علي بن عبدالله علي الوهابي
في عالمٍ متسارع تبتلعه الشاشات وتطغى فيه الإشعارات الرقمية المتلاحقة، تظل هناك طقوس قديمة تحتفظ بمكانتها في الذاكرة والوجدان، مهما تغيرت الحياة من حولنا.
ومن أجمل تلك الطقوس ذلك المشهد الصباحي الذي لا يزال عالقًا في ذاكرة الكثيرين ..قارئ يتجه إلى مكتبة صغيرة أو إلى رف الصحف يشتري جريدته المعتادة ثم يعود بها وكأنه يحمل معه شيئًا من زمنٍ جميل لم يغادره تمامًا.
كان لقاء القارئ بالصحيفة الورقية أكثر من مجرد وسيلة للحصول على الأخبار كانت هناك تجربة كاملة تشترك فيها الحواس والمشاعر فرائحة الحبر التي تنبعث من الصفحات كانت جزءًا من الحكاية وللورق ملمسه الخاص وصوت الصفحات وهي تتقلب بين الأصابع له حضوره أيضًا وحتى أثر الحبر الخفيف الذي كان يعلق أحيانًا بأطراف الأصابع، كان يبدو وكأنه علامة صغيرة على علاقة مباشرة بين القارئ والكلمة.
ثم تأتي القهوة أو الشاي ليكتمل المشهد فنجان دافئ وصحيفة مفتوحة ووقت يمضي بهدوء بعيدًا عن سيل الإشعارات والتنبيهات التي أصبحت ترافقنا في كل لحظة.. لم تكن المسألة مجرد قراءة خبر بل كان الأمر أقرب إلى طقس يومي يمنح صاحبه شيئًا من السكينة، ويتيح له أن يتأمل ما يقرأ بعيدًا عن الاستعجال.
ورغم الهيمنة الكبيرة لوسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الأخبار الرقمية، ظلت الصحافة الورقية تحتفظ بمكانتها لدى شريحة من القراء؛ لأنها لم تكن تقدم الخبر فقط بل كانت تمنح القارئ فرصة للتأمل والتحليل وربط الأحداث ببعضها وفهمها في سياقها. قد تمنحك وسائل التواصل الاجتماعي الخبر في لحظته وربما قبل غيرها وهذا أمر لا يمكن إنكاره لكن الصحافة المهنية تستطيع أن تقدم شيئًا مختلفًا ..التحقيق والسياق والتحليل والرأي والمساحة التي تجعل القارئ يتوقف قليلًا أمام ما يقرأ بينما القضية ليست دائمًا في سرعة وصول المعلومة وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها.
وفي عالم أصبحت فيه الأخبار تتدفق علينا بلا توقف ربما أصبحت قيمة الصحافة في قدرتها على أن تقول للقارئ: تمهّل.. اقرأ.. فكّر.
حين نتأمل المشهد اليوم نجد أن الصحافة الورقية تراجعت بصورة كبيرة أمام التحول الرقمي وتحولت الصحف في كثير من الأماكن إلى منصات إلكترونية متأثرة برياح التقنية والتغيرات المتلاحقة في طريقة وصول الناس إلى الأخبار.. وفي المقابل لا تزال بعض الدول تحافظ على حضور الصحيفة الورقية ولا تزال هناك صحف تصل إلى القارئ في شكلها التقليدي.
هذا الواقع جعلنا نشعر أحيانًا بفراغ كبير فعندما نبحث عن تلك الروح القديمة نجد أنفسنا أمام شاشات وخبر يتلو خبرًا وإشعار يتبعه إشعار بينما اختفى ذلك المشهد الذي كان للصحيفة فيه حضور مختلف. إننا لا نتحدث هنا عن مجرد منتج ورقي تم الاستغناء عنه وإنما نتحدث عن حنين حقيقي إلى الماضي وعن أمنية بعودة شيء من ذلك المشهد الذي عرفته أجيال كاملة حنين إلى صحيفة تمسكها بيدك، وتقلب صفحاتها واحدة تلو الأخرى وتقرأها على مهل.
عاشت أجيال من القراء وهي تتمسك بعلاقتها بالصحيفة الورقية منهم من كان يبحث عنها في الصباح لتكون رفيقة بداية يومه، ومنهم من كان يعود إليها في نهاية يوم طويل فيجد بين صفحاتها شيئًا من الهدوء الذي افتقده وسط ضوضاء الحياة والعمل. قد يتغير شكل الصحافة وقد تتغير طرق توزيعها وقراءتها لكن العلاقة بين القارئ والكلمة المطبوعة لا تختفي بسهولة لأنها ليست علاقة تقنية فقط وإنما تحمل جانبًا ثقافيًا ووجدانيًا وتحمل معها ذكريات ارتبطت بأجيال كاملة.
لقد نشأ كثيرون وهم ينتظرون الصحيفة صباحًا ويتصفحون عناوينها ويتابعون صفحات الرأي ويحفظون أسماء كتابها وربما احتفظ بعضهم بأعداد منها لسنوات.. هذه الذاكرة لا تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي أن تمحوها بسهولة
فهل نستطيع شم رائحة الصحيفة مرة أخرى؟
ربما لا يكون السؤال الحقيقي.. هل ستختفي الصحافة الورقية تمامًا من الوجدان؟ السؤال الأهم ربما هو.. هل سيبقى هناك قارئ يحمل هذا الشغف ويتمنى عودتها؟
الإجابة قد تكون فينا نحن وفي قدرتنا على الحفاظ على هذا الحنين ودعم الصحافة المهنية ونقل هذا الشغف إلى الأجيال الجديدة.. حيث إن الصحيفة الورقية ليست مجرد ورق وحبر، كما أن الكتاب ليس مجرد مجموعة من الصفحات إنها تجربة لها طقوسها وذاكرتها وخصوصيتها.
وقد يأتي يوم يكتشف فيه جيل اعتاد الشاشات أن هناك متعة مختلفة في أن يجلس بعيدًا عن الهاتف ويفتح صحيفة ورقية ويقرأ دون إشعار يقاطعه أو إعلان يشتت انتباهه أو نافذة أخرى تطلب منه الانتقال إليها..عندها ربما يكتشف أن للورق سحرًا لا يتعلق بحداثته وإنما بقدرته على منح الإنسان شيئًا أصبح نادرًا في عصر السرعة (الهدوء).
إن رائحة الحبر على الأصابع قد تتغير وعدد صفحات الصحيفة قد يتقلص وطريقة وصولها إلى القارئ قد تتبدل لكن الكلمة الصادقة ستظل تبحث عن قارئ ولعل أكثر ما نفتقده اليوم ليس الصحيفة وحدها وإنما ذلك الحنين الجميل إليها.. حنين المشهد الذي كان مألوفًا في حياتنا عندما كانت الصحف تقف في أماكنها الطبيعية على الاستندات أمام محلات السوبر ماركت والبقالات والمكتباتكان القارئ يمر فيتوقف لحظة أمام عناوينها ثم يختار صحيفته ويمضي بها إلى يومه.. كم نتمنى أن تعود الصحف إلى تلك الأماكن وأن نراها من جديد مصطفة على الاستندات أمام أعين القراء نريدها في مكانها الطبيعي بين الناس وفي متناول اليد نريد أن نعود إلى ذلك المشهد الذي يجمع الصحيفة والقارئ والقهوة والصباح.فعودة الصحف إلى وضعها الطبيعي ليست مجرد عودة لمنتج ورقي بل هي عودة لمشهد من مشاهد الحياة التي تركت في الذاكرة أثرًا لا يزول.. وربما ستظل الصحيفة الورقية ما بقي لها عشاق يحملون هذا الوفاء تفتح صفحاتها في الذاكرة والوجدان وتروي تفاصيل العالم بوقار وتدعونا إلى أن نقلب معها صفحات الأخبار والتحقيقات والمقابلات التي رسخث في الذاكرة.
ويبقى السؤال مفتوحًا.. هل يعود سحر الورق يومًا إلى الأجيال الجديدة وتعود الصحف إلى الاستندات أم أن رائحة الحبر ستظل حنينًا لا يعرفه إلا من عاش زمن الصحيفة؟