د. طلال الحربي
لا يُقاس حضور الدول في ميزان التاريخ بما تملكه من ثروات وموارد فحسب، بل بما تملكه من قدرة على حماية مكتسباتها وصون سيادتها وردع كل من تسوّل له نفسه المساس بأمنها. وفي هذا الباب تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا متقدما لدولة أدركت مبكرا أن التنمية لا تثمر إلا في ظل أمن مكين، وأن الأمن لا يستقر إلا بمؤسسة دفاعية متماسكة تحرس الأرض والسماء والبحر.
وفي قلب هذه المنظومة يقف سمو الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع، قائدا لمرحلة بالغة الأهمية والحساسية في تاريخ الوطن.
ولا يمكن فهم الحس العسكري الذي يتمتع به سموه وحبه الفطري للوطن بمعزل عن المنبت الذي نشأ فيه. فهو حفيد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيب الله ثراه، الذي وحّد هذه البلاد بالسيف والحكمة معا، وجمع شتاتها تحت راية واحدة بعد أن أرسى قواعد الدولة على الشجاعة والعدل. وهو نجل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، الذي عُرف عند أهل الحكم والسياسة بأنه ملك العلم والتاريخ، وصاحب الحنكة التي جمعت بين الحزم في موضعه والرحمة في موضعها. وهو شقيق صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، صاحب الرؤية التي أعادت صياغة حاضر المملكة ورسمت ملامح مستقبلها. ومن تربى في مدرسة كهذه، وتشرّب منها مفاهيم الدولة والواجب والتضحية، فإنه يحمل رصيدا من القيم لا تصنعه المناصب وحدها، وإن كان المنصب ميدانا لتجليها.
وفي عهد الملك سلمان، حفظه الله، وبرؤية سمو ولي عهده الأمين، تعيش وزارة الدفاع مرحلة يصح وصفها بمرحلة النضج والتمكين. فقد عملت الوزارة طوال السنوات الماضية على تأهيل منسوبيها علميا وميدانيا، وتزويدهم بأفضل المعدات وأحدث المنظومات، وتوطين الصناعات العسكرية، وتطوير المهارات القتالية بما يواكب متغيرات الميدان وتحديات العصر. وبتوجيهات سمو الأمير خالد بن سلمان ومتابعته الدقيقة، تتكامل جهود القطاعات العسكرية كافة في البر والبحر والجو والدفاع الجوي، في صورة تعكس وحدة القرار وانضباط الأداء وعمق الاحتراف.
ويقف خلف هذه المنظومة رجال نذروا أنفسهم لخدمة الوطن، يصلون الليل بالنهار، ويقفون على الثغور في كل الفصول وتحت أصعب الظروف، دون كلل أو ملل. هم جنود الحد الجنوبي الذين يذودون عن الحدود، وطيارون يحرسون السماء، وأفراد الدفاع الجوي الذين يتصدون للتهديدات، وبحارة يؤمنون المياه والممرات الحيوية، وقادة وضباط وأفراد يقدمون أرواحهم رخيصة فداء لهذا الوطن. وكل واحد منهم يؤدي واجبه بإيمان راسخ بأن حماية الأرض شرف لا يعدله شرف، وأن التضحية في سبيلها وسام لا يناله إلا الأوفياء.
وتتجلى القيمة الحقيقية لهذه الجهود في أثرها المباشر على حياة الناس. فشعور المواطن والمقيم والزائر بالأمان على هذه الأرض الطيبة ليس أمرا عابرا ولا نتيجة تلقائية، بل هو ثمرة يقظة دائمة وسهر متواصل ودفاع صامت لا يراه الناس غالبا. حين ينام الإنسان قرير العين في بيته، ويسافر مطمئنا، ويستثمر واثقا بمستقبل بلاده، فإنما يفعل ذلك لأن هناك من يسهر على حدود الوطن وسمائه ومياهه. وبهذا المعنى يصبح الدفاع عن الوطن حماية لحياة الناس اليومية وكرامتهم وأحلامهم، وصونا لمكتسبات التنمية التي تحققت.
إن ما تحققه وزارة الدفاع اليوم من جاهزية عالية وكفاءة مشهودة يستحق الوقوف عنده بالتقدير والعرفان، لا مجاملة، بل إنصافا لمؤسسة أثبتت قدرتها على الجمع بين الحزم في الردع والحكمة في القرار.
وإذ نرفع آيات الشكر لقيادتنا الرشيدة على دعمها غير المحدود، فإننا نخص بالتقدير سمو الأمير خالد بن سلمان، ومعه كل قائد وضابط وفرد من منسوبي وزارة الدفاع، على ما يقدمونه من تضحيات وإنجازات تجعل من هذا الوطن حصنا منيعا وواحة أمن وأمان لكل من وطئت قدماه ثراه. حفظ الله بلادنا وقيادتنا وجنودنا البواسل، وأدام علينا نعمة الأمن والاستقرار.