سعدون مطلق السوارج
في الرياض، لا يبدو معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026 مجرد فعالية موسمية تفتح أبوابها لعشرة أيام ثم تطوي أجنحتها؛ فالمشهد الذي يتشكل في ملهم يحمل دلالة أعمق من حركة الزوار والأجنحة والمزادات. نحن أمام تجربة سعودية تعيد تقديم موروث أصيل إلى العالم، لا باعتباره صفحة من الماضي، وإنما باعتباره قطاعًا حيًا قادرًا على صناعة المعرفة، وتحريك الاقتصاد، وتعزيز السياحة، وحماية البيئة، وفتح مسارات جديدة للمستقبل.
من الأول إلى العاشر من أكتوبر، يحتضن مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات بملهم النسخة الجديدة بمشاركة 254 عارضًا وعلامة تجارية من 20 دولة، وعلى مساحة تبلغ 197 ألف متر مربع، تحت شعار «تجربة للجميع». لكن الرقم الأهم ليس مساحة المكان، ولا عدد الدول المشاركة؛ بل المسافة التي قطعتها المملكة في إعادة بناء مفهوم المعرض نفسه.
فالمعرض الذي بدأ عام 2018 بنحو 150 عارضًا و120 ألف زائر، شهد خلال سنوات قليلة نموًا متتابعًا؛ فبلغ عدد الزوار أكثر من 350 ألفًا في 2019، ونحو نصف مليون في 2021، وتجاوز 512 ألف زائر في 2022، قبل أن تسجل نسخة 2025 أكثر من 700 ألف زائر ومبيعات تجاوزت 91 مليون ريال. وهذه الأرقام لا تحكي قصة توسع فعالية فحسب، بل تحكي قصة انتقال الموروث من دائرة الاهتمام المتخصص إلى فضاء اقتصادي وثقافي وسياحي أوسع.
وهنا تكمن قيمة التجربة السعودية: المملكة لم تكتفِ بأن تحفظ الصقارة من النسيان، بل أخذت تعمل على بناء منظومة تجعل هذا الموروث قادرًا على الحياة في المستقبل.
فالذي يراه الزائر اليوم ليس صقرًا على منصة فقط؛ بل منظومة تمتد من التربية والإنتاج والرعاية والخدمات البيطرية، إلى المزادات والمنافسات والمعارض، ثم إلى المعرفة والتوثيق والسياحة والتجارب التفاعلية. وحين تتكامل هذه الحلقات، يتحول التراث من مادة محفوظة إلى اقتصاد ثقافي له سوقه ومؤسساته وخبراته وجمهوره.
وللصقارة في السعودية خصوصية تتجاوز حدود الهواية؛ فهي جزء من ذاكرة الجزيرة العربية، وواحدة من الممارسات التي اختزنت عبر القرون معرفة الإنسان بالبيئة، وقدرته على قراءة الصحراء، وتدريب الجوارح، وفهم مواسم الصيد ومساراته. وقد اكتسب هذا الموروث اعترافًا عالميًا حين أدرجت منظمة اليونسكو «الصقارة، تراثًا إنسانيًا حيًا» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2021، ضمن ملف دولي تشارك فيه 24 دولة، بينها المملكة العربية السعودية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من: كيف نحافظ على الصقر؟
السؤال الحقيقي هو: كيف نحافظ على المعرفة التي صنعت علاقة الإنسان بالصقر، ونمنحها في الوقت نفسه أدوات الاستمرار في القرن الحادي والعشرين؟
هذه هي النقلة التي يمكن قراءة معرض 2026 من خلالها.
فالمركز الوطني للصقور، بعد اعتماد تنظيمه الجديد، يعمل ضمن إطار مؤسسي أوسع للعناية بالصقور بوصفها موروثًا ثقافيًا وتراثيًا، وتطوير الأنشطة المرتبطة بها، وإقامة الفعاليات والمزادات، وبناء الشراكات المحلية والدولية. ولذلك لم يعد المعرض منفصلًا عن بقية المشهد، وإنما أصبح إحدى الواجهات التي تظهر من خلالها منظومة متكاملة تتشكل حول الصقور والصقارة.
ويكفي أن ننظر إلى ما جرى في المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور خلال أغسطس 2026 لندرك حجم هذا التحول. فقد شاركت في نسخة 2025 منه 67 مزرعة من 23 دولة، وبلغ عدد الصقور المباعة 1103 صقور، فيما تجاوزت المبيعات 13 مليون ريال. والأكثر دلالة أن المركز ربط في 2026 بين إنتاج المزارع ومسابقات الملواح، بحيث أصبحت الصقور المباعة في المزاد جزءًا من مسار المنافسة.
وهنا تظهر الصورة الاقتصادية بوضوح: المزرعة تنتج، والمزاد يفتح السوق، والمعرض يصنع المجال، والمنافسة تختبر الجودة، والمؤسسة تنظم، والباحث يوثق، والسائح يكتشف.
إنها منظومة لا تختزل الصقر في قيمته السوقية، ولا تحصر التراث في العرض؛ بل تجعل المعرفة والإنتاج والتجارة والمنافسة والسياحة حلقات في سلسلة واحدة.
وفي معرض هذا العام تتأكد هذه الفكرة من خلال اتساع التجربة نفسها. فإلى جانب الصقور والصيد، هناك «صقار المستقبل»، ومتحف «شلايل»، وعالم المحنطات، وتجربة المقناص، والسفاري، والصيد البحري، والدفع الرباعي، والرماية، والمشي والتسلق الجبلي، والعروض الفلكلورية، وورش العمل والجلسات المتخصصة.
أما سباق الملواح، فيمنح الصقارة صورتها التنافسية؛ إذ توسعت منافساته هذا العام إلى 12 شوطًا خلال الفترة من 4 إلى 9 أكتوبر، وبجوائز تبلغ 723 ألف ريال، في امتداد حديث لممارسة أصيلة تُعرض أمام جمهور جديد بلغة الرياضة والمنافسة.
وهذا التنوع ليس خروجًا عن هوية المعرض، بل هو أحد أسرار قوته.
فالزائر الذي جاء من أجل الصقر قد يكتشف التاريخ، والذي جاء من أجل الرحلات يجد المغامرة، والذي يبحث عن المعرفة يجد التوثيق، والذي يصطحب أبناءه يجد «صقار المستقبل»، ومن جاء من خارج المملكة يجد في المكان نافذة على جانب أصيل من الثقافة السعودية.
وهنا يتحول التراث من شيء يُروى إلى شيء يُعاش.
والأكثر أهمية أن المعرض لم يفصل الثقافة عن الدولة الحديثة. فوزارة الداخلية حاضرة بحلول تقنية ورقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وخدمات إلكترونية عبر «أبشر»، فيما أطلقت المديرية العامة للجوازات بالتعاون مع المركز الوطني للصقور ختمًا خاصًا بالمعرض للقادمين إلى المملكة عبر عدد من المطارات والمنافذ خلال فترة الحدث.
حتى هذه التفاصيل الصغيرة في ظاهرها تحمل معنى كبيرًا: عندما يصل التراث إلى بوابات المطارات، وترافقه التقنية والخدمات الحكومية، فإنه لم يعد هامشًا ثقافيًا، بل أصبح جزءًا من صورة المملكة التي تقدمها للعالم.
وفي جانب آخر، يكتسب المعرض قيمة تاريخية خاصة من عنايته بالتوثيق. فقد شهدت نسخته الحالية جلسة بعنوان «التاريخ الموثق للصيد والصقارة في المملكة»، تناولت المصادر والمخطوطات وتطور الصيد بالجوارح والصقارة في الجزيرة العربية، وحضور هذا الموروث عبر مراحل الدولة السعودية وارتباطه بتاريخ المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله.
وهنا تتجلى أهمية الباحث والمؤرخ داخل المشروع الثقافي؛ لأن الموروث الذي لا يُوثق قد يبقى في الذاكرة، لكنه لا يتحول إلى معرفة قابلة للتدريس والتفسير والتطوير. أما حين تتجاور المخطوطة مع المتحف، والممارسة مع الدراسة، والتجربة مع المؤسسة، فإن الماضي يتحول إلى قاعدة للمستقبل.
ويحضر البعد الوطني أيضًا من خلال استضافة «حي طريف» هذا العام، بعد استضافة واحة الأحساء ومنطقة حمى الثقافية في النسختين السابقتين، في مسار يربط الصقارة ببقية عناصر التراث السعودي المسجل عالميًا.
وهذا الربط مهم؛ لأن المملكة لا تقدم للعالم موروثًا واحدًا معزولًا، بل تقدم منظومة حضارية متعددة الطبقات، تتجاور فيها الصقارة مع المواقع التاريخية والحرف والفنون والبيئة والعمارة والمنتجات الثقافية.
أما البعد البيئي، فهو الأكثر ضرورة في مستقبل الصقارة؛ فحماية الصقر لا تنفصل عن حماية موائله وموارده الطبيعية، ولهذا تتقاطع جهود الصقارة مع المحافظة على الحياة الفطرية والبحث العلمي وإعادة الإطلاق في البيئات الطبيعية. وبذلك تصبح العلاقة بالصقر أكثر نضجًا: ليست امتلاكًا فحسب، وإنما معرفة ورعاية ومسؤولية واستدامة.
وهذا كله ينسجم مع روح رؤية المملكة 2030 التي لم تتعامل مع التراث بوصفه عبئًا من الماضي، وإنما باعتباره موردًا ثقافيًا واقتصاديًا يمكن تطويره ضمن صناعة السياحة وجودة الحياة وتنويع الاقتصاد.
والرياض، التي تستضيف اليوم هذا الحضور الدولي، تؤدي دورًا يتجاوز كونها عاصمة تستقبل فعالية؛ إنها تتحول إلى نقطة التقاء لخبرات الصقارة والإنتاج والأسواق والممارسات الثقافية، من المملكة والخليج إلى آسيا وأوروبا وغيرها.
بل إن الحضور الخليجي في هذا المجال يكتسب معنى خاصًا؛ فالصقارة ليست حدودًا جغرافية ضيقة، وإنما موروث تشترك فيه مجتمعات الخليج، وتتقاطع فيه الخبرات والعادات والبيئات، بما يعزز صورة المنظومة الخليجية في الحفاظ على عناصر التراث المشترك وتطويرها دون فقدان خصوصية كل دولة.
ومن هنا يمكن فهم معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026 بوصفه أكثر من معرض.
إنه اختبار لقدرة التراث على دخول المستقبل دون أن يفقد أصالته.
فالصقر الذي كان يومًا رفيقًا للصياد في فضاء الصحراء، أصبح اليوم رفيقًا لمشروع وطني أوسع: مشروع يحفظ الذاكرة، ويصنع المعرفة، ويستقطب العالم، ويخلق السوق، ويدعم السياحة، ويحمي البيئة، ويفتح للأجيال الجديدة بابًا إلى تاريخها.
وهذه هي القوة الحقيقية للتجربة السعودية: أنها لا تنظر إلى الماضي من خلف زجاج المتحف، بل تفتح له أبواب الحياة.
وفي ملهم، لا يعلو جناح الصقر فوق المعرض وحده؛ بل يعلو معه سؤال أكبر عن قدرة الأمم على تحويل جذورها إلى قوة ناعمة، واقتصاد حي، وحضور دولي، وهوية تعرف كيف تحافظ على أصالتها وهي تمضي إلى المستقبل.
لذلك، فإن معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026 لا يعرض ما كانت عليه السعودية فقط؛ بل يكشف كيف تفكر السعودية في ما ستكون عليه.
فحين يخرج الصقر من ذاكرة الصحراء إلى فضاء الاقتصاد والسياحة والعلم والاستدامة، لا يكون التراث قد غادر ماضيه؛ بل يكون قد وجد جناحين جديدين للتحليق.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي