د. حمود بن فلاح العتيبي
لم تكن المطارات يومًا ميدانًا للحروب أو الحسابات السياسية والعسكرية، ولم يكن المسافرون أهدافًا للصواريخ والمسيّرات، بل وُجدت لتكون بوابات للحياة والتواصل بين الشعوب. وحين تستهدف الميليشيات الحوثية الإرهابية مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وتعرّض حياة المسافرين للخطر، فإننا لا نكون أمام حادث عابر، بل أمام جريمة تهز الضمير الإنساني، وتكشف خطورة الميليشيات التي تجعل أرواح الأبرياء وقودًا لصراعاتها.
فمطار الملك خالد الدولي بالرياض منشأة مدنية تستقبل القادمين إلى المملكة والمغادرين منها، ومن بينهم معتمرين متوجهين إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة، واستهداف هذا المرفق لا يهدد سلامة المسافرين فحسب، بل يعرّض المعتمرين للخطر في رحلتهم إلى أطهر بقاع الأرض، ويحوّل لحظات يُفترض أن تسودها الطمأنينة إلى مشاهد من الخوف والفقد.
وتتضاعف خطورة هذه الاعتداءات حين تُقرأ في سياق التهديدات والاعتداءات السابقة التي طالت أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فمكة أقدس بقاع الأرض، وقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، والمدينة المنورة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهما مكانة عظيمة في وجدان المسلمين. وقد أعلنت المملكة، في مناسبات سابقة، اعتراض صاروخ أُطلق باتجاه منطقة مكة المكرمة، إلى جانب تعرض محطة طيبة لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة لهجوم.
فالحرمان الشريفان وأمنهما مسؤولية عظيمة تحظى باهتمام الأمة الإسلامية بأسرها. ومن هنا، فإن أي تهديد يعرّض زوارهما للخطر أو يحاول بث الخوف في نفوس المعتمرين يصطدم بقيم الدين ومبادئه؛ فالمقدسات لها حرمتها، والإنسان له كرامته، وحفظ النفس من المقاصد العظيمة التي جاءت الشريعة لصيانتها، لا للتفريط فيها أو اتخاذها وسيلة لتحقيق المكاسب.
وهنا تبرز مفارقة لا يمكن تجاهلها: كيف لمن يرفع شعارات نصرة الإسلام والدفاع عن المسلمين أن يعرّض حياتهم للخطر؟ وكيف لمن يهددهم أن يستر أفعاله بشعارات دينية لا تصمد أمام حقيقة الدماء التي تسفكها الهجمات؟
وفي هذا السياق، أكد سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء، الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، أن استهداف الميليشيا الحوثية الإرهابية للمنشآت المدنية وإزهاق الأرواح المعصومة، ومن ذلك أرواح قاصدي المسجد الحرام والمسجد النبوي، من أعظم الجرائم التي توعّد الله مرتكبيها بالعذاب الأليم. واستشهد سماحته بقول الله تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة المنورة: «من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء». كما دعا سماحته الله تعالى أن يقطع دابر المجرمين، وأن يحفظ المملكة وبلاد المسلمين.
إن حرمة الدماء والمقدسات أصل شرعي لا تسقطه الخصومات، ولا تبيحه الحسابات السياسية. فقد نهى الإسلام عن قتل الأبرياء، وأكدت السنة النبوية حرمة الاعتداء على من لا يشاركون في القتال.
وعلى المستوى الدولي، يحظر القانون الدولي الإنساني توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية، ويوجب التمييز بين الأهداف العسكرية والمنشآت المخصصة لخدمة الناس. فالمطارات المدنية والمستشفيات ومحطات الكهرباء ومرافق المياه ليست أهدافًا مباحة لمجرد وقوعها في نطاق الصراع، وقد يرقى تعمّد استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية إلى جريمة حرب متى توافرت العناصر القانونية اللازمة. ومن ثم، فإن هذه الاعتداءات تستوجب توثيق الوقائع والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الأدلة والقانون.
وفي مواجهة هذه التهديدات، لم يكن الموقف الإسلامي صامتًا؛ فقد عبّر 176 وزيرًا وعالمًا ومفتيًا ورئيس جمعية وجامعة ومؤسسة إسلامية من أكثر من 70 دولة عن إدانتهم للاعتداءات الحوثية التي تستهدف المملكة وتهدد أمن الحرمين الشريفين وزوارهما، وذلك عبر بيانات ورسائل وبرقيات وُجّهت إلى وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ.
وأكدت هذه المواقف أن الاعتداء على أمن المملكة والمنشآت المدنية، ومحاولة ترويع الآمنين أو تعريض المعتمرين للخطر، يتنافى مع المبادئ الإسلامية والقيم الإنسانية والأخلاقية. كما عكست هذه الرسائل تقديرًا لما تبذله المملكة من جهود في خدمة الإسلام والمسلمين ورعاية الحجاج والمعتمرين، وما تتخذه من إجراءات لحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، وصيانة مقدساتها ومنشآتها الحيوية.
وتكتسب هذه الإدانة أهميتها من اتساع نطاقها وتعدد الجهات والشخصيات التي عبّرت عنها؛ فهي تؤكد أن أمن المملكة ليس مسألة منفصلة عن أمن العالم الإسلامي، وأن حماية الحرمين الشريفين تحظى باهتمام المسلمين في مختلف دول العالم.
والمملكة العربية السعودية، وهي تواجه هذه التهديدات، لا تحتاج إلى من يذكّرها بحقها في حماية سيادتها وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها ومنشآتها الحيوية؛ فهذا حق أصيل تكفله القواعد الدولية، على أن تُمارَس تدابير الدفاع وفق القانون الدولي وما يفرضه من ضرورة وتناسب وحماية للمدنيين. وقد أثبتت المملكة، عبر تاريخها، أن حماية أمنها لا تنفصل عن مسؤوليتها تجاه الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وأن ما تبذله في خدمة الحجاج والمعتمرين يتجاوز توفير الخدمات إلى ضمان بيئة آمنة تمكّنهم من أداء مناسكهم بطمأنينة.
ولا ينبغي أن يُفهم رفض الاعتداءات الحوثية على أنه عداء للشعب اليمني الشقيق؛ فاليمنيون أنفسهم دفعوا أثمانًا باهظة جراء الصراع والانقلاب، وتدهور مؤسسات الدولة، ومعاناة الاقتصاد. والفرق واضح بين شعب يتطلع إلى الأمن والاستقرار والحياة الكريمة، وميليشيا تختار التصعيد وتعرّض حياة المدنيين ومصالح المنطقة للخطر. إن مستقبل اليمن لا يُبنى بالصواريخ والمسيّرات، ولا باستهداف الجيران والمنشآت المدنية، بل باستعادة الدولة ومؤسساتها، واحترام سيادتها، وإفساح الطريق أمام تسوية تنهي المعاناة وتعيد للشعب اليمني حقه في الأمن والتنمية.
أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الميليشيا الحوثية الإرهابية ومن يقف وراءها ويدعمها، فهي أن الرهان على الدعم الإيراني، أو على أي دعم آخر، مباشرًا كان أو غير مباشر، معلنًا أو مستترًا، يجب ألا يقود إلى وهم القدرة على استباحة أمن المملكة دون عواقب.
فأمن المملكة والحرمين الشريفين ليس مجالًا للمساومة أو الابتزاز، واستهداف المدنيين والمرافق الحيوية لن يصنع انتصارًا، بل يوسّع دائرة الرفض ويزيد عزلة المعتدين. كما أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع هذه التهديدات بجدية، وحماية الملاحة الجوية والمنشآت المدنية وحق الناس في التنقل الآمن، وعدم السماح بتحويل أمن المنطقة إلى ورقة تستخدمها المليشيا الإرهابية لتحقيق أهدافها.
إن التضامن الإسلامي الواسع مع المملكة يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاعتداء على أمنها وتهديد الحرمين الشريفين لا يمسان دولة واحدة فحسب، بل يطالان مشاعر أمة كاملة تتعلق قلوبها ببيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم. وستبقى المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ماضية في حماية أرضها ومقدساتها وخدمة ضيوف الرحمن، مستندة إلى حقها في الدفاع عن أمنها، وإلى مكانتها في العالم الإسلامي، والتفاف أبنائها حولها، ومساندة الأشقاء والأصدقاء.