التسعون يومًا الأخيرة من تكليف رؤساء الجامعات.. هل حان الوقت لحوكمة المرحلة الأكثر حساسية؟
ليست كل القرارات الإدارية متساوية في أعمارها؛ فبعضها ينتهي أثره بانتهاء يومه، وبعضها يمتد سنوات بعد مغادرة من أصدره. وفي المؤسسات التي تتعاقب على قيادتها الأسماء، وتبقى رسالتها أطول عمرًا من أصحاب المناصب، تصبح القرارات المتخذة عند اقتراب نهاية المسؤولية اختبارًا حقيقيًا لنضج الحوكمة، وقدرة الأنظمة على حماية المستقبل من اجتهادات الحاضر.
ولعل مشهد التعليم الجامعي السعودي يفتح اليوم بابًا مهمًا لهذا النقاش؛ إذ تقترب مدد تكليف عدد من رؤساء الجامعات من نهايتها، بعضهم لا تفصله عنها سوى أسابيع، وبعضهم أشهر قليلة، فيما انتهت مدد تكليف آخرين وأُسندت إدارة جامعاتهم مؤقتًا إلى أحد الوكلاء، أو استمر بعض الرؤساء في تسيير الأعمال إلى حين صدور القرار المتعلق بالقيادة القادمة.
وهي أوضاع إدارية مألوفة في المؤسسات التي تتعاقب عليها القيادات، غير أن ما يستحق التوقف ليس انتهاء التكليف في ذاته، بل طبيعة القرارات التي قد تصدر في أيامه الأخيرة، خصوصًا حين تتعلق بترشيح القيادات الأكاديمية والإدارية وتكليفها وتجديد تكليفها، أو اعتماد ترقيات إدارية استثنائية تترك آثارًا وظيفية ومالية طويلة الأمد.
فما الذي يحدث حين لا يتبقى من تكليف رئيس الجامعة سوى أسابيع، بينما تصدر خلال تلك الفترة قرارات بتكليف عمداء ووكلاء ورؤساء أقسام لمدة عامين قادمين؟ وكيف يستقيم أن تكون المدة المتبقية من مسؤولية صاحب القرار أقصر بكثير من عمر القرارات التي يتخذها؟ أليس في ذلك احتمال لأن يجد الرئيس القادم نفسه أمام تشكيل قيادي لم يسهم في اختياره، ومع ذلك سيكون مطالبًا بتحمل مسؤولية أدائه؟
إن الإشكالية هنا لا تتعلق بالتشكيك في صلاحيات رئيس الجامعة، ولا بافتراض سوء النية في قراراته، وإنما بالتمييز بين مشروعية القرار وحكمة توقيته. فليس كل ما يجوز للمسؤول اتخاذه نظامًا يُعد بالضرورة مناسبًا لاتخاذه في كل وقت، خصوصًا عندما تتجاوز آثار القرار حدود المدة المتبقية من مسؤوليته.
وتزداد حساسية المسألة إذا اقترنت الأيام الأخيرة من التكليف بتسارع غير معتاد في قرارات الترشيح والتعيين والتجديد، أو شغل مواقع قيادية ظلت شاغرة أشهرًا طويلة ثم تحولت فجأة إلى أولويات عاجلة. عندها يصبح السؤال مشروعًا: لماذا الآن؟ وما المصلحة المؤسسية التي تستدعي اتخاذ هذه القرارات قبل اتضاح مستقبل رئاسة الجامعة؟ وهل تفرض حاجة العمل ذلك فعلًا، أم أن بعضها كان يمكن أن ينتظر دون أن تتضرر المؤسسة؟
وهنا يبدو المشهد وكأن الرئيس يكتب في الصفحات الأخيرة من مدة تكليفه فصولًا من كتاب لن يكون بالضرورة هو من يتولى قراءته وإدارته؛ فما يُكتب اليوم بقرار تكليف قد يصبح غدًا واقعًا إداريًا يجد الرئيس القادم نفسه مطالبًا بالتعامل معه، سواء اتفق مع رؤيته أم اختلف.
ولا تقتصر آثار هذه القرارات على الرئيس القادم، بل قد تمتد إلى القيادات المكلفة ذاتها؛ فالعميد أو الوكيل الذي يتولى منصبه قبيل انتقال رئاسة الجامعة قد يجد نفسه بعد أسابيع أمام رئيس جديد له رؤية مختلفة وأولويات مغايرة، فتتحول بداية تكليفه إلى مرحلة من الترقب وإعادة التكيف، بدلًا من أن تكون انطلاقة مستقرة نحو الإنجاز.
غير أن القضية لا تقف عند حدود التكليفات القيادية؛ فثمة قرارات أشد أثرًا وأطول بقاءً، وفي مقدمتها الترقيات الإدارية الاستثنائية.
فالمادة الرابعة والخمسون من اللائحة التنفيذية للموارد البشرية في الخدمة المدنية تجيز ترقية الموظف استثنائيًا إلى وظيفة شاغرة أعلى بمرتبتين، وفق شروط وضوابط محددة، ومن خلال لجنة مختصة واعتماد من صاحب الصلاحية النظامية. وهذه الترقية في أصلها أداة مشروعة لتقدير الكفاءات المتميزة، ولا يجوز أن تكون موضع تشكيك لمجرد طبيعتها الاستثنائية.
لكن الفارق بين الترقية الاستثنائية والتكليف القيادي جوهري؛ فالتكليف مؤقت بطبيعته وينتهي بانتهاء مدته، أما الترقية فتُحدث تغييرًا مستمرًا في المرتبة والراتب والمركز الوظيفي. وإذا كان تكليف عميد لمدة عامين خلال الأسابيع الأخيرة من مدة رئيس الجامعة يستحق مراجعة احترازية، أفليست الترقية الاستثنائية، بما تنطوي عليه من قفزة وظيفية وآثار مالية ممتدة، جديرة بضمانات مماثلة؟
إن استيفاء شروط الترقية شيء، وحكمة توقيت اعتمادها شيء آخر. والعدالة الوظيفية لا تتحقق بسلامة الإجراءات وحدها، بل تتعزز أيضًا بوضوح معايير المفاضلة وتكافؤ الفرص، وبقدرة المؤسسة على تفسير قراراتها وتبرير توقيتها. فالاستثناء حين يُحاط بالضوابط يحفظ مكانته، وحين تُثار حول توقيته التساؤلات يصبح أحوج ما يكون إلى الشفافية التي تحمي القرار وصاحبه والمستفيد منه.
وليس هذا النقاش حكرًا على الجامعات السعودية؛ فقد واجهت مؤسسات جامعية أمريكية إشكالية مماثلة، وتعاملت معها بممارسات تستحق التأمل والاستفادة.
ففي منظومة جامعات تكساس AالجزيرةM الأمريكية، أعلن رئيس المنظومة جون شارب، في فبراير 2023، وجود سياسة مؤسسية مطبقة منذ عشر سنوات تمنع رؤساء الجامعات الذين أعلنوا مغادرتهم من تعيين عمداء الكليات وكبار القيادات الإدارية بصورة دائمة، مع السماح بالتكليف المؤقت، حتى تتاح للرئيس القادم فرصة اختيار الفريق الذي سيعمل معه.
وقد برز تطبيق هذه السياسة عند اقتراب مغادرة الدكتورة روث سيمونز رئاسة جامعة Prairie View AالجزيرةM عام 2023، إذ اعترضت على تقييد صلاحياتها قبل انتهاء المدة المقررة، وانتهى الخلاف بمغادرتها المبكرة في فبراير من ذلك العام. وتكشف هذه الواقعة أن تنظيم صلاحيات الرئيس في المرحلة الأخيرة ليس مسألة نظرية، بل قضية مؤسسية واقعية تستوجب التوازن بين احترام الرئيس القائم وحماية خيارات القيادة القادمة.
وفي جامعة هارفارد، ظهرت ممارسة أخرى ذات دلالة عميقة؛ فقد أعلن رئيس الجامعة لورانس باكو، في فبراير 2023، أنه سيترك اختيار أربعة عمداء لخليفته كلودين غاي، التي لم تكن قد تسلمت مهام الرئاسة رسميًا. ولم يكن ذلك حظرًا عامًا على صلاحياته، وإنما احترامًا لمبدأ مؤسسي مؤداه أن من سيتولى مسؤولية قيادة الجامعة ينبغي أن تكون له الكلمة المؤثرة في اختيار القيادات العليا التي ستعمل معه.
وقد تناولت صحيفة Inside Higher Ed الأمريكية المتخصصة في التعليم العالي هذه القضية في مارس 2023، ونقلت عن سالي ماسون، الرئيسة السابقة لجامعة أيوا والمستشارة في حوكمة الجامعات، أن حرمان الرئيس القادم من فرصة اختيار فريقه قد يضعه في موقف غير ملائم، وأن التعيين الدائم قبيل مغادرة الرئيس الذي اختار المسؤول قد يخلق صعوبات لذلك المسؤول نفسه.
وهنا تتجلى الحكمة المؤسسية في صورتها الأوضح: ليس الإنجاز أن يملأ الرئيس جميع المقاعد قبل مغادرته، بل أن يترك لمن يأتي بعده مساحة عادلة لاختيار من سيشاركه مسؤولية المرحلة القادمة.
غير أن التجربة الأمريكية، على أهميتها، لا تعالج بصورة كاملة طبيعة التكليف في الجامعات السعودية؛ إذ إن ربط القيود بإعلان الرئيس مغادرته قد يجعل تطبيقها مرتبطًا بمصير شخص بعينه، وربما يُفهم فرضها باعتباره مؤشرًا على عدم التجديد له قبل صدور القرار الرسمي بذلك.
ومن هنا يبرز مقترح يستحق الدراسة من مجلس شؤون الجامعات، يتمثل في اعتماد الأيام التسعين الأخيرة من كل دورة تكليف لرئيس الجامعة فترة حوكمة احترازية، تُقيَّد خلالها صلاحياته المنفردة في الترشيح والتعيين والتكليف وتجديد شغل المناصب القيادية، وتخضع خلالها الترقيات الإدارية الاستثنائية لمراجعة وموافقة مؤسسية إضافية، وفق الاختصاصات النظامية.
والميزة الأساسية لهذا المقترح أنه قاعدة دورية تطبق على جميع رؤساء الجامعات دون استثناء، بصرف النظر عن احتمالات تجديد تكليفهم. فلا تبدأ الفترة الاحترازية لأن الرئيس سيغادر، ولا تتوقف لأن استمراره متوقع؛ بل تبدأ تلقائيًا في موعد محدد يعرفه الجميع، بوصفها جزءًا من دورة الحوكمة الجامعية، لا إجراءً استثنائيًا موجهًا إلى شخص بعينه.
فلا التجديد يُفترض، ولا عدم التجديد يُستبق، وإنما مصلحة الجامعة هي التي تُحمى في الحالتين.
فإذا صدر قرار بتجديد تكليف الرئيس، استأنف صلاحياته المعتادة مع بداية دورة التكليف الجديدة. وإذا انتهى تكليفه وأُسندت إدارة الجامعة إلى رئيس مكلف مؤقتًا، أو استمر الرئيس السابق بتسيير الأعمال، بقيت الضوابط الاحترازية سارية إلى حين بدء دورة تكليف رئاسية جديدة، حتى لا تصبح فترة الإدارة المؤقتة مجالًا لاتخاذ قرارات دائمة تتجاوز مقتضياتها.
ولتحقيق ذلك، يمكن دراسة إسناد اعتماد القرارات القيادية المشمولة بالضوابط إلى مجلس الجامعة برئاسة معالي وزير التعليم في الجامعات التي لا تزال تخضع لنظام مجلس التعليم العالي والجامعات السابق، مع استكمال ما يلزم نظامًا من تنظيم للاختصاصات.
أما الجامعات الخاضعة لنظام الجامعات الجديد، فيمكن دراسة إسناد الموافقات الاحترازية إلى مجالس الأمناء، وفق قواعد يقرها مجلس شؤون الجامعات، وبضمانات تكفل استقلال مراجعة القرارات عن الرئيس المعني بها، ودون إخلال بالاختصاصات النظامية القائمة أو نقلها إلا بالأداة النظامية المناسبة.
وفيما يتعلق بالترقيات الاستثنائية، فلا يُقصد تجاوز لجانها أو إلغاء اختصاصات اعتمادها، بل إضافة ضمانة تتعلق بتوقيت القرار ومسوغاته وعدالة المفاضلة بين المرشحين.
وليس المقصود من ذلك تجميد أعمال الجامعة أو تعطيل مصالح منسوبيها؛ فالأعمال التشغيلية والقرارات الأكاديمية والوظيفية المعتادة، بما فيها الترقيات المستحقة وفق المسار النظامي العادي، يجب أن تستمر دون تأخير. أما المناصب القيادية التي تستدعي الضرورة شغلها، فيمكن معالجتها بتكليف مؤقت محدد المدة، أو إحالتها إلى المرجعية المختصة مشفوعة بمبررات الاستعجال، على أن تُستكمل دراسة الطلبات العاجلة ورفع التوصيات بشأنها خلال عشرة أيام عمل، مع مراعاة المدد النظامية اللازمة لاعتماد القرارات ونفاذها.
وبذلك يصبح التنظيم أداة لضبط القرارات لا لتعطيلها، وضمانة للعدالة لا عقبة أمام الاستحقاق.
ويمكن أن تتحول الأيام التسعون الأخيرة أيضًا إلى مرحلة مراجعة مؤسسية تُقاس فيها نتائج الخطط، وتُوثق المشروعات والالتزامات، وتُراجع المخاطر والفرص، وتُعد ملفات تسليم المسؤولية. فتكون الجامعة مستعدة لاستمرار رئيسها أو استقبال رئيس جديد، دون ارتباك إداري أو قرارات متعجلة.
إن استقلال الجامعات لا يعني غياب المساءلة، والثقة في رؤسائها لا تلغي الحاجة إلى الحوكمة. فالأنظمة الرشيدة لا تُصمم على افتراض سوء النية، بل لتضمن حسن الممارسة مهما تغير الأشخاص والظروف.
ولهذا فإن القضية التي تستحق اهتمام مجلس شؤون الجامعات ليست تحديد من سيغادر ومن سيبقى، وإنما إرساء مبدأ مؤسسي يجعل القرارات طويلة الأثر وأكثر ارتباطًا بالمصلحة المستدامة للجامعة.
فالقيادة الرشيدة لا تُقاس بعدد القرارات التي يستطيع الرئيس توقيعها في أيام تكليفه الأخيرة، وإنما بقدرته على أن يترك مؤسسة عادلة ومستقرة، قادرة على مواصلة مسيرتها سواء بقي في موقعه أم غادره.
وإذا كانت الأنظمة قد حددت متى تبدأ مدة تكليف رئيس الجامعة ومتى تنتهي، فقد آن الأوان لأن نبحث كيف نحمي المؤسسة من القرارات التي قد تبدأ آثارها الحقيقية بعد انتهاء تلك المدة.
فليس أخطر على مستقبل المؤسسة من قرار ينتهي توقيع صاحبه، ولا ينتهي أثره.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري