د. غالب محمد طه
من بين قنوات واتساب التي أتابعها، هناك قناة تحمل اسم «مجتمع الصحفيين العرب | فرص وموارد»، أجد فيما تنشره بين حين وآخر ما يستحق القراءة والتوقف. وبينما كنت أتصفح منشوراتها، استوقفني استطلاع للرأي نشرته الإعلامية سارة عبدالله على منصة لينكدإن، تسأل فيه: «ما نوع الدعم الأكثر حاجة إليه اليوم لتطوير الصحافة في المنطقة العربية؟».
وضعت أمام المشاركين خمسة خيارات: تطوير المهارات الصحافية، وتعزيز سلامة الصحافيين، والمنح الإنتاجية، والتوجيه والإرشاد المهني، وتطوير المناهج الدراسية. وعندما اطلعت على النتائج، وجدت أن المنح الإنتاجية جاءت في المقدمة، تلتها المهارات الصحافية، ثم سلامة الصحافيين، فالتوجيه والإرشاد المهني، وأخيرًا تطوير المناهج الدراسية.
قرأت الخيارات أكثر من مرة، ووجدت أنني أميل إلى أكثر من إجابة. فالصحافة تحتاج إلى المهارات كما تحتاج إلى الموارد، ولا يمكن الحديث عن تطويرها بمعزل عن سلامة العاملين فيها، أو عن التعليم والتوجيه المهني. لكنني، وأنا أتأمل السؤال ونتائجه، وجدت نفسي أفكر فيما يمكن أن يحدث بعد أن يتلقى الصحافي هذا الدعم، وبعد أن تتوافر للمؤسسة الإمكانات التي تحتاجها. ما الذي نريد أن يتغير في الصحافة نفسها؟
ومن هنا خطر ببالي سؤال سادس: ماذا نريد من تطوير الصحافة العربية؟ قد تبدو الإجابة سهلة؛ نريد صحافيين أكثر تأهيلًا، ومؤسسات أكثر قدرة على الإنتاج، وصحافة تواكب ما يجري حولها. لكنني أعتقد أن المسألة أوسع من ذلك قليلًا. فقد يتلقى الصحافي تدريبًا متقدمًا، ويكتسب مهارات جديدة، ثم يعود إلى مؤسسته ليجد أن ظروف العمل لا تمنحه فرصة الاستفادة الكاملة مما تعلمه. وقد تتوافر للمؤسسة أدوات حديثة، دون أن تنعكس إمكاناتها كلها على ما تقدمه من تجارب صحفية.
ولعلنا هنا نحتاج إلى التمييز بين تطوير الصحافي وتطوير الصحافة. فالأول يفتح أمام الفرد فرصًا جديدة، أما الثاني فيتصل بالبيئة التي يعمل فيها، والمساحة التي تتاح له للتجريب والإبداع، وما تستطيع المؤسسة أن تبنيه على قدرات العاملين فيها. ولهذا لا يتوقف التطوير عند توفير دورة تدريبية أو منحة إنتاجية، بل يمتد إلى معرفة ما يحتاجه الصحافي فعلًا، وما يمكن أن يضيفه الدعم إلى تجربته المهنية.
ولعل السودان يقدم مثالًا مؤلمًا على اختلاف هذه الاحتياجات. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعطلت مؤسسات إعلامية، وفقد صحافيون أماكن عملهم، واضطر آخرون إلى النزوح أو البحث عن وسائل بديلة لمواصلة مهنتهم. وفي مثل هذه الظروف، قد لا يكون تطوير المهارات وحده استجابة كافية لاحتياجاتهم الأكثر إلحاحًا. فالصحافي الذي يبحث عن الأمان، أو عن وسيلة لمواصلة عمله وسط ظروف قاسية، يحتاج إلى نوع من المساندة يختلف عما يحتاجه زميله الذي يعمل داخل مؤسسة مستقرة تسعى إلى تطوير إنتاجها الرقمي.
ولا يعني ذلك أن التدريب يفقد أهميته في أوقات الأزمات، فقد تكون بعض المهارات أكثر ضرورة من أي وقت مضى. لكن التجربة تذكرنا بأن الصحافة العربية لا تعيش ظروفًا واحدة، وأن ما يمثل أولوية في بيئة قد يأتي في مرتبة مختلفة في بيئة أخرى. وربما كان من الأفضل أن نبدأ بفهم هذه الفوارق، قبل أن نقرر أي أشكال الدعم أكثر إلحاحًا.
وإذا كانت بعض البيئات الصحفية منشغلة بتوفير مقومات الاستمرار، فإن مؤسسات عربية أخرى قطعت أشواطًا ملحوظة في تطوير حضورها ومنصاتها. والمتابع للصحف العربية خلال السنوات الأخيرة يلحظ ما طرأ على كثير من مواقعها الإلكترونية من تغير في التصميم والإخراج وطرق عرض المواد الصحفية. أصبحت الصفحات أكثر جاذبية ووضوحًا، وتنوعت الوسائط، وتحسنت تجربة القراءة والتصفح، حتى بات الانتقال بين بعض المواقع يمنح القارئ إحساسًا بمنافسة جميلة في تقديم المادة الصحفية بأفضل صورة ممكنة.
من الصحف التي أتابعها في هذا السياق صحيفة «الجزيرة» السعودية، التي ألحظ في إطلالتها الحديثة عناية بالتصميم والإخراج، إلى جانب تنوع في الموضوعات والأقلام. وما يستوقفني أحيانًا في صفحاتها هو حضور تجارب كتابية وأصوات مختلفة، بما يضيف إلى المشهد الثقافي والفكري مساحات للنقاش وتبادل الرؤى. ولعل في ذلك جانبًا من التطوير الذي نتحدث عنه؛ فالتجديد لا يقتصر على الطريقة التي تُعرض بها المادة الصحفية، بل يمتد إلى ما تتيحه الصحيفة من تنوع في الأفكار والتجارب.
وفي هذا المشهد المتغير، تبدو فرص تطوير الصحافة أوسع من تحديث الأدوات أو تحسين الإخراج. فالتصميم الجيد ييسر القراءة، وتطور المهارات يفتح أمام الصحافي مجالات جديدة للبحث والإنتاج والتجريب، بينما تمنح البيئة التحريرية المرنة هذه الإمكانات فرصة للظهور. وليس التطوير دائمًا استجابة لنقص نحاول تجاوزه؛ فقد يكون امتدادًا لنجاح تحقق بالفعل، أو فرصة للبناء على تجربة أثبتت قدرتها على التجدد.
ومن هذه الزاوية أعود إلى خيارات الاستطلاع الخمسة. فالمنح الإنتاجية، التي تصدرت النتائج، قد تمنح الصحافي فرصة لإنجاز عمل ظل يفكر فيه طويلًا ولم تتوافر له إمكاناته. والتدريب قد يفتح أمامه مجالًا جديدًا لم يكن يعرفه، بينما يساعده الإرشاد المهني على الاستفادة من تجارب من سبقوه. أما تطوير المناهج، فيمكن أن يهيئ أجيالًا أكثر استعدادًا لمهنة تتغير باستمرار. وتبقى سلامة الصحافيين ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصًا في البيئات التي تصبح فيها ممارسة المهنة نفسها محفوفة بالمخاطر.
ليس مطلوبًا أن نختار بين هذه المسارات وكأن أحدها يغني عن الآخر. فقد يحتاج صحافي إلى منحة، ويحتاج آخر إلى تدريب، بينما يجد ثالث أن أكثر ما ينقصه هو فرصة للعمل في بيئة تمنحه الثقة والمساحة لتقديم ما لديه. وقد تحتاج مؤسسة صحفية إلى الجمع بين هذه العناصر حتى تحقق التطوير الذي تتطلع إليه.
هنا يبرز جانب آخر يستحق الاهتمام، يتعلق بما يبقى من أثر الدعم بعد انتهاء برامجه. فمن السهل أن نحصي عدد الدورات والمتدربين والمنح والمشروعات، لكن بعض النتائج المهمة لا تظهر في هذه الأرقام. فقد تثمر تجربة تدريبية أسلوبًا جديدًا في العمل، وقد تفتح منحة الباب أمام مشروع صحفي مختلف، وقد يؤدي تطوير مؤسسة إلى اتساع المشاركة وظهور أصوات وأفكار جديدة. وهذه مكاسب لا تقل أهمية عن الإنجاز الذي يمكن قياسه فورًا.
وأظن أن القارئ حاضر في نهاية هذه الرحلة، وإن لم يكن طرفًا مباشرًا في خيارات الاستطلاع. فهو الذي يلتقي في الصحيفة حصيلة ما اكتسبه الصحافي من مهارات، وما أتاحته المؤسسة من إمكانات، وما وفرته بيئة العمل من فرص. وقد لا يعرف شيئًا عن الدورات أو المنح التي تقف وراء المادة التي يقرؤها، لكنه يلمس أثرها حين يجد تجربة صحفية أكثر تنوعًا وثراءً، وحين يشعر أن الصحيفة ما زالت قادرة على أن تفاجئه بفكرة أو صوت أو معالجة جديدة.أعود إلى استطلاع سارة عبدالله، الذي بدأت منه هذه الخواطر. ما زلت أرى أن خياراته الخمسة تستحق الاهتمام جميعًا، وأن أولوية كل منها تختلف باختلاف الظروف. لكنني خرجت منه مقتنعًا بأن السؤال السادس ليس نوعًا آخر من الدعم نضيفه إلى القائمة، وإنما سؤال يرافق كل خيار فيها، ويساعدنا على التفكير فيما نريد تحقيقه.
فنحن لا نطوّر الصحافة لأن ما لديها قليل بالضرورة، بل لأن لديها من الخبرات والتجارب والنجاحات ما يستحق أن نبني عليه، ومن الطاقات والأفكار ما يمكن أن يجد فرصًا أوسع للظهور. وكلما أحسنّا فهم احتياجات العاملين فيها، وأتحنا لهم ما يعينهم على أداء مهنتهم، اتسعت إمكانات الصحافة نفسها.
بدأ الأمر بالنسبة إليّ بسؤال صغير على إحدى منصات التواصل، وانتهى إلى سؤال أكبر لم أجد له خانة في التصويت:
ماذا يمكن أن تصبح عليه صحافتنا العربية إذا أحسنّا استثمار ما تمتلكه من قدرات، وما نقدمه لها من دعم؟