د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
مع اتساع دوائر التأثير في حياة الناشئة، وتعدد المصادر التي تشكّل وعيهم وتوجّه سلوكهم، تبرز الحاجة إلى غرس قيم الانتماء والمواطنة منذ السنوات الأولى؛ بوصفها أساسًا لبناء شخصية متوازنة، وترسيخ المسؤولية، وحماية اللحمة الوطنية والنسيج الاجتماعي.
فلم تعد عقول الناشئة ووجدانهم يتشكلان داخل الأسرة والمدرسة وحدهما، بل امتدت دوائر التأثير إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل وغيرها من المصادر التي تخاطبهم يوميًا. وهذا يجعل غرس قيم الانتماء والمواطنة مسؤولية تربوية ووطنية تتطلب عناية مبكرة ومستمرة، وتكاملًا بين الجهات المعنية بالتنشئة.
فالانتماء إلى الوطن ليس شعورًا عابرًا، والمواطنة ليست مجرد التزام بالأنظمة؛ بل هما منظومة من القيم والسلوكيات التي تتشكل بالتربية، وتترسخ بالقدوة، وتنمو بالممارسة، حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان وطريقة تعامله مع مجتمعه ووطنه. ومن هنا، لا ينبغي النظر إلى غرس هذه القيم بوصفه مهمة تعليمية محدودة، وإنما باعتباره مشروعًا تربويًا وطنيًا متكاملًا تشترك فيه الأسرة والمدرسة والمؤسسات الوطنية، ويقوم على تحويل الانتماء من مفهوم يُقال إلى سلوك يُمارس، ومن قيمة تُلقّن إلى ممارسة يعيشها الناشئ في حياته اليومية.+
أولًا: الانتماء والمواطنة.. مفاهيم تتجاوز الشعور إلى السلوك
الانتماء هو شعور الإنسان بارتباطه بوطنه واعتزازه به، أما المواطنة فهي ترجمة هذا الشعور إلى سلوك مسؤول يظهر في احترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، والتعاون مع الآخرين، والإسهام في خدمة المجتمع. وحين يتعلم الناشئ أن حب الوطن لا يقتصر على المشاعر والكلمات، بل يظهر في أفعاله اليومية، يصبح الانتماء قيمة حية تتجسد في سلوكه وتعامله مع من حوله.
ولا تقف التربية على المواطنة عند تكوين علاقة إيجابية بين الناشئ ووطنه، بل تمتد إلى علاقته بأفراد مجتمعه، من خلال تدريبه على احترام النظام، والمحافظة على البيئة والمرافق العامة، وتقدير العمل، ومساعدة الآخرين، والمشاركة في المبادرات التي تخدم المجتمع. فهذه الممارسات الصغيرة، حين تتكرر منذ الصغر، تتحول مع الوقت إلى عادات راسخة، وتسهم في بناء شخصية مسؤولة.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى قيمة التعاون في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2]، وهو معنى يتسع ليشمل صورًا متعددة من التعاون على الخير، والإسهام في صلاح المجتمع، وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين. ومن هذا المنظور، يمكن أن تكون التربية على المواطنة امتدادًا عمليًا لقيم التعاون والإحسان والمسؤولية التي يحث عليها الإسلام.
فالغاية ليست أن يحفظ الناشئ عبارات عن الوطن، وإنما أن ينشأ مدركًا أن انتماءه إليه مسؤولية، وأن المواطنة سلوك يومي، وأن المحافظة على مكتسبات وطنه، واحترام أنظمته، والإسهام في تنميته، صور عملية للتعبير عن هذا الانتماء.
ثانيًا: الأسرة والمدرسة.. البذرة الأولى لغرس القيم الوطنية
تبدأ القيم من البيئة التي يعيش فيها الناشئ قبل أن يتلقاها في الكتب والمناهج؛ فالأسرة هي المحيط الأول الذي يتعلم فيه معنى الاحترام والانضباط وتحمل المسؤولية، ومنها يكتسب الطفل كثيرًا من عاداته ومواقفه تجاه الآخرين والمجتمع والوطن. وحين يرى والديه يحترمان النظام، ويقدران العمل، ويحافظان على الممتلكات العامة، ويحرصان على خدمة الآخرين، فإنه يتعلم هذه القيم بالممارسة قبل أن يتعلمها بالكلمات. ثم تأتي المدرسة لتوسّع دائرة هذا البناء، فتمنح الناشئ فرصة لممارسة القيم في بيئة جماعية يتعلم فيها التعاون، والالتزام، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية. ولا يقتصر دورها على تقديم المعرفة، بل يمتد إلى تهيئة التجارب التي تجعل القيم جزءًا من السلوك اليومي، من خلال الأنشطة والمبادرات والمواقف التي يشعر فيها الطالب بأنه عضو فاعل في مجتمعه.
وتزداد فاعلية هذا الدور حين تتكامل الأسرة والمدرسة في رسالتهما؛ فما تغرسه الأسرة من قيم تعززه المدرسة، وما يتعلمه الطالب في المدرسة يجد صداه في البيت. أما حين تتباعد الرسائل التربوية بين البيئتين، فقد يجد الناشئ نفسه أمام نماذج متناقضة يصعب معها ترسيخ السلوك المراد. ولذلك فإن بناء المواطنة يبدأ من اتفاق البيئة المحيطة بالناشئ على قيم واضحة، ثم تحويلها إلى ممارسات يراها ويشارك فيها بصورة مستمرة.
فالمواطنة التي نريد أن يحملها الناشئ في مستقبله لا تُصنع في مناسبة عابرة، وإنما تتشكل من تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم؛ في احترام النظام، والمحافظة على المكان، وتقدير الآخرين، والقيام بالواجب، والمبادرة إلى الخير. ومن هذه التفاصيل تتكون شخصية تعرف قيمة وطنها، وتدرك أن المحافظة عليه تبدأ من سلوك الفرد قبل أي شعار.
ثالثًا: القدوة والمؤسسات الوطنية.. تكامل يصنع الانتماء ويرسّخ المواطنة
لا تكفي المناهج والبرامج وحدها لغرس قيم الانتماء والمواطنة؛ فالناشئ يتأثر بما يراه من سلوك أكثر مما يتأثر بما يسمعه من توجيه. وهنا تتأكد أهمية القدوة في حياته؛ فالطفل الذي يرى والده يحترم النظام، ومعلمه يؤدي عمله بإخلاص، ومن حوله يحافظون على الممتلكات العامة ويقدرون الآخرين، يتعلم أن المواطنة سلوك يُمارس قبل أن تكون قيمة تُقال.
وتزداد قيمة القدوة حين تنسجم مع ما تقدمه المؤسسات الوطنية من نماذج وممارسات؛ فالمؤسسة التعليمية التي تعزز المسؤولية والانضباط، والمؤسسة الإعلامية التي تبرز النماذج الوطنية الملهمة، والمؤسسة الثقافية التي تعرّف الناشئة بتاريخ وطنهم ومنجزاته، والمؤسسات الحكومية التي تقدم خدماتها للمواطن باحترام وكفاءة، كلها تسهم في تشكيل صورة عملية للمواطنة في وعي الناشئ.
كما تستطيع المؤسسات الوطنية إشراك الناشئة في ممارسة هذه القيم من خلال المبادرات التطوعية، والبرامج الثقافية، والأنشطة البيئية، والمسابقات الوطنية، والزيارات التعليمية للمواقع التاريخية. فالمشاركة تمنح القيمة معنى أعمق من مجرد الحديث عنها، وتحوّل الناشئ من متلقٍ إلى مشارك يشعر بأن له دورًا في مجتمعه.
وتلتقي هذه القدوة العملية مع المنهج النبوي في التربية؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً لأصحابه في أقواله وأفعاله ومعاملاته، فكان السلوك العملي جزءًا أصيلًا من التربية. ومن هنا، يزداد أثر غرس القيم الوطنية في نفوس الناشئة حين يجدونها متجسدة أمامهم في سلوك الأسرة والمعلم والمؤسسة والمجتمع.
وحين تتكامل القدوة الفردية مع القدوة المؤسسية، يصبح الانتماء أكثر رسوخًا؛ لأن الناشئ لا يسمع عن القيم فحسب، بل يراها ويشارك في ممارستها، فينشأ مدركًا أن حب الوطن مسؤولية مشتركة، وأن المواطنة تبدأ من الفرد وتمتد آثارها إلى المجتمع كله.
رابعًا: اللحمة الوطنية.. ثمرة المواطنة الراسخة
لا تُبنى اللحمة الوطنية بالشعارات وحدها، وإنما تنمو حين يتعلم أفراد المجتمع منذ الصغر أن اختلافهم لا يلغي ما يجمعهم، وأن احترام الآخرين والتعاون معهم وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع قيم تحفظ تماسكه وتمنحه القدرة على مواجهة التحديات.
وحين ينشأ الناشئ على احترام النظام، وتقدير الآخرين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والمبادرة إلى خدمة مجتمعه، فإنه لا يكتسب سلوكًا فرديًا فحسب، بل يسهم في بناء نسيج اجتماعي أكثر تماسكًا. فكل سلوك مسؤول يضاف إلى سلوك آخر يصنع في مجموعه بيئة يسودها الاحترام والثقة والتعاون.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ...»؛ ففيه تصوير بليغ لقيمة الترابط والتراحم والتعاطف، وهي معانٍ تعزز تماسك المجتمع وتكافله، وتدفع أفراده إلى مساندة بعضهم بعضًا.
ومن هنا، فإن التربية على المواطنة لا تنتهي عند تكوين علاقة إيجابية بين الناشئ ووطنه، بل تمتد إلى علاقته بأفراد مجتمعه؛ فيتعلم أن المحافظة على تماسك المجتمع مسؤولية مشتركة، وأن احترام الآخرين، والتعاون معهم، والابتعاد عن السلوكيات التي تثير الفرقة أو تضعف الثقة، كلها صور عملية للمواطنة المسؤولة.
وكلما ترسخت هذه المعاني في نفوس الناشئة، أصبحوا أكثر قدرة على حمل مسؤولية المجتمع في المستقبل؛ لأن اللحمة الوطنية لا تُصنع عند ظهور الأزمات، وإنما تُبنى في الأوقات العادية من خلال التربية، والقدوة، والممارسة اليومية.
خامسًا: التحديات المعاصرة.. لماذا تزداد الحاجة إلى غرس القيم؟
لم يعد الناشئ يتلقى أفكاره وقيمه من محيطه القريب وحده؛ فقد أصبحت المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من حياته اليومية، واتسعت أمامه دائرة المحتوى الذي يشاهده ويتفاعل معه، وتعددت الشخصيات والنماذج التي يمكن أن تؤثر في أفكاره وسلوكه. وهذا الاتساع في مصادر التأثير يجعل مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع أكثر أهمية، لا سيما في السنوات التي تتشكل فيها شخصية الناشئ وتتكون نظرته إلى ذاته ومجتمعه ووطنه.
ولا تكمن المشكلة في تعدد مصادر المعرفة والتواصل في حد ذاته، فهذه المنصات تحمل فرصًا واسعة للتعلم والتواصل والإبداع، وإنما في أن بعض المحتوى قد يقدم للناشئ قيمًا أو أنماطًا سلوكية لا تنسجم مع بيئته الثقافية والاجتماعية، أو يعرض نماذج تجعل الشهرة معيارًا للنجاح، أو الفردية غاية، أو الاستهلاك نمطًا للحياة. ومع صغر سن المتلقي وقلة خبرته في التمييز بين المحتوى، يصبح تأثير هذه الرسائل أكثر قابلية للرسوخ.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه التحديات لا تكون بالعزلة عن العالم الرقمي، ولا بمنع الناشئة من استخدام التقنية، وإنما ببناء وعي قادر على الاختيار والتمييز؛ فيتعلم الناشئ كيف يتعامل مع المحتوى، وكيف يسأل عن مصدره، وكيف يميز بين ما ينفعه وما قد يضر قيمه وسلوكه، مع وجود متابعة أسرية وتوجيه تربوي يحفظ التوازن بين الانفتاح والوعي.
كما أن قوة الانتماء لا تُبنى بالخوف من المؤثرات الخارجية، وإنما ببناء شخصية واثقة من هويتها، تعرف قيمها، وتدرك تاريخ وطنها، وتفهم مسؤوليتها تجاه مجتمعها، وتستطيع في الوقت نفسه أن تتعامل مع العالم من حولها بوعي وانفتاح. فكلما كان الناشئ أكثر رسوخًا في قيمه، كان أقدر على التعامل مع المؤثرات المختلفة دون أن يفقد بوصلته.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الأسرة والمدرسة والمؤسسات الوطنية ليس منع كل مؤثر يصل إلى الناشئ، فهذا أمر غير ممكن، وإنما منحه مناعة قيمية ومعرفية تساعده على التعامل مع عالم مفتوح، وتجعله قادرًا على اختيار ما يقرأ ويشاهد ويتابع، وعلى تحويل التقنية من مصدر ضغط على هويته إلى أداة للتعلم والإبداع وخدمة وطنه ومجتمعه.
سادسًا: المواطنة والهوية.. حين يصبح الانتماء سلوكًا يوميًا
لا تكتمل المواطنة بمجرد معرفة الإنسان بهويته الوطنية أو اعتزازه بوطنه، وإنما تترسخ حين تتحول هذه المعرفة وهذا الاعتزاز إلى سلوك يظهر في تفاصيل الحياة اليومية. فالهوية التي لا تنعكس على السلوك تظل معنى مجردًا، أما حين ترتبط بالمسؤولية والعمل والاحترام، فإنها تصبح قوة فاعلة في بناء المجتمع.
والناشئ الذي يدرك قيمة وطنه وتاريخه، ويحترم أنظمته، ويحافظ على مكتسباته، ويقدر جهود الآخرين، ويشارك في خدمة مجتمعه، لا يعيش انتماءه بوصفه شعورًا داخليًا فحسب، وإنما يحوله إلى ممارسة يلمس أثرها من حوله. ومن هنا تتكامل الهوية مع المواطنة؛ فالهوية تمنح الإنسان جذوره ووعيه بذاته، والمواطنة تمنحه المجال ليترجم هذا الوعي إلى عمل ومسؤولية. كما أن الاعتزاز بالهوية الوطنية لا يتعارض مع الانفتاح على العالم؛ بل إن الشخصية الواثقة من هويتها تكون أقدر على التعرف إلى الثقافات الأخرى والتفاعل معها بوعي واحترام، دون أن تفقد خصوصيتها أو تتخلى عن قيمها. ولذلك فإن التربية المتوازنة لا تعزل الناشئ عن العالم، ولا تتركه ذائبًا في مؤثراته، وإنما تمنحه أساسًا راسخًا ينطلق منه إلى العالم بثقة ووعي.
وحين ينشأ جيل يعرف هويته، ويمارس مواطنته، ويحترم مجتمعه، ويشارك في تنميته، فإن الانتماء يتحول من قيمة فردية إلى قوة اجتماعية؛ لأن الوطن لا يحفظه الشعور وحده، وإنما يحميه مواطنون يدركون أن ما لديهم من مكتسبات أمانة، وأن ما عليهم من مسؤوليات جزء من بناء مستقبلهم ومستقبل وطنهم.
سابعًا: نموذج تطبيقي.. حين تتحول القيمة إلى ممارسة
تظهر أهمية تحويل قيم الانتماء والمواطنة إلى ممارسات يعيشها الناشئة في حياتهم اليومية، لا إلى مفاهيم تظل حبيسة الدروس والبرامج. وما تشهده المدارس السعودية من احتفاء بيوم التأسيس واليوم الوطني يمثل نموذجًا واضحًا لذلك؛ إذ تتيح هذه المناسبات للطلاب فرصة التعرف إلى تاريخ وطنهم، واستحضار منجزاته، والتعبير عن اعتزازهم بهويتهم الوطنية من خلال أنشطة وتجارب يعيشونها بأنفسهم.
ويمكن أن يتجاوز هذا الأثر حدود المناسبات إلى برامج مستمرة تجعل المواطنة ممارسة متكررة؛ كالرحلات التعليمية إلى المواقع التاريخية، والمبادرات التطوعية، وحملات المحافظة على البيئة والمرافق العامة، والمسابقات التي تعرّف بالهوية الوطنية، والبرامج التي تقدم للناشئة نماذج من الشخصيات الوطنية الملهمة. فحين يشارك الطالب في خدمة مجتمعه، أو يتعرف إلى تاريخ وطنه في مواقعه التاريخية، أو يسهم في المحافظة على بيئته، فإنه لا يتلقى قيمة المواطنة سماعًا، بل يمارسها ويكتشف أثرها بنفسه.
كما يمكن توظيف التقنية التي أصبحت جزءًا من حياة الناشئة في تعزيز هذا الجانب، من خلال محتوى رقمي هادف، ومشروعات طلابية تعرّف بتاريخ الوطن ومنجزاته، ومبادرات رقمية تشجع على التطوع وخدمة المجتمع. وبذلك تتحول البيئة الرقمية من مجرد مساحة لتلقي المحتوى إلى مجال يمكن أن يمارس فيه الناشئ مواطنته بصورة إيجابية.
والمهم في هذه المبادرات ألا تتحول إلى فعاليات موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما إلى تجارب تربوية متدرجة ومستمرة، تتناسب مع أعمار الناشئة وقدراتهم، وتربط بين المعرفة والممارسة. فالقيمة التي يعيشها الطفل في موقف حقيقي، ويشارك في تحقيقها بجهده، أعمق أثرًا من قيمة يسمع عنها ثم ينساها.
وهكذا يصبح غرس الانتماء والمواطنة عملية تراكمية؛ تبدأ من البيت، وتتعزز في المدرسة، وتدعمها القدوة والمؤسسات، وتمتد إلى الممارسة المجتمعية والفضاء الرقمي، حتى تتحول مع مرور الوقت إلى جزء أصيل من شخصية الناشئ وسلوكه.
الخاتمة
إن غرس قيم الانتماء والمواطنة في نفوس الناشئة ليس مهمة تربوية عابرة، وإنما هو استثمار في الإنسان، وبناء للمستقبل، وحماية للنسيج الاجتماعي من عوامل التباعد والضعف. فالقيم التي يتعلمها الناشئ في طفولته، ويرى أثرها في سلوك من حوله، ويمارسها في مدرسته ومجتمعه، تتحول مع الزمن إلى مواقف راسخة وسلوك مسؤول.
والمجتمع الذي ينجح في تربية أبنائه على الاعتزاز بهويتهم، واحترام أنظمته، وخدمة مجتمعهم، والمحافظة على مكتسبات وطنهم، إنما يبني جيلًا قادرًا على حمل مسؤولية المستقبل بوعي وثقة. ولذلك فإن غرس المواطنة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الوطنية والمجتمع، تتكامل فيها الأدوار حتى تصبح القيمة ممارسة حية، لا شعارًا موسميًا.
فالوطن لا يُبنى بالمشروعات والمنجزات وحدها، وإنما يُبنى أيضًا بالإنسان الذي يحافظ عليها، ويقدر قيمتها، ويسهم في تطويرها. وحين ينشأ الناشئ مدركًا أن انتماءه لوطنه مسؤولية، وأن مواطنته سلوك، وأن خدمة مجتمعه جزء من واجبه، فإننا لا نغرس قيمة في جيل فحسب، بل نؤسس لوعي يمتد أثره إلى أجيال قادمة.
ولعل أفضل ما نقدمه للوطن ليس أن نطلب من أبنائنا أن يحبوه فحسب، وإنما أن نعلّمهم كيف يترجمون هذا الحب إلى عمل، ومسؤولية، وإتقان، وعطاء.
ونسأل الله تعالى أن يحفظ وطننا الغالي المملكة العربية السعودية، وأن يديم عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار والرخاء، وأن يحفظ سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، ويوفقهما ويسددهما لكل خير، ويبارك في جهودهما لخدمة الدين والوطن والمواطنين.
كما نسأله سبحانه أن يحفظ جنودنا البواسل المرابطين على الحدود، ورجال أمننا الأوفياء، وأن يقوي عزائمهم، ويسدد رميهم، ويحرسهم بعينه التي لا تنام، ويرد كيد المعتدين في نحورهم، ويجعل تدبيرهم تدميرًا عليهم، ويحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، ويديم عليها وحدتها ولحمتها الوطنية، ويجمع أبناءها على المحبة والتلاحم والوفاء، إنه سميع مجيب.
** **
- أستاذ الدراسات العليا بقسم الدعوة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا