محمد عادل
لم تسجل كيرالا، الولاية الجنوبية للهند، في صفحات شخصياتها العجيبة واحدة تماثل الرحّال «مويدو» (moidu)، الذي جاب البلدان حاملا في نفسه شغفا ملتهبا لاستكشاف العالم الواسع وخوض تجارب جديدة -فقد بدأ رحلته من قريته البسيطة، ليعبر أكثر من عشرين دولة من دون أن يمتلك جوازات سفر أو أي وثيقة رسمية لازمة-
نبذة عن حياته
ولد «مويدو» عام 1959م في قرية كيشيري (kizhisseri) الواقعة في مقاطعة مالابرم في منطقة مليبار. وكان والده قد ذهب إلى باكستان إبان الانقسام التاريخي بينها وبين الهند عقب نهاية الاستعمار البريطاني، ثم رحل إلى مكة للتجارة، فجمع ثروة كبيرة حتى أنفق معظمها ليعود إلى بلده، ولكن لم يوافقه الحظ في بلده ففارق الحياة على أرضه، وصارت أمواله غير مملوكة لأسرته بعد وفاته.
فأخذ الفقر يضيق بأسرة مويدو، واضطرت والدته إلى منعه من مواصلة الدراسة في الصف الرابع، وأرسلته إلى «درس المسجد» الذي كان يعرف آنذاك بكونه ملجأ وملاذا للأيتام، إذ يتلقون فيه العلوم الدينية ويحصلون على ما يسد رمقهم من الطعام وما يكفل حاجاتهم ومعيشاتهم بفضل المتبرعين والمتصدقين. وكان يقرأ من مكتبة المسجد كتاب «رحلة ابن بطوطة» للرحالة ابن بطوطة المستكشف الملقب بـ»أمير الرحالين»، فاستلهم من قراءته وترسخ في نفسه حب السفر وشغف الترحال. وحينما كان يتعلم في درس المسجد بمدينة «فوناني» المعروفة بـ«مكة مليبار»، نال من أستاذه محمد مسليار علوم التصوف، وأخذت الآية القرآنية «قل سيروا في الأرض..» تتردد بقوة في أعماقه، حتى دفعته ليمضي قدما في رحلته الأولى، وهو في العاشرة من عمره عام 1969م.
وفي أثناء عودته إلىى دروس المساجد في نادافرام (nadapuram) وكالباتا (kalpatta) من رحلاته التي استغرقت سبعة أعوام، سافر إلى شتى أنحاء الهند وأرجائها. وكان يواصل سفره ذهابا وإيابا رغم ما كان يعانيه من ضيق الحال وقلة المال. ثم ودّع وطنه وهو في السابعة عشرة من عمره ليذهب في سفر تجاوز عقدا من الزمن، زار من خلاله بلدانا عديدة من مختلف قارات بعيدة.
وفي رحلاته، لم يدع نفسه مستريحة بكونها تطلب المال والطعام دائما من أيدي الآخرين، بل إنه لم يبق أمامه أي عمل دون أن يشتغل به للتكسب والمعيشة. ركب على جميع مركبات متاحة في طريقه من شاحنات وسيارات ودراجات، كما اعتمد على عربات الثيران ومركبات الخيول والقوارب والطوافات للتنقل من مكان إلى آخرـ وكان يتحمل صابرا كل المتاعب والمصائب في سفره، ويتغلب على مختلف أنواع المعيقات في طريقه.
رحلاته العالمية
في ديسمبر عام 1976م، عندما كان بطلنا جالسا في محطة القطار بمقاطعة كاليكوت في ولاية كيرالا، ولم يكن في جيبه سوى خمسين روبية فقط، رغم شدة رغبته لينطلق في سفر طويل لا يعرف مدّتها ولا نهايتهاـ فلمح قطارا باسم «نظام الدين إكسبريس» المتجه إلى نيودلهي (عاصمة الهند)، فلم يفكر لحظة حتى قفز إليه سريعا، وسافر فيه يومين ونصف اليوم حتى بلغ العاصمة. وهناك رأى مشاهد المدينة، ثم ركب قطارا آخر متجها إلى أمرتسر في ولاية البنجاب، ومنها واصل سفره إلى كشمير الموصوفة بـ«جنة الهند»ـ واتجه بعدها نحو حدود واغا (vaga border)، فرأى لوحة على الطريق كتب عليها «27 كيلومتر إلى لاهور - باكستان»، ولم يتفكر لحظة غير أنه سارع ماشيا نحو الطريق. لكنه وقع في قبضة الجيش ونال من نصيب تعذيبهم حتى شفع له أحد القادة فأطلقوا سراحه.
ومع ذلك، لم يتوقف عن محاولة التقدم والسير إلى الأمام، بل كان يخطط لتخطي الحدود إلى باكستان. فقبض عليه مرة ثانية عند الجيش الباكستاني، ثم نُقل إلى سجن أحد مراكزهم لأسبوع قبل أن يعاد إلى حدود الهندـ وبعد الإفراج عنه، اختبأ في أعشاب القحط في أحد الحقول وأعاد محاولته مجددا للوصول إلى الأراضي الباكستانية، فوصل إليها متسللا في ظلمة الليل. فوجده بعض الفلاحين هناك، فأتوا به إلى معلم في المنطقة، فساعده بعدما استمع إلى قصته وأوصله إلى أحد ضباط الجمارك، وهمس له المعلم في أذنه بعض الأشياء وغادر المكان. ثم أدخله الضابط في سيارة وقال له: اذهب إلى لاهور... سيأتيك من الله عون لا محالة. أوصله السائق إلى محطة القطارات في لاهور، ومنحه بعض المال وأخبره أنه يستطيع الذهاب إلى أي مكان من تلك المحطة المركزية عبر القطار، وكان بهذا الفعل قد فتح بابا إلى عالم أوسع أمام الرحّالة المليباري.
وبعد ذلك زار مويدو «موهينجو دارو» الموقع التاريخي القديم في باكستان، والذي كان يعد من المستوطنات والمدن الرئيسية في حضارة وادي السندـ وذهب إلى «تاكسيلا» المدينة القديمة التي تقع شمال غرب باكستان الحالية واتجه حتى انتهى به السير إلى مدينة «روالبندي» وهي واحدة من أهم المدن التاريخية العريقة في باكستان. وفي ذلك الوقت أخذت الأسئلة تحيط بذهنه عن خطته التالية وتشوشه حتى وجد شقة سكنية لبعض الطلاب، علّقت على جدارها صورة تحتوي على خرائط الدول المختلفةـ فانتهز هذه الفرصة وتحدث معهم عن رحلته، فأطعموه وأهدوه تلك الصورة مع سجلّ المعلومات عن مسالك الرحلة ومسارهاـ
وفي الأسبوع التالي، ركب متجها إلى مدينة «بيشاور» القريبة من حدود أفغانستان، ثم وصل مدينة «كابل» عابرا ممر خيبر الجبلي، وهي عاصمة أفغانستان وأكبر مدنها وأهم مراكزها الاقتصادية والثقافية. ومن هناك أخذ يسعى جاهدا لتحقيق مغامرة جديدة، فتخطى ماشيا ارتفاع 1067مترا على طرق جبال «هندوكوش» ليدخل إلى الصين متخفيا عن عيون الجنود الحراس، فوصل تائها في الطريق بين القبائل القريبة من تركستان ونزل بها، واضطر من خلال هذه الرحلة أن يأكل لحم الفأر من شدة الجوع. طلب المساعدة من تلك القبيلة حتى دلّه شيخ القبيلة على الطريق عبر نهر قريب بلغة الإشارات، إذ لم يتركوه مكتفيا بالمعلومات بل صنعوا له طوافة من الخيزران ليصل بها إلى الجانب الآخر من النهرـ ولم يتمكن من رؤية شارع إلا بالمشي ساعات طويلة، فركب شاحنة لسائق سمع صيحته لإيقافها، وأوصله إلى مقاطعة ياركند في الصين. ثم زار مدينة بكين (عاصمة الصين) في 25 يناير سنة 1977م، وكان يحلم بها منذ سنين، ومنطقة التبت، وبورما، وكوريا الشمالية، ومنغوليا قبل أن يعود ثانية إلى باكستان. وتعد هذه الزيارات بجملتها الحلقة الأولى من رحلته الثانية التي امتدت سبعة أعوام.
وخلال أسفاره، قطع بطلنا المسافر حدود 43 دولة في قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، من بينها روسيا، وتركيا، وإيران، والعراق، وأذربيجان، وتركمانستان، وسويسرا، وجورجيا، وبلغاريا، وبولندا، ولبنان، وإسرائيل، ونيبال، وقرغيزستان، وكازاخستان، وأوكرانيا، والشيشان، وليبيا، وتونس، والأردن، والجزائر، ومصر، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وأرمينيا، وفرنسا، وألمانيا، ولوكسمبرغ وغيرها. ومن أغرب مغامراته، أنه دخل 24 دولة متسللا وعاش فيها بجوازات سفر مزيفة.
من تجاربه الخطيرة
شاهد مويدو عددا من الأحداث الرهيبة مباشرة أثناء سفره، حيث صادف مشهد امرأة في دلهي،
تتعرض لحرق نفسها حتى الموت مع جثة زوجها المتوفي وفقا لعادة هندوسية قديمة يجرمها القانون اليوم ويطلق عليها اسم «ساتي»، ومشهد مجزرة جماعية في مسجد طهران، وتطاير الدماء وأشلاء الأجساد في ساحات القتال إلى جانب المجاهدين الإيرانيين والأفغان. وكان يتحمس ليتعلم لغة بعد لغة حتى اكتسب ملكة في عشرين لغة في مختلف الدول من خلال مشاهدة أفلام في تلك اللغات لعدة أيام. كما أنه استفاد ممن تعرف إليهم أثناء سفره حيث تعلم «الكتاب المقدس» من الرهبان المسيحيين، وكتاب «البهاغافاد غيتا» من الكهنة الهندوسيين. وظل متمسكا بخصاله الطيبة وشخصيته الطاهرة على الدوام خلال المسير، رغم احتمالات مناسبة للفتن والإغراءات الباطلة مثل الخمر، والمرأة، والمسكرات والمخدرات وإدمانها إلا أنه عاش مدمنا ومولعا بالسفر والترحال.
واجه مويدو في طريقه تحديات لا يمكن عدّها ولا حصرها إلا أنه تجاوز كلاّ منها بالهمّة والإيمان. وكان يقرأ آيات من القرآن في تلك الحالات الصعبة للتخلص منها. كما بقي منفردا في صحراء قاحلة لأيام يصاحبه الجوع الشديد، حتى رزقه الله بطعام من بعض أفراد القبائل الصحراوية. ويوما، اضطر إلى إلقاء نفسه في نهر لينجو من أعين الجيش، وكان الطقس باردا قارسا يجمّد العظام. وأمضى أسبوعين في السجن بعدما اعتقلته الشرطة في تركيا. وفي 15 نوفمبر سنة 1979م، نجا من كارثة كادت تودي بحياته عندما حاول العبور غير المشروع في قارب شراعي خرج من بندر عباس - أحد السواحل الإيرانية - متجها إلى دبي، فاجتاحت الرياح القارب في مضيق هرمز وبدأ يهتز بلا انضباط في وسط البحر ، فقرر المسافرون الشيعة رمي مويدو في البحر متشائمين منه لأنه السني الوحيد بينهم وظنوه سببا لما حدث، فأنقذه الله من البلاء وهدأ البحر. ولما رأوا ضياء مدينة دبي من بعيد، أمرهم قبطان القارب بالنزول إلى البحر والسباحة نحو الساحل، لكن مويدو لم يستطع مواصلة السباحة بسبب شدة البرد فعاد إلى القارب وصعد إليه ليرجع إلى طهران. ومرة أخرى، وقع في قبضة الجيش في إيران بعد ما سألهم الطريق إلى العراق وتحديدا إلى البصرة، ثم أطلقوا سراحه بشرط أن يوقع في سجل يمنعه من السفر إلى العراق، لكنه رفض ذلك وبقي في السجن وأصيب بالحمّى. وفي ذلك الوقت، سمع قائد الجيش تلاوته لآيات القرآن، فعيّنه معلّما للجنود.
وتضمنت رحلاته فصلا مميزا عن تعلقه بست فتيات في ست دول مختلفة. ورغم أن ذلك يخالف قيمه الدينية، فإنه لم يتجاوز لحظة في الحفاظ على عفّته. وكانت فتاة باكستانية تدعى «فدى» أول حب في حياته، وهي ابنة نوروز خان الذي قدّم لمويدو الرعاية والمأوى بعد عودته الأولى من رحلته التي طالت ستة شهورـ تعلّق بها حتى قال الن اس إنها ستكون زوجته المستقبلية، لكنه بعد فترة من الزمن اضطرّ لمفارقتها ساعيا وراء طموحاته الواسعةـ وبعد سبع سنين عاد لزيارتها، فوجدها متزوجة من شخص آخر، ولها ابن صغير سمّته «محي الدين»، وهو مماثل لاسم مويدو في العربية. و»غالينا» من روسيا، و»سيروسي» من سوريا، و»أديبة» من الأردن، والفتاة التركية «غوكجن» التي يعني اسمها السماء الزرقاء، والممرضة «مهرنوش» التي كانت معه في الجيش الإيراني. لكن حبه للسفر أقوى وأغلى من تلك العلاقات كلها، فما من فتاة استطاعت أن تقف في وجه هذا الحب غير أنه ترسّخ بشدة في قلبه.
وفي 23 ديسمبر سنة 1983م، عاد من رحلته الطويلة ووصل «واغا» المعبر الحدودي الدولي بين الهند وباكستان. وأثناء إجراءات تحقيق الجيش، جعلهم يضحكون ويتعجبون مما سمعوا منه عن دخوله تلك البلاد وخروجه منها دون تأشيرات رسمية. وأخيرا، وصل إلى بيته في 1 يناير سنة 1984م، حيث بدأت الحياة تضيقه بعديد من المسؤوليات مثل الزواج، ورعاية أمه المريضة، وبناء البيت وغيرها ممّا جعله ينشغل بأعمال مختلفة. وقضى وقتا لكتابة ذكرياته حتى صدر له سبعة كتب في أدب الرحلات في اللغة المليبارية، وهي «مغامرة في تركيا»، و«عبر الأراضي التاريخية»، و«في بلاد الصوفيين»، و«العيش على الحافة»، و«تجارب العاشق الرحّال»، و«مشاهد من الصحراء»، و«مسافر من مكان بعيد». وفي أواخر حياته أصيب بمرض في الكلى واشتدّ عليه حتى صار يطرق أبواب المستشفيات ويلازمها، ثم ختم رحلته في هذا الكون فوافته المنية في 10 أكتوبر 2020م عن عمر ناهز 61 عامًا، وذلك أثناء تلقيه العلاج في أحد المستشفيات الخاصة في كاليكوت.