إبراهيم أبوهيف
تدخل الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر 2026 وسط مشهد سياسي داخلي وخارجي شديد التشابك، فالمنافسة لا تدور فقط حول أغلبية مجلسي النواب والشيوخ، وإنما حول المساحة التي سيحتفظ بها الرئيس دونالد ترامب لإدارة النصف الثاني من ولايته، في وقت أصبحت فيه السياسة الخارجية جزءًا من الحساب الداخلي الأمريكي، ودخلت الحرب مع إيران وأسعار الطاقة وتكاليف المعيشة إلى النقاش الانتخابي إلى جانب الاقتصاد والهجرة والانقسام الحزبي.
يبدأ الجمهوريون السباق بأغلبية 53 مقابل 47 في مجلس الشيوخ، بما يجعل الديمقراطيين بحاجة إلى أربعة مقاعد صافية لقلب الأغلبية، بينما تبدو معركة مجلس النواب أكثر حساسية لضيق الفارق واتساع رقعة الدوائر القابلة للتغيير.
في الوقت نفسه، أظهرت القياسات التي سبقت الانتخابات تراجع تأييد ترامب إلى حدود الثلث، مع تقدم للديمقراطيين بنحو ست نقاط في أحد مؤشرات التصويت العام، وهي صورة لا تحسم شكل الكونغرس المقبل، لكنها تجعل الثالث من نوفمبر مفتوحًا على أكثر من معادلة للسلطة داخل واشنطن.
القضية هنا لا تتعلق بمن يربح عددًا أكبر من المقاعد فقط، بل بما إذا كان ترامب سيدخل عامي 2027 و2028 بسلطة موحدة سياسيًا، أم بواشنطن منقسمة بين البيت الأبيض وإحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما، لأن هذا الفارق سيحدد حجم الاحتكاك حول التمويل والتسليح والتعيينات والعقوبات والعمليات الخارجية، وقدرة الإدارة على تحويل قرارات الرئيس إلى سياسات ممتدة زمنيًا.
معادلة القوة.. الرئيس باق لكن مساحة الحركة قد تتغير
لا تؤدي انتخابات التجديد النصفي إلى تغيير الرئيس، ولذلك سيظل ترامب صاحب القرار التنفيذي الرئيسي في السياسة الخارجية بعد الثالث من نوفمبر، وسيبقى قادرًا على استخدام العقوبات وإدارة الدبلوماسية واتخاذ نطاق واسع من القرارات المرتبطة بالأمن القومي والقوات المسلحة، لكن الكونغرس يستطيع أن يجعل استمرار هذه السياسات أسهل أو أكثر تكلفة.
فإذا بقي المجلسان تحت سيطرة الجمهوريين، يدخل البيت الأبيض عام 2027 ببيئة أكثر انسجامًا تسمح له باستمرار المسار الحالي في الإنفاق الدفاعي والتعيينات والتسليح والعقوبات، وتمنحه قدرة أكبر على تحويل العمليات القصيرة إلى سياسات ممتدة.
وإذا انتقل مجلس النواب إلى الديمقراطيين مع بقاء مجلس الشيوخ جمهوريًا، تظهر معادلة مختلفة؛ يحتفظ ترامب بمجلس قادر على حماية جانب مهم من تعييناته وسياساته، بينما تملك المعارضة في النواب أدوات الاعتمادات والتحقيق والاستدعاء والرقابة، فتظل القوة الرئاسية قائمة لكن ترتفع تكلفة استخدامها.
أما انتقال المجلسين إلى الديمقراطيين فيضع البيت الأبيض أمام أقصى درجات الاحتكاك المؤسسي خلال النصف الثاني من الولاية، خصوصًا في الملفات التي تحتاج إلى تمويل متكرر أو دعم تشريعي طويل، دون أن يعني ذلك توقف السياسة الخارجية أو فقدان الرئيس أدواته التنفيذية.
ويظل هناك مسار رابع يقوم على بقاء مجلس النواب جمهوريًا وانتقال الشيوخ إلى الديمقراطيين، وهو مسار ينتج نوعًا مختلفًا من الانقسام، تصبح فيه التعيينات والملفات التي تمر عبر مجلس الشيوخ أكثر تعقيدًا، بينما يحتفظ البيت الأبيض بمساحة أكبر في جانب من الاعتمادات والتحركات التشريعية عبر مجلس النواب.
الفارق بين هذه الصور الأربع لا يتعلق بقوة أمريكا ذاتها، وإنما بمقدار ما يستطيع الرئيس استخدامه من هذه القوة، وبالمدة التي يستطيع الاستمرار خلالها قبل أن تتحول السياسة الخارجية إلى صراع داخلي على المال والرقابة والشرعية السياسية.
إيران.. الحرب تدخل صندوق الاقتراع
تمثل إيران المتغير الخارجي الأكثر حضورًا في انتخابات 2026، لأن المواجهة لم تعد قضية أمن قومي بعيدة عن الحياة اليومية للناخب الأمريكي، بعدما ارتبطت بأسعار الطاقة والنقل والأسواق وتكاليف الانتشار العسكري، لتصبح للمرة الأولى في هذه الدورة حربًا يمكن قياس جزء من تكلفتها داخل الاقتصاد الأمريكي نفسه.
وهنا يتغير معنى نتيجة نوفمبر؛ فالكونغرس الجمهوري يمنح الإدارة قدرة أكبر على إطالة الضغط العسكري والاقتصادي والمحافظة على العقوبات وتمويل التحركات المرتبطة بالمواجهة، بينما يفتح الكونغرس المنقسم مساحة أكبر للجدل حول أهداف الحرب وحدودها وتكلفتها، ويجعل أي تصعيد طويل أكثر احتياجًا إلى تبرير سياسي داخلي.
أما بالنسبة لطهران، فلن تكون النتيجة مجرد فوز لحزب أو خسارة لآخر، وإنما قراءة لقدرة ترامب على الاستمرار، فإذا حافظ على أغلبية متوافقة معه يتراجع الرهان على أن الزمن وحده يمكن أن يخلق انقسامًا داخل واشنطن، بينما يتيح تغير الكونغرس مجالًا أوسع لاختبار الحدود بين صلاحيات الرئيس والقرارات التي تحتاج إلى تمويل أو توافق تشريعي.
وبذلك قد يكون الثالث من نوفمبر مؤثرًا في شكل المرحلة التالية من المواجهة أكثر من تأثيره في أصلها؛ ضغط مستمر بغطاء سياسي واسع، أو ضغط تتحكم فيه قيود داخلية أكبر، أو محاولة لتحويل جزء من المواجهة إلى مسار تفاوضي يحقق نتيجة أسرع ويخفض تكلفتها على الداخل الأمريكي.
أسبوع واحد بين إسرائيل وواشنطن
تكتسب الانتخابات الأمريكية وزنًا إضافيًا لأنها تأتي بعد سبعة أيام فقط من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، بما يجعل المنطقة أمام أسبوع قد يعيد توزيع مراكز القرار على جانبي العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية في وقت واحد.
في إسرائيل لا تكفي صدارة حزب للفوز بالحكم، بل تبقى معادلة الـ61 مقعدًا هي الطريق إلى تشكيل الحكومة، وهو ما يجعل شكل الائتلاف المقبل أكثر أهمية من اسم الحزب الأول، ويضع الأحزاب الصغيرة والتحالفات اللاحقة للاقتراع داخل قلب النتيجة.
وتفاعل الانتخابات الإسرائيلية مع نظيرتها الأمريكية يخلق عدة صور لليوم التالي، فوجود حكومة إسرائيلية يمينية أمام كونغرس جمهوري وبيت أبيض جمهوري يمنح المقاربة الأمنية مساحة أوسع للحركة، بينما يضع الحكومة نفسها أمام بيئة أكثر تعقيدًا إذا تغير أحد مجلسي الكونغرس أو كلاهما، خصوصًا في التمويل والتسليح والضفة وغزة وطريقة إدارة المواجهة مع إيران.
في المقابل، فإن تغير تركيبة الحكومة الإسرائيلية بالتزامن مع تغير ميزان الكونغرس قد يفتح مساحة أكبر أمام إعادة طرح المسار السياسي، لكنه لن يمحو التحولات التي فرضتها السنوات الأخيرة داخل إسرائيل، ولن يجعل الوصول إلى تسوية فلسطينية نتيجة تلقائية لتغير الأشخاص، لأن الخلاف لم يعد متعلقًا بمن يدير الحرب فقط، بل بما أصبحت عليه العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر.
ما بين نوفمبر ويناير
لا تنتهي أهمية الانتخابات في ليلة الثالث من نوفمبر، فهناك فترة تمتد حتى بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير 2027 تكون فيها نتائج الانتخابات قد أصبحت معروفة، بينما يظل الكونغرس الحالي محتفظًا بصلاحياته.
وتصبح هذه الفترة أكثر حساسية إذا تغيرت الأغلبية، لأن الإدارة والقوى المسيطرة على الكونغرس القائم ستكون على علم بالشروط السياسية الجديدة التي ستبدأ بعد أسابيع، وهو ما قد يدفع إلى تسريع بعض الاعتمادات أو التعيينات أو العقوبات أو صفقات التسليح أو القرارات المرتبطة بالسياسة الخارجية قبل تغير موازين المؤسسة التشريعية.
وفي ملفات مثل إيران وإسرائيل والإنفاق الدفاعي، يمكن لهذه النافذة أن تكون مرحلة تثبيت للسياسات قبل يناير، بينما يؤدي بقاء الخريطة الحالية إلى نتيجة مختلفة؛ استمرارية تسمح بتوزيع القرارات على فترة أطول من دون الحاجة إلى سباق مع تغير الأغلبية.
لذلك فإن اليوم التالي للانتخابات لا يبدأ في يناير، بل يبدأ بمجرد إعلان النتائج، وقد تكون الأسابيع الأخيرة من 2026 واحدة من أكثر المراحل حركة في السياسة الخارجية الأمريكية خلال العام كله.
السيناريوهات المحتملة
استمرار السيطرة الجمهورية على المجلسين يعني أن ترامب يدخل عامي 2027 و2028 بأوسع مساحة مؤسسية متاحة له، مع قدرة أكبر على استمرار الضغط على إيران، والحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنفاق الدفاعي والتسليح والعقوبات، ومساحة أوسع لإدارة ملفات إسرائيل والبحر الأحمر من دون صراع تشريعي كبير، مع بقاء الاقتصاد والطاقة والرأي العام قيودًا لا يستطيع الكونغرس الموالي إلغاءها.
مجلس نواب ديمقراطي ومجلس شيوخ جمهوري ينتج إدارة قوية في أدواتها التنفيذية لكنها أكثر تعرضًا للرقابة والمساءلة، ويجعل الاعتمادات والتحقيقات جزءًا دائمًا من السياسة الخارجية، وهو ما قد يدفع البيت الأبيض إلى الاعتماد بصورة أكبر على القرارات التنفيذية والعمليات المحددة والتفاهمات التي لا تحتاج إلى مسارات تشريعية طويلة.
انتقال المجلسين إلى الديمقراطيين يرفع تكلفة السياسات المفتوحة زمنيًا، ويمنح المعارضة مساحة أوسع في التمويل والتعيينات والرقابة، وقد يزيد الضغط باتجاه تحديد أهداف الحروب ومدتها وشروط المساعدات، لكنه لا يلغي أدوات ترامب في العقوبات والدبلوماسية والأمن القومي، ولذلك ستكون النتيجة أقرب إلى تقييد الاستمرار من تقييد القدرة على المبادرة.
بقاء مجلس النواب جمهوريًا وانتقال مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين يخلق معادلة غير متماثلة، يصبح فيها ملف التعيينات والموافقات التي يختص بها الشيوخ أكثر صعوبة على الإدارة، بينما تحتفظ في مجلس النواب بقاعدة أفضل لتمرير جانب من أجندتها المالية والتشريعية، وهو ما ينتج نوعًا مختلفًا من المساومة داخل واشنطن.
تأثير ما بعد الانتخابات على المنطقة والعالم
لن تقف تداعيات انتخابات الثالث من نوفمبر عند حدود واشنطن، لأن النتيجة ستحدد إلى حد كبير كيفية استخدام الولايات المتحدة قوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية خلال عامي 2027 و2028، لا مقدار هذه القوة في ذاتها. فكلما اتسعت مساحة التوافق بين البيت الأبيض والكونغرس، ازدادت قدرة الإدارة على الجمع بين العقوبات والتمويل العسكري والتسليح والضغط الدبلوماسي في وقت واحد، بينما يدفع الانقسام المؤسسي نحو سياسة أكثر انتقائية، تعتمد على الأدوات الأقل تكلفة والأسرع تنفيذًا، وتصبح فيها الأولويات الخارجية خاضعة بصورة أكبر لحسابات الداخل الأمريكي.
ويظهر الأثر الأول في الشرق الأوسط، حيث ترتبط غزة وإيران والعراق ولبنان واليمن والبحر الأحمر ضمن دائرة واحدة من التأثير المتبادل، ففي غزة، لن يكون الاختلاف الأساسي متعلقًا باستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، وإنما بشروطه وأدواته وحدود الرقابة عليه، وبمدى استعداد واشنطن لتحويل ما بعد وقف النار إلى مسار سياسي يتناول الإدارة والإعمار والأمن والمعابر ومستقبل الدولة الفلسطينية، بينما ينعكس شكل الكونغرس على قدرة الإدارة على تمويل هذه الترتيبات أو الضغط لتعديلها أو إبقاء الملف في نطاق الإدارة الأمنية لفترة أطول. ويتضاعف هذا الأثر مع إيران، لأن مسار المواجهة معها بات متصلًا مباشرة بأسعار الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل أي تصعيد أمريكي بعد الانتخابات ذا أثر يتجاوز المجال العسكري إلى الاقتصاد العالمي، فاستمرار الضغط بمستوى مرتفع يمكن أن يرفع تكلفة النفط والشحن ويزيد حساسية الأسواق للممرات البحرية، بينما يؤدي اتجاه أكثر تفاوضًا إلى تخفيف جزء من علاوة المخاطر على الطاقة والتجارة، ومن ثم فإن نتيجة الكونغرس قد تنعكس بصورة غير مباشرة على التضخم العالمي، وتكلفة النقل، وأسعار السلع، وقدرة الاقتصادات المستوردة للطاقة على امتصاص الضغوط الجديدة.
ويبرز البحر الأحمر باعتباره الحلقة التي تجمع السياسة بالأثر الاقتصادي بصورة أكثر وضوحًا، فاضطراب الملاحة لا يبقى محصورًا في اليمن أو باب المندب، بل يمتد إلى تكلفة التأمين، وأزمنة الشحن، وأسعار السلع، ومسارات التجارة بين آسيا وأوروبا، وهو ما يجعل السياسة الأمريكية تجاه الحوثيين وإيران بعد الانتخابات جزءًا من حساب اقتصادي عالمي، لا مجرد ملف أمني إقليمي.
وإذا اتجهت واشنطن إلى مواصلة العمليات والضغط المفتوح، فقد تبقى الممرات تحت مستوى مرتفع من المخاطر، أما إذا انتقلت إلى ترتيبات أوسع لخفض التصعيد، فقد تبدأ الأسواق في استعادة قدر من الاستقرار حتى قبل الوصول إلى تسوية سياسية كاملة.
في العراق ولبنان، قد يظهر أثر الانتخابات بصورة مختلفة، إذ تصبح العقوبات والقيود المالية والدبلوماسية أدوات أكثر جاذبية كلما ارتفعت تكلفة الانخراط العسكري المباشر، وهو ما يعني أن تغير تركيبة الكونغرس قد لا يغير الأهداف الأمريكية الأساسية، لكنه قد يغير وزن الأدوات المستخدمة لتحقيقها؛ من ضغط عسكري مباشر إلى تشديد مالي ومصرفي، ومن عمليات ممتدة إلى تفاهمات محددة، ومن تدخل أوسع إلى سياسة تقوم على ضبط السلوك عبر العقوبات والدعم المشروط.
أما السودان والقرن الإفريقي، فسيكونان أكثر ارتباطًا بمسألة الأولويات، فكلما انشغلت واشنطن بإيران وغزة والصراع الداخلي بين المؤسسات، تراجعت قدرتها على تخصيص الاهتمام والموارد للأزمات التي لا تتصدر النقاش الانتخابي الأمريكي، بينما يمنحها التوافق الداخلي مساحة أوسع للتحرك المتزامن في أكثر من ساحة، وتكتسب هذه الملفات أهمية متزايدة لأنها لم تعد منفصلة عن أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية والموانئ وخليج عدن، بما يجعل تراجع الاهتمام الأمريكي بها قادرًا على فتح مساحات أوسع لقوى أخرى ولترتيبات إقليمية مستقلة عن واشنطن.
اقتصاديًا، ستكون الأسواق من أول من يقرأ نتيجة نوفمبر، لأن المستثمرين لا ينظرون إلى هوية الأغلبية فقط، بل إلى درجة الاستقرار التي ستنتجها العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، فاستمرار التوافق قد يعني قدرة أعلى على تمرير الإنفاق الدفاعي والعقوبات والحزم المالية بسرعة، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه مخاطر استمرار سياسات خارجية مكلفة، بينما يمكن للانقسام أن يحد من سرعة القرار ويزيد احتمالات المساومة على الموازنات والإنفاق، وهو ما قد ينعكس على الدولار وأسواق السندات والطاقة وثقة المستثمرين.
كما أن أي توسع في العقوبات على إيران أو أطراف مرتبطة بها ستكون له انعكاسات تتجاوز الدول المستهدفة، لأن تشديد القيود على النفط والتحويلات والشحن يعيد توزيع التدفقات التجارية والمالية عالميًا، ويزيد الاعتماد على مسارات بديلة وشبكات دفع أكثر تعقيدًا، بما يدفع قوى دولية إلى تسريع محاولاتها تقليل تعرضها للأدوات المالية الأمريكية، حتى وإن ظل الدولار والنظام المالي الأمريكي في موقعهما المركزي.
سياسيًا، قد تكون النتيجة الأعمق للانتخابات هي تغير تصور الحلفاء والخصوم لمدى استمرارية القرار الأمريكي، فالإدارة التي تحظى بظهير تشريعي قوي يمكن التعامل مع قراراتها باعتبارها قابلة للاستمرار لعامين على الأقل، بينما تدفع واشنطن المنقسمة العواصم المختلفة إلى التحوط، وتأجيل بعض الالتزامات، وتنويع الشراكات، ومحاولة بناء بدائل لا تتوقف على دورة انتخابية أمريكية قصيرة.
ولا تتوقف التداعيات عند الشرق الأوسط، فالصورة التي ستخرج بها واشنطن من نوفمبر ستنعكس على أوروبا في الإنفاق الدفاعي والحرب والعقوبات، وعلى آسيا في المنافسة مع الصين وأمن الممرات وسلاسل التكنولوجيا، وعلى الأسواق الناشئة في أسعار الطاقة والتمويل، ليصبح شكل الكونغرس عنصرًا مؤثرًا في قدرة الولايات المتحدة على إدارة أكثر من جبهة دولية في الوقت نفسه.
تبقى الفترة من إعلان النتائج حتى بدء عمل الكونغرس الجديد في يناير 2027 واحدة من أكثر المراحل حساسية، لأن الإدارة ستعرف خلالها شكل القيود المقبلة بينما تظل المؤسسة التشريعية الحالية قائمة، فتتحول الأسابيع الأخيرة من 2026 إلى مرحلة تثبيت للسياسات إذا تغيرت الأغلبية، أو إلى مرحلة إعداد لمسار أطول إذا بقيت الخريطة الحالية.
وبذلك، فإن الأثر الحقيقي لانتخابات نوفمبر على المنطقة والعالم لن يظهر في صورة تحول مفاجئ في السياسة الأمريكية، بل في إعادة توزيع أدوات القوة الأمريكية بين العسكري والمالي والدبلوماسي، وفي تغير سرعة استخدامها وتكلفتها وقدرتها على الاستمرار، وهو ما سيحدد بدرجة كبيرة شكل التفاعل الدولي مع ملفات تمتد من غزة وإيران إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومن أسواق الطاقة إلى التجارة العالمية، خلال العامين التاليين.
المشهد الذي يدخل عام 2027 لم يعد ذلك الشرق الأوسط الذي ينتظر قرار واشنطن كي يتحرك، فقد أعادت الحروب والأزمات ترتيب مصالح الدول الإقليمية، وأظهرت السنوات الأخيرة أن القوة الأمريكية تستطيع فرض التكلفة وتحريك الموازين، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج استقرار مستدام في فلسطين، أو اليمن أو السودان أو البحر الأحمر.
ولهذا فإن الأثر الأعمق لانتخابات 2026 لن يكون في تغيير اتجاه الشرق الأوسط بقرار يصدر من الكونغرس، بل في تحديد سرعة الحركة الأمريكية وحدود استمرارها، وفي مقدار المساحة التي ستتاح للدول الإقليمية لتثبيت ترتيباتها الخاصة خلال عامين سيجمعان بين استمرار الصراعات القديمة ومحاولات صياغة قواعد جديدة للأمن والاستقرار.
وبين واشنطن وتل أبيب، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، لن يكون الثالث من نوفمبر نهاية سباق انتخابي بقدر ما سيكون بداية اختبار جديد: ليس لحجم القوة الأمريكية، وإنما لمدى قدرتها على تحويل القوة إلى سياسة يمكن أن تستمر حتى نهاية ولاية ترامب.