د. أحمد محمود الخضري
من أهم أساسيات الأعمال العسكرية الناجحة التنظيم والانضباط، ولكون الجيش يشتمل على أعداد كثيرة من الأفراد، كان لابد -لإحكام التنظيم وفرض الانضباط- من وضع تصنيف يتحدد على ضوئه الواجبات، والمسئوليات، والصلاحيات المنوطة بالأفراد، والعلاقات المتبادلة بين الرؤساء والمرؤوسين، وهذا ما يعرف بالرتب العسكرية.
ومن الكلمات الدالة على الرتب العسكرية، والشائعة في أكثر الجيوش والأنظمة العسكرية العربية (الشَّاويش)، ولو نظرنا إليها من الناحية التأثيلية، لوجدناها غير عربية؛ وإنما هي من الألفاظ المُعَرَّبة التي استعارتها لغتنا العربية، وثمة خلاف بين علماء اللغة المحدثين حول لغتها الأصلية، فيري بطرس البستاني صاحب (محيط المحيط) أن أصلها فارسي وهو (چاويش)، فقال: «الشاويش من ضباط العسكر مُعَرَّب چاويش بالفارسية «[ص488] ووافقه في ذلك كل من: أصحاب معجم المنجد، ود/ عبد الصبور شاهين، ود/ محمد التونجي... وغيرهم.
بينما يقرر رينهارت دوزي في معجمه تكملة المعاجم [2/ 132] أن أصلها تركي وهو(جاويش) أو (جاوش) وتابعه في ذلك جَمْعٌ من اللغويين أمثال الشيخ/ أحمد رضا في معجمه متن اللغة؛ إذ يقول: «الشاويش معرب جاويش تركية» [3/ 396]، وكذا العلامة أحمد تيمور والذي ذهب إلى أن رسمها ونطقها بالشين إنما هو في العامية المصرية فقال: «جاويش تركي صوابه عندهم جاوُش -بضم الواو-...
والعامة في مصر تجعلها شيناً خالصة فتقول: «شاويش» [الرتب والألقاب المصرية، ص55] كما بسط أحد الباحثين القول عن أصلها واشتقاقها واللغات التي وردت فيها فقال: «الجاويش من الكلمة التركية جاووش (çavu) بجيم مشربة واو مضمومة، وهي مشتقة من المقطع التركي (çav) الذي يدل على معني الصياح، والصوت والنداء وقد وردت أيضاً في لغة البنجك، والقومان والجاويش في كل هذه اللغات منصب عسكري».
[تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل: د/ أحمد سليمان ص59،60] وبعد أن عرض آراء العلماء في تأصيلها، خلص إلى أنها تركية فقال: «والحق أن الكلمة تركية «، كما أرَّخَ لدخولها العربية حيث قال: «ودخلت هذه الكلمة في اللغة العربية قبل قيام الدولة العثمانية»، وممن عدها من الألفاظ التركية د/ محمد دهمان؛ فقال: «جاويش أو شاويش لفظ تركي لرتبة عسكرية».
مما تقدم ذكره وعرضه يظهر لي أن الأقرب للصواب هو الرأي القائل بأنها تركية الأصل؛ فقد جاء في المعجم الفارسي الكبير[1/ 884]: «جاوش: تركي: بمعني مقدم القافلة، حادي، حاجب «مُعَرَّب جاويش» ثم انتقلت الكلمة إلى الفارسية، وفي هذا الشأن يقول د/ أحمد سليمان: «وقد دخلت هذه الكلمة التركية في اللغة الفارسية، واستعملها شعراء الفرس، فوردت في شعر: عنصري، وأنوري، والرومي، وخسرو الدهلوي» [ص60] ومن الفارسية دخلت هذه الكلمة اللغة العربية؛ فجيمها فارسية ينطق بها شيناً ممزوجة بالتاء ترسم بثلاث نقاط، فتدَخَّلَت العرب فيها بإبدال تلك الجيم الفارسية شينًا؛ جريا على سنتهم في تهذيب الألفاظ التي ليست من لغتهم.
يقول د/ فانيا مبادي عبد الرحيم في سياق حديثه عن هذه الجيم وإبدالها، وهى من الحروف التي لا توجد في العربية وتوجد في اللغات التي اقترضت منها العربية: «الجيم الأعجمية: وهي توجد بالفارسية وتكتب جيمًا بثلاث نقط، وهي من الناحية الصوتية الجيم المهموسة، تبدل منها الصاد في الغالب كما في صنج من (چنـگ) وقد تبدل منها الشين في بعض الكلمات نحو شاروق من (چاروك) وشوبق من (چوبـگ)». [المُعَرَّب: مقدمة التحقيق ص69].
هذا من الناحية التأثيلية، أما من الناحية الدلالية، فمعنى الكلمة لا يخرج عن كونه رتبة عسكرية، ولكن اختلفت مهامه، وتنوعت باختلاف الأزمنة والأمكنة فكانت على النحو التالي:
1 - جندي مهمته النداء واستنفار الناس للقتال.
2 - جندي من أربعة جنود يطلق عليهم الجاويشية -جمع جاويش- يسيرون أمام السلطان في مواكبه للنداء وتنبيه المارة.
3 - رتبة عسكرية صغيرة من رتب ضباط الصف في الجيش والشرطة وهو الرقيب ويذهب د/ دهمان في معجم الألفاظ التاريخية إلى أن كلمة الجاويش أو الشاويش قد استخدمت في «الأصل بمعني حاجب، وهو صاحب البريد، والدليل في الحروب، ومأمور أخبار واستخبار، وهو رئيس العشرة» [ص51] ولعله يقصد بذلك أصل استعمالها في لغتها الأصلية وهي التركية، كما أشرنا سابقًا.
وفيما يأتي سوق لبعض الشواهد -على اختلافها- التي تؤرخ لاستعمال تلك المعاني في لغة العرب التي تشتمل على كلمة (شاويش) بالإضافة إلى (جاويش)، و(جاووش) لكونهما الأصل.
أولاً: جندي مهمته النداء واستنفار الجنود للقتال في الحرب.
ذهب بعض اللغويين المحدثين إلى القول بأن الجاويش، أو الجاووش، أو الشاويش جندي وظيفته: النداء واستنفار الجند للقتال، وكان ذلك في العصر الأيوبي، وظلت تلك مهمته إلى نهاية ذلك العصر، ومن الشواهد التي تؤرخ لبدء استعمال تلك الوظيفة في الجيوش العربية ما يلي:
* جاء في الفتح القسي لعماد الدين الأصفهاني (ت597هـ): «وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادي الأولي بلغه أن القوم قد عادوا العَوَادِي ورفَعُوا من ضلالتهم الهَوَادي، وضايقوا البلد أَشَدَّ مضايقة، وعالقوه أجدُّ مُعَالَقة فأمر الجاووش حتى نادي وباكر العدو بالعساكر وغادى». [ص254] وقال الشاعر فتيان الشاغوري (ت 615ه) من قصيدة يمدح بها الملك مظفر الدين:
فليس يُطْربُهُم إلا استماعُهُم
دعاءَ مُسْتَصْرَخ أو صوت شاويش
[البسيط]
ثانيًا: جندي من أربعة جنود يطلق عليهم (الجاويشية ) يسيرون أمام السلطان في مواكبه للنداء وتنبيه المارة.
وقد ظهرت هذه الوظيفة في العصر المملوكي، وفي ذلك يقول أحد الباحثين: « أما في العصر المملوكي فقد كان النظام يقضي بأن يسير أربعة من جنود الحلقة الشجعان أمام السلطان في مواكبه للنداء وتنبيه المارَّة «، ويضيف د/ مصطفي عبد الكريم الخطيب أن الجاويشية مصطلح أطلق على « أربعة من الفرسان كانوا يتكلمون أمام الملك أثناء ظهوره بالاحتفالات بعبارات يفهم منها خروجه إليها وعودته منها كتقليد مراسمي» [معجم المصطلحات والألقاب التاريخية: ص119] ومن شواهد هذا الاستعمال ما يأتي: قال ابن الشحنة (ت 890ه )، في الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب في معرض حديثه عن أحوال نواب حلب وأمرائها: «ويركب معه المقدمون وأمراء المناصب من الترك والجنود، ويسير إلى قُبَّة الماردني، ومعه الجَاويشية يزعقون بين يديه ثم يعود فيقف تحت القلعة».
[ص258] كما ورد هذا المصطلح عند ابن إياس (ت930هـ) في بدائع الزهور حيث قال: «ووقف أرسطاي على باب الأمير (إلي بآي) ينتظر قدوم السلطان، وعندما بعث السلطان أرسطاي أمر الجاويشية بالسكوت، وأخذ العصابة السلطانية التي ترفع على رأس السلطان فيعلم بها مكانه».
[1/ 503] وجاء في عجائب الآثار للجبرتي (ت1237هـ): «وتَقَلَّد المترجم الرئاسة بعد موت الشيخ محمد بن وفا، وركب الخيول ولبس التاج الكبير، ومشت أمامه الجَاوِيشِيَّة، والمُقَدَّمون، وأرباب الخدم، وازدحم بيته بأرب الدعاوي والشكاوي». [4/ 458]
ثالثًا: رتبة عسكرية صغيرة في الجيش والشرطة يعهد إليها القيام بأعمال مختلفة وهو الرقيب.
يؤرخ د/ مصطفي عبد الكريم الخطيب لظهور هذا المدلول للفظ الشاويش في بداية العصر الحديث، فيقول: «وفي عهد محمد على باشا في مصر أصبح لفظ جاويش مرتبة عسكرية يقابلها في أيامنا رتبة رقيب وفق الاصطلاحات العسكرية المعاصرة، وكان حاملها يتقاضى مرتباً شهرياً مقدار ثلاثون قرشاً» [ص119، 120] وقريب من ذلك ما ذكره العلامة أحمد تيمور باشا في معرض حديثه عن تطور مهام وظيفة الشاويش حيث يقول: «ثم خُصَّ في النظام الحديث بمن فوق الأونباشي رتبة، ويكون تحت إمرته اثنان منهم، أي: عشرين جنديا»، كما أشار إلى أن مصطلح الشاويش يطلق على كل جندي على سبيل التكريم والتقدير فقال: «وقد اعتاد الناس تلقيب كل جندي بالجاويش تكريماً له عند المخاطبة سواء كان ذلك أو لم يكن» [الرتب والألقاب المصرية: ص55، 56].
ومن شواهد استعمال الشاويش بهذا المعنى ما يلي:
* يقول صالح مجدي (ت1298هـ) من قصيدة تتضمن ترجمة لحياته:
وَفُزْتُ من سَبْقِي على الأَقْرَانِ
بِرُتْبَةِ الجَاوَيشِ في امتِحَانِي
[الرجز]
وقال شاعر الملاحم كامل أمين:
فَبَدَأْتُ جُنْديًّا فَأُمْبَاشي فَشَاَ
ويشاً فحَالك يَا أخِي مِنْ حَالِي
وغدوتُ في يوم التَّخَرُّجِ ضَابطاً
والعَسْكَرية سَاحَة الأبطالِ
[ الكامل]
مما تقدم ذكره وبيانه يتجلي للقارئ الكريم أن:
الشاويش من الكلمات المُعَرَّبَة التي اقترضتها لغتنا العربية من اللغة الفارسية، والتي استعارتها بدورها من التركية، وقد دخلت اللغة العربية في زمن الأيوبيين، كما يلاحظ أن أقدم وظيفة للشاويش هي: النداء واستنفار الجنود للقتال؛ بناءً على أقدم الشواهد التي وقفت عليها -فيما قرأت-، والتي ترجع إلى العصر الأيوبي، واستنادًا إلى ما نصَّت عليه بعض المصادر التاريخية التي رجعت إليها ثم اعترى الكلمة تطور دلالي، وتَغَيُّر في مهام وظيفة الشاويش، فأصبحت وظيفته السَّير أمام السلطان في مواكبه للنداء وتنبيه المارة، وكان ذلك في العصر المملوكي، حتى وصل في العصر الحديث إلى المعنى المتعارف عليه بين العامة والخاصة، وهو كونه في أدني المراتب القيادية العسكرية في الجيش والشرطة من رتب ضباط الصف، فهي توازى رتبة الرقيب.
ومما لا شبهة فيه أن في تَغَيُّر مهام وظيفة الشاويش، يتجلى لنا أحد أعراض وأشكال تطور وتغير دلالات الألفاظ، وهو: انحطاط الدلالة وانحدارها، ولعل الملحظ الذي ينبغي الإلماح إليه والتنويه عليه، هو أنني لم أظفر بأحد من أصحاب المعجمات اللغوية التراثية التي دونت في العصر الأيوبي، والمملوكي، والعثماني مثل: شمس العلوم للحميري (ت573ه)، والعباب الزاخر، والتكملة والذيل والصلة للصغاني (ت650هـ) ولسان العرب لابن منظور (ت711هـ)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (ت 817هـ)، وتاج العروس للزبيدى (ت 1205هـ)، قد أورد لفظ الشاويش بين طياته، بالرغم من مجيئه وتردده في بعض المصادر الأدبية والتاريخية التي دونت في تلك العصور، لذا يمكن القول بأنه من الألفاظ التي ورد ذكرها في بعض المصنفات الأدبية والتاريخية وأهملته المعجمات اللغوية التراثية.
وفي ضوء الشواهد الأدبية والتاريخية الدالة على استعمال كلمة الشاويش بمعانيها المتعددة منذ العصر الأيوبي، تبرز أهمية النصوص الأدبية والتاريخية في استكمال القصور اللفظي والدلالي البَيِّن الذي شاب بعض الأعمال المعجمية التراثية.
** **
- عضو هيئة تدريس بقسم أصول اللغة جامعة الأزهر جمهورية مصر العربية