عوض علي أحمد الطالبي
موقف الحياد والسكوت عن الاعتداء على بلاد الحرمين: خيانة للدين، وتواطؤ مع العدوان، وجناية على الاستقرار العالمي فليست المملكة العربية السعودية مجرد بقعة جغرافية تحدها خطوط الطول والعرض على خارطة الشرق الأوسط، بل هي قلب العالم الإسلامي النابض، ومحط أفئدة أكثر من ملياري مسلم ييممون وجوههم شطر بيتها العتيق خمس مرات في اليوم والليلة. إنها أرض الرسالة، ومهبط الوحي، ومنطلق الهداية النبوية التي غيرت مجرى التاريخ البشري. هذه المكانة الاستثنائية تجعل من أمنها، واستقرارها، وسلامة أراضيها قضية فوق السياسية، ومسألة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية لتلامس العقيدة، والتاريخ، والأمن القومي الشامل للأمة الإسلامية ولالعالم أجمع. وعندما تتعرض هذه البلاد المباركة لأي شكل من أشكال الاعتداء، سواء أكان اعتداءً عسكرياً مباشراً، أو تهديداً أمنياً، أو حملات تشويه وإعلامية ممنهجة تقودها قوى إقليمية أو دولية تنفذ أجندات تخريبية، فإن المشهد الدولي والإقليمي ينقسم عادة إلى جبهات واضحة. لكن الموقف الأكثر غرابة، والأشد إيلاماً وخطورة، هو موقف الحياد السلبي والسكوت المطبق الذي تختاره بعض الدول، أو الهيئات، أو النخب الفكرية والسياسية. هذا المقال يبحث في العمق الفكري، والسياسي، والشرعي لمعادلة الحياد إزاء استهداف بلاد الحرمين، ليؤكد حقيقة لا تقبل المواربة بأن الحياد في معركة الدفاع عن بلاد الحرمين ليس موقفاً سياسياً مشروعاً، بل هو خيانة صريحة، وتواطؤ مضمر مع المعتدي، وجناية كبرى على مستقبل الأمن والاستقرار العالمي.
من المنظور الإسلامي، لا يمكن إخضاع أمن بلاد الحرمين الشريفين للمناورات السياسية أو المصالح النفعية الضيقة، فالنصوص الشرعية قطعية في إيجاب الدفاع عن مقدسات المسلمين وحمايتها. ويتضح ذلك جلياً في مفهوم النصرة الواجبة التي بينها الله تعالى في محكم التنزيل بقوله وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر، حيث يرفع هذا الأمر الإلهي النصرة من مرتبة الخيار السياسي إلى مرتبة الواجب الشرعي المُلزم، والسكوت عن الاعتداء على الأرض التي تضم الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة هو نكوص عن هذا الواجب، وتخلٍّ عن أمانة عظيمة طوّق الله بها أعناق المسلمين. كما أن هذا الصمت يضرب في عمق عقيدة الولاء والبراء والتضامن الإسلامي، فالأمة الإسلامية كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وعندما تُستهدف بلاد الحرمين بالصواريخ، أو الطائرات المسيرة، أو المؤامرات السياسية من قوى توسعية أو جماعات إرهابية ضالة، فإن جسد الأمة كله يجب أن يتحرك، والوقوف على الرصيف بدعوى الحياد أو النأي بالنفس يمثل خرقاً صريحاً لعقد الأخوة الإيمانية، وإعانةً غير مباشرة للعدو على استباحة حمى المسلمين. وتتضاعف خطورة خذلان المسلم في مثل هذه المواقف انطلاقاً من التوجيه النبوي الكريم الذي يحذر من خذلان المرء المسلم في موطن يُنتقص فيه من حرمته، فكيف إذا كان هذا الخذلان موقهاً تجاه الدولة التي ترعى المقاصد العظمى للإسلام، وتخدم ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً، مما يجعل السكوت هنا شراكة في الإثم، ودعماً معنوياً للمعتدين للاستمرار في غيهم.
وفي عالم السياسة الواقعية، لا يوجد شيء اسمه حياد مطلق في القضايا المصيرية، بل إن الحياد في كثير من الأحيان هو موقف سياسي مقنّع يخدم الطرف الأقوى أو الطرف المعتدي. فعندما يرى المعتدي، سواء أكان دولة مارقة أو تنظيماً إرهابياً عابراً للحدود، أن القوى المحيطة أو المجتمع الدولي يلوذ بالصمت ويفضل الحياد، فإنه يفسر هذا الصمت على أنه ضوء أخضر وموافقة ضمنية للاستمرار في عدوانه، والصمت هنا يفقد قيمته الأخلاقية ويتحول إلى أداة تمكين للمجرم. وهنا تسقط أقنعة المصلحة الوطنية التي تتذرع بها بعض النخب أو الحكومات بأن الحياد يضمن مصالحها الوطنية الداخلية، وأنه ليس من الحكمة الدخول في صراعات إقليمية، فهذا المنطق يتهاوى تماماً عندما يتعلق الأمر ببلاد الحرمين لأن استقرار هذه البلاد هو الركيزة الأساسية لاستقرار المنطقة بأكملها، وأي انهيار أو زعزعة لأمن السعودية سيعصف باقتصادات وسياسات تلك الدول الصامتة فوراً، مما يجعل حيادها نوعاً من العمى السياسي والانتحار الاستراتيجي بطيء المدى.
لقد حبا الله المملكة العربية السعودية بموقع استراتيجي وثروات طبيعية جعلت منها عماد الاقتصاد العالمي وصمام أمان للطاقة الدولية، وبناءً على ذلك، فإن الاعتداء عليها ليس شأناً داخلياً أو صراعاً حدودياً معزولاً. وتظهر أهمية المملكة في سوق الطاقة العالمي كونها أكبر مصدّر للنفط في العالم، والمتحكم الرئيسي في استقرار أسعار الطاقة عبر منظمة أوبك بلس وغيرها، وبالتالي فإن استهداف منشآتها النفطية يؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار الوقود عالمياً، مما يسبب ركوداً اقتصادياً وتضخماً يضرب معيشة المواطن البسيط في كل قارات العالم. كما أن المملكة تطل على ممرات مائية حيوية مثل البحر الأحمر والخليج العربي، وهي شرايين حركية رئيسية للتجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وتهديد أمنها يمنح الجماعات الإرهابية والدول المارقة القدرة على خنق الملاحة الدولية، مما يرفع تكاليف الشحن ويؤخر وصول السلع الأساسية. أضف إلى ذلك دورها الريادي في مكافحة الإرهاب باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأول عالمياً في تجفيف منابع الإرهاب الفكري والمادي، ومحاربة تنظيمات مثل داعش والقاعدة، وإن إضعاف المملكة أو إشغالها بالدفاع عن حدودها يتيح لهذه التنظيمات المتطرفة مساحات جديدة للنمو والتمدد، وتهديد الأمن السلمي في العالم أجمع.
إن الخيانة والتواطؤ لا يتطلبان بالضرورة حمل السلاح إلى جانب المعتدي، فالصمت والحياد يتخذان أشكالاً متعددة تؤدي النتيجة الكارثية ذاتها. ويبرز ذلك أولاً في التواطؤ الإعلامي عبر صناعة المظلومية للمعتدي، حيث تتعمد بعض وسائل الإعلام الدولية والإقليمية تبني لغة الحياد الزائف عند تغطية الاعتداءات على السعودية، فبدلاً من إدانة المعتدي صراحة، يتم استخدام مصطلحات ضبابية مثل أطراف النزاع أو تبادل القصف، وهذا التمييع الإعلامي يهدف إلى مساواة الضحية التي تدافع عن سيادتها ومقدساتها بالمعتدي الآثم وهو عين التواطؤ. كما يتجسد الصمت في التقاعس الدبلوماسي في المحافل الدولية، فعندما تكتفي بعض الدول بإصدار بيانات باهتة تعبر عن القلق دون اتخاذ مواقف حازمة في مجلس الأمن أو المنظمات الإسلامية والإقليمية لردع المعتدي وتصنيفه كإرهابي، فإن هذا الموقف المائع يمثل خيانة للمواثيق الدولية التي تؤكد على احترام سيادة الدول وحظر الاعتداء عليها. والموقف الأكثر إحباطاً هو صمت بعض المنتسبين للعلم والفكر في العالم الإسلامي، فالنخبة المفترض بها قيادة الرأي العام وتوجيه الأمة نحو الحق، عندما تلوذ بالصمت حساباً لسياسات ضيقة أو خوفاً من خسارة مكاسب معينة، فإنها تخون أمانة الكلمة وتترك الجماهير فريسة للشائعات والتضليل الذي يبثه الأعداء.
وإن المتأمل في سجل المملكة العربية السعودية يجد يدها البيضاء ممتدة بالإغاثة والتنمية لكل أصقاع الأرض، دون تمييز على أساس عرق أو دين. وتتجلى أبعاد هذا الدور من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث تصدرت المملكة دول العالم في تقديم المساعدات الإنسانية للدول النامية والمتضررة من الكوارث والحروب، وشملت هذه المساعدات ملايين البشر في اليمن، وسوريا، وفلسطين، وباكستان، ودول أفريقية عديدة. كما ظلت القضية الفلسطينية، والدفاع عن حقوق الأقليات المسلمة في العالم، ودعم استقرار الدول العربية والإسلامية، على رأس أولويات السياسة الخارجية السعودية لعقود طويلة. وعندما تواجه دولة بهذا السجل الإنساني والسياسي النبيل اعتداءً على أراضيها، فإن الوفاء الأخلاقي والإنساني يفرض على الجميع الوقوف معها تأييداً ونصراً، أما اتخاذ موقف الحياد والسكوت، فهو ليس سوى جحود ونكران للجميل، وسقوط مدوٍّ في اختبار الأخلاق والمروءة الإنسانية.
وإذا سُمح لمبدأ الحياد والسكوت أن يسود عند استهداف بلاد الحرمين، فإن الأمة الإسلامية مقبلة على حقبة مظلمة من التشرذم والضعف، حيث سيؤدي ذلك إلى تجرؤ الأعداء على المقدسات، وإن نجاح الأعداء في استهداف العمق الاستراتيجي لبلاد الحرمين دون رد فعل إسلامي موحد وقاسٍ، سيكسر هيبة الأمة ويسيل لعاب القوى الطامعة لتهديد الحرمين الشريفين بشكل مباشر، وكان التهديد الحوثي المدعوم إيرانياً في فترات سابقة وإطلاق الصواريخ باتجاه منطقة مكة المكرمة بمثابة إنذار مبكر لما يمكن أن تؤول إليه الأمور إذا استمر الصمت الدولي والإسلامي. كما سيقود هذا الصمت إلى تفكك النظام الإقليمي العربي والإسلامي، لكون السعودية القوة المركزية القائدة في المنطقة، وإضعاف هذا المركز يعني انهيار منظومات العمل المشترك مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وتحول المنطقة إلى ساحات نفوذ للقوى الإقليمية التوسعية التي لا تريد خيراً للعرب أو المسلمين.
إن التاريخ لا يرحم الصامتين، وصفحاته لا تحتفظ بأسماء الواقفين على الحياد في معارك الحق والباطل إلا في قوائم المتخاذلين. إن بلاد الحرمين الشريفين خط أحمر، والدفاع عنها ليس منة يقدمها أحد، بل هو ذود عن الهوية، والعقيدة، والتاريخ، والمستقبل المشترك. ويجب على الدول الإسلامية، حكومات وشعوباً، وعلى المجتمع الدولي بأسره، أن يدركوا أن السكوت عن الاعتداء على المملكة العربية السعودية هو تواطؤ مع الفوضى، وخيانة لأمانة السلم الدولي، وشراكة غير مباشرة في الجريمة. لقد آن الأوان لتتضافر الجهود، وتتضح المواقف، ويُعلن بصوت واحد بأن أمن بلاد الحرمين من أمن الأمة، ولا مكان للحياد عندما يُستهدف قلب الإسلام.