د. ياسين علي محمد عزي
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، اكتسبت القوة السعودية خصوصيتها من نهج دولة تعرف ما تحميه، وما تريد بناءه، وما تتحمله من مسؤوليات تجاه وطنها والعالم، مع احتفاظها باستقلال قرارها ومصالحها الوطنية. فقد أصبحت السيادة متصلة بما يملكه الإنسان والمؤسسة من معرفة وقدرة على الاستمرار، وبمشروع وطني ستمتد ثماره إلى أجيال لم تولد بعد. وللسعودية في هذا النهج ما هو أعمق من حسابات المواجهة؛ فأسباب قوتها تبنى قبل الأزمات، وغاياتها لا تحددها الأخطار التي تعترضها، وما تحميه اليوم جزء من مستقبل اختارت أن تصنعه لأبنائها. واختزال المملكة في الاعتداءات التي تتعرض لها يمنح المعتدي حضورا في تفسير قوتها لم يستطع انتزاعه منها؛ فالسعودية لم تنتظر الخطر لتعرف ما تريد، ولا تحتاج إلى زواله كي تواصل ما بدأته.
في زمن الاعتداءات الحوثية، لا تقف المواجهة عند حدود ما تفعله الأسلحة؛ فللكلمات نصيب في تحديد من يتحمل مسؤولية الفعل، ومن يملك حق التحدث باسم الآخرين. فالجماعة الحوثية الإرهابية تستعير اسم اليمن لتمنح قراراتها المسلحة صفة وطنية لا يخولها لها امتلاك السلاح أو السيطرة على بعض الأرض.
وفي بيانات قيادة تحالف دعم الشرعية يحضر المدني اليمني بما له من حقوق واحتياجات، حتى وهو يعيش في نطاق العمليات العسكرية. أما حديث الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، فيتصل بمسؤولية الدولة عما تملكه من قدرات وما تقطعه من تعهدات. وبين هذه الخطابات تختلف علاقة المتحدث بمن يستحضرهم في كلماته؛ فقد يستعير صوت شعب، أو يعلن حرصا على حياة إنسان، أو يتحدث عما يستطيع وطن الوفاء به. وللضمائر في هذه العلاقة دلالات تتجاوز قواعد اللغة إلى حدود السلطة وما يترتب على ممارستها من مسؤوليات.
للاعتداءات الحوثية على مدن المملكة ومرافقها المدنية من التناقض مع القيم الإسلامية والإنسانية ما يجعل عنتريات السلاح أشد خواء حين تتستر بمفردات الدين ونصرة المسلمين. فأي قضية يزعم أصحابها الدفاع عنها وهم يعرضون الأبرياء للموت، ويعتدون على أرض يقصدها المسلمون من أنحاء العالم آمنين؟ فالمطار الذي يستهدفه المعتدي تتصل به رحلة مسلم يرجو بلوغ الحرمين الشريفين، وأب ينتظر لقاء أبنائه، ومريض يحمل أمله في العلاج، وأسر قد يغير اعتداء واحد مجرى حياتها إلى الأبد. والمقدسات التي تتخذها الجماعة من مفردات خطابها لا تمنحها حق تعريض من يقصدونها للعبادة للخطر؛ فحرمة الدماء التي جاءت الشريعة لصونها لا تتبدل بتبدل الشعارات، ولا يستطيع ادعاء الدفاع عن الدين أن يمنح أصحابه استثناء من أحكامه.
أما السعودية، فإن قوتها في مواجهة هذه الاعتداءات تتصل بمسؤولية دولة تحمي سيادتها وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها وزائريها، وتمتلك من الجاهزية والقدرات المؤسسية ما يعينها على صيانة مصالحها واستمرار الحياة رغم الأخطار. وللإنسان الذي يعيش آمنا على أرضها نصيب من معنى تلك القوة؛ فهو لا يحتاج إلى معرفة تفاصيل كل قرار أمني كي يدرك قيمة أن يمضي إلى عمله، وأن يبلغ وجهته، وأن يعود إلى أسرته دون أن تصبح حياته رهينة لمن اختار الاعتداء. والمملكة التي تحمي سماءها وأرضها تواصل بناء مستقبل أبنائها، ولا تسمح للأخطار بأن تستنفد الغايات التي سخرت لها قدراتها. وقد يستطيع المعتدي اختيار توقيت اعتدائه، أما مستقبل السعودية فليس قرارا يملكه، ولا نتيجة يستطيع فرضها عليها.
وباطلاعي على الخطاب الحوثي، أجد أن الجماعة الإرهابية تعيد إنتاج ادعاءاتها في قوالب دينية تسعى بها إلى إضفاء المشروعية على قراراتها المسلحة، ومد نفوذها إلى ما يتجاوز الأرض التي تسيطر عليها، وصولا إلى الاستئثار بحق الحديث باسم اليمن وشعبه. فحين تقرر الحرب، تستعير من الدين مفرداته، ومن الوطن اسمه، حتى يبدو خيار الحوثيين وكأنه إرادة شعب بأكمله. واللافت في هذا الاستعمال أن اسم اليمن يصبح حاملا لمسؤولية قرارات لم تصدر عن اليمنيين جميعا؛ فالاعتداء الذي تقرره الجماعة يقدم بوصفه موقفا وطنيا، والاعتراض عليه يصاغ كأنه اعتراض على اليمن ذاته. وكأن الشعب مطالب بتحمل تبعات قرار لم يشارك في اتخاذه، بينما تستمد الجماعة من هويته ما لا يمنحها إياه السلاح من شرعية. ولليمنيين من التاريخ والحقوق والمصالح ما يتجاوز سلطة الحوثي، ولا تمنح السيطرة على بعض أرضهم الجماعة حق مصادرة إرادتهم أو اختزال وطنهم في خياراتها المسلحة.
ولا يقف هذا الاستئثار عند حدود الكلام باسم اليمن؛ ففي صنعاء تناولت بيانات قيادة تحالف دعم الشرعية استخدام الحوثيين موارد يحتاج إليها السكان في حياتهم اليومية. فقد أصدرت القيادة إنذارا بإخلاء المدنيين من الموقع المستهدف قبل تنفيذ العملية العسكرية، حرصا على سلامتهم، وأوضحت لاحقا أن الجماعة استخدمت منشآت الوقود ومستودعاته لخدمة اعتداءاتها على حساب احتياجات الشعب اليمني..
فأي دفاع عن اليمن يستقيم مع تسخير مقومات حياة أبنائه لخدمة السلاح؟ وفي الإنذار الذي سبق العملية، وما أعلنته قيادة التحالف عن اتخاذ الاحتياطات الممكنة، حضور للحرص على سلامة المدنيين والتمييز بين الجماعة المسلحة والشعب الذي يعيش في مناطق سيطرتها. ولحماية الإنسان مقتضيات تتصل بالتخطيط والتنفيذ، بما تقرره قواعد حماية المدنيين، حتى لا يتحمل الأبرياء تبعات قرارات لم يختاروها.
وفي تصريح نشرته قناة الإخبارية السعودية لمستشار وزير الداخلية اليمني، تتخذ العلاقة بين سلطة الحوثيين وحياة المدنيين وجها أشد خطورة؛ إذ تحدث عن تحويل منشآت مدنية في صنعاء إلى مخازن للأسلحة واستخدام المدنيين دروعا بشرية. فالمنشأة التي يفترض أن تخدم الناس تصبح، وفق ما أورده المسؤول اليمني، موقعا لتخزين السلاح، بينما يستخدم وجود السكان للاحتماء بالنشاط العسكري. وما أشد التناقض بين جماعة تستعير اسم اليمن وشعبه لتبرير قراراتها، وممارسات وصفها مسؤول يمني بأنها تعرض أبناء ذلك الشعب للخطر. فالسيطرة على الأرض لا تمنح أصحاب السلاح حق التصرف في حياة ساكنيها، ولا تجعل سلامة اليمنيين ثمنا لخيارات عسكرية لم يختاروها. وإذا كانت الجماعة تريد أن تتحدث باسم المواطن اليمني، فإن أول ما ينبغي أن تعترف به هو أن حياته ليست جزءا من السلطة التي استولت عليها.
وللسعودية في اليمن موقف لا تستوعبه حسابات الحدود وحدها؛ فأمن المملكة يتصل باستقرار جوارها، وقد ارتبط دورها بدعم مؤسسات الدولة اليمنية وحق الشعب اليمني في استعادة حياة لا تقرر الجماعة المسلحة مصيرها. واليمن الذي تتحدث الجماعة الحوثية باسمه أوسع من سلطتها، وشعبه أبقى من الخيارات التي تحاول فرضها عليه. فلا يصح أن تصبح معاناة اليمنيين سندا للمشروعية التي تنسبها الجماعة إلى نفسها، أو أن يمنحها الآخرون، حين يختزلون اليمن فيها، حق تمثيل من لم يختاروا الحرب. ولليمني أن يتطلع إلى وطن تستعيد فيه المؤسسات وظيفتها في خدمة الإنسان، وتعود موارده إلى الغايات التي يحتاجها أهله، ويصبح مستقبله أوسع من الخيارات التي فرضتها عليه سنوات الصراع.
والمورد الذي ارتبط في بيانات التحالف باستخدام منشآت الوقود لأغراض عسكرية يحضر في حديث الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، في سياق مختلف؛ إذ تتجه العناية إلى أمن الإمدادات واستمرار المصالح التي تعتمد عليها مجتمعات خارج المملكة.
وقد تحدث سموه عن قدرة السعودية على مواجهة الأزمات بثقة تسندها أعمال سبقت لحظة الخطر؛ منشآت أعدت لاحتمالات التعطل، وخبرات وطنية امتلكت المعرفة، وخيارات جرى تطويرها قبل أن تفرض الظروف الحاجة إليها. وللثروة الطبيعية قيمتها، غير أن ما يمنح الدولة القدرة على الوفاء بما تعد به الآخرين يتجاوز وجود المورد إلى ما أعدته لإدارته وصيانة استمراره. فقد تكون الثروة وفيرة، ثم تأتي الأزمة لتمتحن ما وراءها من علم وحسن تدبير، وما تستطيع المؤسسات فعله حين تضيق الخيارات.
وفي خطاب الأمير عبدالعزيز بن سلمان يحضر ضمير «نحن»، وما أعقبه من تعهد «لن نخذلهم». فالأولى تحيل إلى ما تملكه المملكة من قدرات، وما أسهم به أبناؤها وبناتها من معرفة وعمل، بينما تتجه الثانية إلى من ارتبطت مصالحهم بثقتهم في الوفاء السعودي. وللوعد في هذه العلاقة طرف يعرف مسؤوليته عما تعهد به، وآخرون ينتظرون أثر ذلك الالتزام في مصالحهم وحياتهم. وفي مقابل خطاب الحوثي الذي يستعير اسم اليمن ليتحدث باسم شعبه، تأتي «نحن» السعودية محمولة على مسؤولية تعهد أعلنت المملكة تحملها أمام الآخرين. فالحديث باسم الشعب لا يثبت بذاته حق تمثيله، والتعهد الذي تصدره الدولة تكتسب كلماته قيمتها بما تستطيع مؤسساتها إنجازه.
ولذكر الأمير عبد العزيز بن سلمان النساء والرجال العاملين في قطاع الطاقة دلالة تتجاوز الإشادة بكفاءتهم؛ فما يصل إلى الأسواق في صورة إمدادات وأرقام إنتاج تقف وراءه عقول سعودية أحسنت التعامل مع الثروة، ومنحتها من المعرفة والخبرة ما جعل استمرارها ممكنا حتى في أوقات الاضطراب. فالنفط ظل في باطن الأرض ملايين السنين، أما القدرة على إدارته وتحويله إلى مورد تعتمد عليه حياة الناس واقتصاداتهم، فهي ثمرة عمل إنساني لا تمنحه الطبيعة لأصحاب الثروة بمجرد امتلاكها. وحين تصل الإمدادات إلى وجهاتها رغم الأزمات، فإن وراء ذلك نساء ورجالا قد لا يعرف العالم أسماءهم، لكنه يعرف قيمة عمل هم حين يحتاج إلى استمرار الطاقة. وقد أصبح الإنسان السعودي بعلمه وإتقانه شريكا في صناعة قيمة الثروة الوطنية، وفي الثقة التي يضعها الآخرون في قدرة المملكة على الوفاء بالتزاماتها.
واستحضر سمو الأمير عبدالعزيز بن سلمان طائر الفينيق، الذي ارتبط في أشهر صوره الأسطورية بالنهوض من الرماد، لوصف قدرة المملكة على تجاوز المحن. وللصورة بلاغتها، غير أن ما يميز التجربة السعودية أن نهوضها لا ينتظر الرماد. ففي الرواية الأسطورية يأتي الميلاد الجديد بعد الاحتراق، أما السعودية فقد أعدت أسباب استمرارها قبل وقوع الخطر، حين استثمرت في الإنسان والمعرفة والمؤسسات، وهيأت من الخيارات ما يحفظ قدرتها على العمل مهما تعقدت الظروف. وأحسب أن القيمة الأعمق في هذه التجربة تكمن في صيانة ما كان يمكن أن تفقده الدولة لولا استعدادها السابق. فقد تكون المحنة اختبارا لما أعدته في سنوات البناء، لا بداية لبحثها عن أسباب النهوض. وللفينيق أن ينتظر رماده ليولد من جديد، أما السعودية فلا تنتظر أن تفقد أسباب قوتها كي تعرف كيف تصونها.
أما وصف الرياض بأنها «عاصمة أمن الطاقة»، فيستمد دلالته من الثقة التي تكونت حول القرار السعودي في قطاع تتصل به مصالح مجتمعات بعيدة عن المملكة. فاستمرار الإمدادات يعني للمستشفى قدرة على أداء رسالته، وللمصنع إمكان مواصلة إنتاجه، ولأسر كثيرة قدرا من الاستقرار في شؤون معيشتها. ومن الرياض تتخذ المملكة قراراتها السيادية في قطاع يتجاوز أثره حدودها، وتفي بالتزامات اختارت تحملها في عالم تتداخل فيه مسؤوليات المنتجين والمستهلكين والأسواق. وما تمنحه هذه المكانة للسعودية من وزن لا تصنعه وفرة الموارد وحدها، وإنما الثقة بأن وراء القرار مؤسسات وخبرات تستطيع أن تسنده حين تتعقد الظروف. وقد يصل أثر تلك القرارات إلى إنسان بعيد لا يعرف تفاصيل العمل في منشآت الطاقة السعودية، لكنه يعتمد في بعض شؤون حياته على استمرار ما تنتجه.
وللسيادة السعودية في هذا المشهد معنى يتجاوز امتلاك القرار؛ فقيمته تتعاظم بما تملكه الدولة من قدرة على تنفيذه، والوفاء بما اختارت الالتزام به، دون أن تصبح خياراتها رهينة للظروف أو لإرادة الآخرين. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، اكتسبت هذه العلاقة مكانة متقدمة في المشروع الوطني السعودي؛ إذ أصبح تنويع الاقتصاد، وتأهيل الإنسان، وتطوير القدرات التقنية والمؤسسية جزءا من توسيع ما تستطيع المملكة اختياره وإنجازه. فالمعرفة الوطنية التي تتجذر في مؤسساتها، والقدرات التي تنشأ داخل اقتصادها، تمنح القرار استقلالا تسنده إمكانات فعلية حين تتزاحم المصالح وتتغير الظروف. وما تبنيه السعودية اليوم يجعل للتنمية وظيفة تتصل بحماية السيادة نفسها؛ إذ تتسع خيارات الدولة بقدر ما تمتلك أسباب تنفيذها.
غير أن قيمة هذا البناء لا تستنفدها إنجازات الحاضر؛ فبعض الذين ستتغير حياتهم بقرارات اليوم لم يولدوا بعد. ستصل إليهم مؤسسات لم يشهدوا نشأتها، ومعارف لم يشاركوا في إنتاجها، وفرص قد لا يدركون ما بذله السابقون كي تصبح متاحة لهم. وللزمن نصيبه في مسؤولية الدولة؛ فما يستحق الحماية لا يقف عند ما نملكه الآن، ولا تنحصر الأخطار فيما نراه من سلاح أو نواجهه من اعتداءات. وقد تضيق خيارات الأجيال المقبلة إن استهلك الحاضر إمكاناته، أو تتعدد حين يحسن إعداد ما يتركه لمن يأتي بعده. فربما لا يعرف أولئك الأبناء تفاصيل المحن التي مرت بوطنهم، لكنهم سيعيشون بما ورثوه من علم وقدرة وفرص، وبما احتفظت به السعودية من حقها في اختيار غدها.
وللاعتزاز بالسعودية وجه أراه جديرا بأن يحضر في كتابتنا عنها؛ أن نعرف كيف صنعت ما نفخر به، وأن ننصف النساء والرجال الذين أسهموا في إنجازه، وأن ندرك أن المحافظة على أسباب القوة تحتاج إلى عمل يتواصل بعد كل نجاح. فالمؤسسات التي نعتز بقدراتها تستحق أن يظل تطويرها جزءا من مسؤوليتنا، والمعرفة التي وسعت خيارات المملكة تحتاج إلى أجيال تطورها، والإنجاز الذي نحتفي به تكتمل قيمته حين يمنح ما يأتي بعده فرصا أوسع. وللوطن حق على من يكتب عنه ألا يحجب الثناء حقيقة الجهد الذي صنع الإنجاز، أو يجعل الاعتزاز بما تحقق بديلا عن الطموح إلى ما هو أجدى منه. وللقيادة السعودية في هذا المعنى أثر لا تستنفده إنجازات الحاضر؛ فبعض ما تبنيه اليوم سيعرف الأبناء قيمته بما تركه لهم من قدرة على الاختيار وصناعة مستقبلهم.
وإذا كانت الضمائر قد قادتنا من خطاب الجماعة الحوثية الإرهابية إلى بيانات التحالف وحديث وزير الطاقة، فإن أكثر ما يستوقفني في اختلافها هو سؤال صاحب القرار عمن تشملهم نتائجه. فاسم الشعب لا يصبح تفويضا لمجرد أن جماعة مسلحة تنطق به، وحياة المدني لا تفقد حرمتها بسبب وقوعه في منطقة صراع، والتعهد الذي يقطعه وطن لا تستقر قيمته في الع بارة التي تعلنه، وإنما فيما يملك من قدرة على الوفاء به. وللسعودية من أسباب القوة ما يجعل حماية أرضها وأهلها جزءا من مشروع وطني أوسع، تقوده قيادة جعلت بناء الإنسان والمؤسسة والاقتصاد من أسباب استقلال القرار واستمرار الطموح.
قد يفرض المعتدي على الدولة لحظة مواجهة الخطر، إلا أنه لن يملك أن يجعلها مقياسا لتاريخ السعودية أو غاية لمشروعها الوطني. ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، تواصل المملكة بناء مستقبلها بما أعدته من قدرات، وبما تصونه من أمن الإنسان وكرامته، وبما تهيئه لأجيال لم تولد بعد. أما تاريخ السعودية، فلا يبدأ بصوت السلاح الذي يعتدي عليها، ولا يستمد قيمته من انحسار ذلك الصوت؛ فقد منحت قيادتها للسيادة ما يسند استقلال قرارها، وللمؤسسات من المعرفة والقدرة ما يجعلها أقدر على مواجهة الأخطار ومواصلة البناء خلالها. والأوطان التي تملك أسباب قوتها لا تمنح خصومها سلطة كتابة تاريخها.
وللقيادة السعودية في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان مشروع تتجاوز مسؤوليته حماية ما أنجزه الوطن إلى صيانة حق أبنائه في مستقبل يستحق ما بذل في سبيله. فأبلغ ما تصنعه القيادة لوطنها أن تبلغ به من القوة ما يحمي حاضره، ومن القدرة على الاختيار ما يجعل الأجيال المقبلة وريثة لقراره، لا أسيرة للأخطار التي واجهها.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي