عفاف بنت صياح الشمري
في عالمٍ يعجُّ بالاضطرابات وتتجاذبه صراعات المحاور، لا تُقاس قوة الدول بمدى استعدادها للحروب، بل بقدرتها الفذة على منع وقوعها، وعلى رأس تلك الدول لدينا أفضل نموذج السعودية وسياستها في تبني مفهوم الدبلوماسية الوقائية حيث تعيد المملكة العربية السعودية صياغة مفاهيم القيادة والحكم والسياسة في الشرق الأوسط، متخذةً من الدبلوماسية الوقائية درعًا إستراتيجيًا لا لتهدئة الأزمات فحسب، بل لصناعة مستقبل إقليمي مستدام يحمي مكتسبات التنمية ويبني جسور السلام، ولتوضيح دور السعودية وكيفية تبنيها قسمت جانبين ما بين المفهوم والدور السعودي.
مفهوم الدبلوماسية الوقائية:
أ - الإطار التاريخي لتعريف الدبلوماسية الوقائية:
يرجع ظهور مصطلح الدبلوماسية الوقائية في العلاقات الدولية للسكرتير العام للأمم المتحدة داج همرشولد (1372-1381هـ/ 1953-1961م)، وبناءً على ماذكر د. نجاح عبد الفتاح الريس في بحث منشور له قال: جاء أول تطبيق عملي للدبلوماسية الوقائية خلال أزمة السويس عام 1376هـ/ 1956م عندما تدخلت الأمم المتحدة ببعض التدابير العسكرية الدولية المحدودة المتمثلة في قوات حفظ السلام في المنازعات الدولية، وعليه أطلق همرشولد تسمية الدبلوماسية الوقائية على كل الجهود التي كانت تضطلع بها الأمم المتحدة في المنازعات والحروب المحلية والتي قد تثير مواجهات أوسع بين القوتين العظميين، وكان همرشولد يعتقد أن المنازعات التي كانت تحدث على مستوى أدنى نسبيا خلقت فراغا سياسيا يمكن أن تتدخل فيه أشكال التنافس بين الشرق والغرب، الأمر الذي كان يهدد بنشوب حرب عالمية ثالثة، لذلك كان همرشولد يحث على تعظيم دور الأمم المتحدة في حصر المنازعات المحلية بعيدا عن الاضطرابات العالمية الكبرى.
ب - تعريف الدبلوماسية الوقائية:
لابد للإشارة لاتساع نطاق الدبلوماسية وتطوره وشموليته فقد تفرع من الجماعية إلى السرية وإلى الثنائية والفردية وعلنية وغيرها العديد، ولكن مصطلح ومفهوم الدبلوماسية الوقائية يعرف بأنه: التحرك السابق لمنع اندلاع الأزمة، وهذا التحرك يعد سبيلًا وسطا بين سياسة تدخلية تسهم أهدافها بعدم الواقعية وسياسة انعزالية لا تميز بين حالة وأخرى، فضلًا عن أن الدبلوماسية الوقائية تهتم بالإنذار المبكر للكشف عن الأوضاع التي تؤدي إلى النزاعات العنيفة، ومن حيث التطبيق لم بيدأ تطبيقه قبل منتصف الخمسينيات الميلادية، عند نشوب أزمة قناة السويس آنذاك، وما تبع من عدوان ثلاثي على مصر.
السعودية والدبلوماسية الوقائية
إذا كانت السياسة الخارجية هي مجموعة من القرارات والسياسات التي تحدد بها كل دولة مواقفها، ووجهات نظرها في العلاقات الدولية، فأن الدبلوماسية هي الفنون والوسائل التي تنفذ بها الدولة هذه السياسة، لذلك تشتغل الدبلوماسية مركزًا رئيسيًا في علاقات المجتمع الدولي، وما طبقته المملكة العربية السعودية على مر العصور وحتى الوضع الراهن، على سبيل المثال لا الحصر:
تتجلى الدبلوماسية الوقائية السعودية تاريخيًا في توظيف الوساطة والمساعي الحميدة لاحتواء النزاعات قبل تفاقمها؛ فمن أبرز تجاربها استضافة مفاوضات الطائف عام1410هـ/ 1989 التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، ووساطتها بين الجزائر والمغرب في ملف الصحراء الغربية، وبين العراق وإيران خلال حربهما، فضلًا عن دعمها المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عام 1439هـ/ 2018م، ورعايتها اتفاق مكة بين فتح وحماس عام 1428هـ/ 2007م، واستضافتها محادثات جدة بين طرفي النزاع السوداني منذ عام 1444هـ/ 2023، كل هذه الشواهد تعكس التجارب وسعي المملكة إلى صون الاستقرار الإقليمي والدولي عبر الحوار والتفاوض، مع الاستفادة من ثقلها السياسي والاقتصادي والديني.
وفي ظل الظروف الإقليمية الراهنة، تمارس المملكة العربية السعودية الدبلوماسية الوقائية من خلال الجمع بين خفض التصعيد، والوساطة، والتنسيق مع الشركاء الدوليين، مع الحفاظ على حقها في الرد على التهديدات المباشرة، ويعكس هذا النهج سعي السعودية إلى منع تحول الأزمات المحيطة بها إلى حروب إقليمية واسعة، لا سيما في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.
وعلى صعيد رؤية المملكة 2030م ترتبط الدبلوماسية الوقائية السعودية ارتباطًا وثيقًا بـرؤية المملكة 2030؛ إذ ترى الرياض أن الاستقرار الإقليمي ليس هدفًا سياسيًا فحسب بل شرطًا أساسيًا لنجاح التحول الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل، وتحقيق التنمية المستدامة. وتضع الرؤية هدفًا صريحًا يتمثل في بناء سعودية قوية ومزدهرة ومستقرة توفر الفرص للجميع.
ولأن المملكة العربية السعودية محط للأنظار وجهودها المبذولة التي قدمتها على مر السنين من خدمات ورعايات ودعم مالي وأمني وديني وغيرها، لا تقتصر تحدياتها التي تواجه الدبلوماسية الوقائية السعودية على النزاعات السياسية والأمنية فحسب، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي، حيث تحاول بعض الأطراف استغلال وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لتشويه الصورة الإعلامية للمملكة العربية السعودية، وإضعاف أثر مبادراتها في خفض التصعيد والوساطة.
وتندرج هذه المحاولات ضمن ما يُعرف بـالحرب الناعمة الذي ظهر استخدام المصطلح بشكل واضح وصريح عام 1413هـ/ 1991م وتطور إلى ما وصل عام 1420هـ/ 2009م وماهو عليه اليوم والتي تواجهة المملكة العربية السعودية تحديدًا حيث يعرف الحرب الناعمة بالتي لا تستهدف الأرض أو المنشآت فحسب، بل تستهدف العقول والوعي الجمعي، من خلال نشر الشائعات والمعلومات المضللة، وتضخيم الأزمات، وتقديم صورة مشوهة عن جهود المملكة الدبلوماسية والإنسانية، لذا الواجب علينا جميعًا أن نحكم عقولنا وأن نعي إن الوعي الإعلامي هو خط الدفاع الأول؛ فالتحقق من الخبر قبل نشره، وعدم الانسياق وراء الروايات المضللة أو الانجرار خلف الأخبار المتداولة أو تبنّي الروايات التي لم تُثبت صحتها، والاعتماد على المصادر الرسمية الموثوقة، جميعها وسائل عملية لحماية الوطن ومكانته في الوعي العام، يجب أن نكون مصدرًا للوعي لا منفذًا للتضليل اجعلوا التحقق من المعلومة نهجًا، وحماية الوطن مسؤولية مشتركة.
في الختام، نسأل الله أن يحفظ بلادنا المملكة العربية السعودية من كل سوء، وأن يديم عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، ويحفظ قيادتها وشعبها، ويصرف عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويجعلها آمنةً مطمئنةً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ سورة إبراهيم (الآية 35)اللهم كما دعوتَ بالأمن لهذا البلد، نسألك أن تديم على وطننا أمنه، وتحفظ حدوده، وتخذل كل من أراد به سوءًا، وتردّ عنه كيد المعتدين، وتجعله دائمًا دار عزٍّ وسلامٍ وطمأنينة.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
الكتب:
- مركز الحرب الناعمة للدراسات: مدخل إلى الحرب الناعمة، بيروت: مركز الحرب الناعمة، ط1، 1435هـ/ 2014م.
الرسائل الجامعية:
- فوزية، بولنوار؛ أمين، زبير مهدي: الدبلوماسية الوقائية، رسالة ماجستير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، الجزائر: جامعة أحمد بن يحي الونشريسي، 1435هـ/ 2014م.
المجلات العلمية:
- الريس، نجاح عبد الفتاح: الدبلوماسية الوقائية: المفاهيم والتطبيقات، المجلة المصرية للقانون الدولي، ع70، مج 70، 1435ه/ 2014م.
- عبدالستار، حاتم كريم: الحرب الناعمة وأثرها على استقرار الأنظمة السياسية، مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية، ع26، 1445هـ/ 2024م.
- الزعيتري، نبيل غالب: الدبلوماسية الوقائية بين النظرية والتطبيق، مجلة الملكة أروى العلمية المحكمة، ع23، 1440هـ/ 2029م.
المواقع الاكترونية:
- وكالة الأنباء السعودية، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين، رئيس إريتريا ورئيس وزراء إثيوبيا يوقعان اتفاق جدة للسلام بين بلديهما، https://www.spa.gov.sa/424210?lang=arالجزيرةnewsid=424210 .
- وزارة الخارجية الأمريكية، وثيقة بشأن الجهود السعودية للوساطة في نزاع الصحراء الغربية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، 1969–1976م، مكتب المؤرخ، المجلد التاسع، الجزء الأول، الوثيقة رقم 116، https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969- 76ve09p1/d116 .
المصادر الأجنبية Foreign Sources:
Reports:
- United Nations, Preventive Diplomacy: Delivering Results, Report of the Secretary- General, A/66/811 (New York: United Nations, 2011).
Websites:
- United Nations, UNSG’s Remarks at the Signing of the Peace Agreement between Ethiopia and Eritrea, Saudi Arabia, September 16, 2018, https://ethiopia.un.org/en/13744- unsg -remarks-signing-peace-agreement-between-ethiopia-and-eritrea-saudi-arabia?utm_source=chatgpt.com .
- U.S. Department of State, Office of the Historian, Document on Saudi Mediation Efforts in the Western Sahara Dispute, Foreign Relations of the United States, 1969 –1976, vol. IX, part 1, Document 116, https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76ve09p1/d116 .
- United Nations in Sudan, Statement by the Humanitarian Coordinator in Sudan on Statement of Commitments Adopted in Jeddah, Press Release, November 7, 2023, https://sudan.un.org/en/252029-statement- humanitarian -coordinator -sudan-statement -commitments -adopted -jeddah.