البري الفارسي، إذ قد تُلحق أضراراً بالألواح الشمسية.
* ما التغيرات البيئية التي تتوقعونها خلال العقد المقبل، وما المؤشرات العلمية التي سيُقاس بها النجاح؟
- خلال العقد المقبل، سيسهم نهج حفظ الحياة البرية في تسريع نمو القطعان المؤسِّسة اللازمة لإعادة غزال الرمل إلى المحمية بأعداد مستدامة ذاتياً، يليه الغزال الجبلي والأرنب العربي. وتؤدي الغزلان دوراً بيئياً مهماً، إذ تتغذى على الأعشاب والشجيرات، وتكسر القشرة السطحية للتربة بما يتيح إنبات البذور، كما تسهم في نثر البذور. ومع مرور الوقت، ستدعم أيضاً وجود المفترسات مثل الوشق والضبع المخطط.ونقيس النجاح على ثلاثة مستويات: نمو القطعان ومعدلات بقائها وتنوعها الجيني؛ وبقاء الحيوانات وتكاثرها وتنقلها بعد إطلاقها؛ وعلى مستوى النطاق الطبيعي الأوسع، مدى إسهامها في أداء النظم البيئية لوظائفها، بما في ذلك ت عافي الغطاء النباتي ونثر البذور.
وعلى المدى الطويل، يعني النجاح وجود نظم بيئية تؤدي وظائفها، وأنواع فطرية تزدهر بأقل قدر من التدخل البشري. ويتمثل هدفنا في بناء مجموعات مستدامة ذاتياً من الحياة الفطرية، وتكوين مجموعات مؤسسة من الأنواع المهددة بالانقراض، قادرة على دعم جهود الاستعادة في مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط.
* ما تكلفة تهيئة محطة للطاقة الشمسية لإكثار الحياة الفطرية، وكيف تُقارن بتكلفة إنشاء منشأة إكثار مستقلة؟
- التكلفة ضئيلة جداً، إذ اقتصرت البنية التحتية الإضافية على محطات التغذية والمياه، فيما يُعد السياج الأمني المستخدم في محطات الطاقة الشمسية مصمماً بالفعل لمنع دخول المفترسات. في المقابل إنشاء منشأة مماثلة من الصفر على المساحة ذاتها، البالغة 505 هكتارات، ستبلغ تكلفته نحو 6.1 ملايين ريال سعودي.
* ما التحديات التي قد تؤثر في تحقيق مستهدف الوصول إلى 600 غزال بحلول عام 2031، وكيف ستحددون جاهزيتها للبقاء والتكاثر في البرية؟
- تتمثل المخاطر الرئيسية في الأمراض، والأمن الحيوي، وفقدان التنوع الجيني. ويتولى فريقنا المتخصص من مربي الحيوانات والأطباء البيطريين والعلماء مراقبة القطعان عن كثب. كما نُجري فحوصاً للذكور لاختيار أفضلها للإكثار، ونعمل على تدويرها بين القطعان لمنع التزاوج الداخلي، إلى جانب إدخال حيوانات جديدة من خارج القطيع.
ويعتمد نهج إعادة الحياة الفطرية في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية على نهج مرحلي، إذ ستُطلق الحيوانات التي يجري إكثارها ضمن نهج حفظ الحياة البرية في منطقة مسيّجة أكبر قبل إطلاقها في البرية. وفي هذه المرحلة الثانية، سيجري تقييم قدرتها على التغذي ذاتياً على الغطاء النباتي الطبيعي والحفاظ على حالتها الجسدية. وسيُقلَّص التدخل البشري إلى أدنى حد لضمان اكتسابها «استجابة الفرار» اللازمة لبقائها في البرية.